عبد الرحمن سيد أحمد الأمين
ليس كل تعيين في الدولة خبراً إدارياً يمر كما تمر أسماء الموظفين على دفاتر الخدمة. بعض التعيينات، في الأزمنة الصعبة، تكون من جنس العلامة لا المعاملة، ومن جنس المعنى لا المنصب. وقرار الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بتعيين الدكتور أمجد فريد الطيب مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لا أقرأه، من جانبي، كإضافة مقعد الي الحكومة، بل كإعادة اعتبار لوظيفة السياسة حين تنخلع من عراكات الديكة إلى شأن الدولة الكبير.
فهذه الحرب، لم تضرب الدولة في مبانيها وسلطاتها فحسب. بل ضربتها في معناها أيضاً. صار عليها أن تثبت كل صباح أنها ليست مليشيا، وأن الجيش ليس عصابة، وأن السيادة ليست كلمة من قاموس قديم، وأن السودانيين ليسوا مادة خاماً لتجارب الوسطاء، وليسوا نهباً للعملاء، ولا جمهوراً ينتظر من الخارج أن يمنحه تعريفه لنفسه. وحين تبلغ الحرب هذا الحد، لا تعود السياسة زخرفاً خطابياً، بل تصبح سلاحاً من أسلحة البقاء. ولعل البرهان، بهذا القرار، قد انتبه إلى أن معركة السودان لا تُخاض بالبندقية وحدها، بل تُخاض كذلك بالكلمة التي تعرف موضعها، وبالفكرة التي لا تستحي من وطنها، وبالحجة التي تدخل على العالم من باب مصالحه لا من شباك استعطافه.
وأمجد فريد، لمن شاء أن ينظر الي واقع الأمور لا أن يثرثر حولها، ليس طارئاً على هذا المعنى. هو من أبناء تلك المدرسة التي ناضلت من اجل الانتقال الديمقراطي وخبرته من داخله، ووقفت على عوامل هشاشته، ثم خرجت من رماده لا لتتبرأ من الدولة، بل لتسأل: كيف نُنقذها من خاطفيها ومن كارهيها معاً؟ وهذه فضيلة نادرة في زمان أدمن فيه بعض المثقفين أن يكونوا ضد الدولة إذا لم تكن على مقاس خيباتهم، وضد الجيش إذا لم ينطق بلسانهم، وضد الشعب إذا خالف سرديتهم الجاهزة. وكأن الوطن عندهم لا يكون وطناً إلا إذا وافق مزاج صالوناتهم.
وليس أدل على جدوى قرار التعيين من زيارة واشنطن الأولى التي قام بها المستشار الجديد. فالزيارة، في معناها السياسي، لم تكن سياحة من قبيل الزيارات الرسمية المعتادة، بل كانت قفزة من نور لتكسر الحجاب الكثيف الذي أُسدل على حرب السودان: حجاب المساواة الباطلة بين جيش دولة ومليشيا الجنجويد، وحجاب تحويل العدوان الخارجي إلى تعقيد داخلي، وحجاب تسمية الأشياء بغير أسمائها حتى ينجو المجرم من التسمية والاشارة اليه قبل أن ينجو من العقاب. هناك، في واشنطن، بدأ أمجد من أول الدرس: أن لا سلام في السودان ما لم تنقطع شبكات الإمداد الخارجي، وأن لا سياسة رشيدة إذا ساوت بين مؤسسة وطنية، مهما كان عليها من نقد، وقوة نهب واغتصاب واحتلال بيوت الناس ومرافقهم وذاكرتهم.
وهذا هو الاختراق الحقيقي: ليس أن يسمعك الأمريكي، بل أن تضطره إلى سماع السودان لا سماع الوسطاء عنه. ليس أن تدخل مكتبه، بل أن تدخل منطقه. وليس أن تقول له إننا مظلومون فحسب، بل أن تبين له أن استمرار الحرب خطر على البحر الأحمر، وعلى القرن الأفريقي، وعلى الساحل، وعلى مصالحه هو قبل أن يكون فضيحة أخلاقية في ضمير العالم. السياسة الخارجية لا تقوم على الشكوى وحدها. الشكوى دمعة، أما الحجة فمؤسسة.
وقد أحسن أمجد، في ما ظهر من خطابه، حين لم يجعل المسألة حرباً أيديولوجية كما يريد لها تجار الضباب، بل ردها إلى أصلها العاري: دولة تُستهدف في سيادتها، ومجتمع يُراد كسره، ومليشيا تُمد بالسلاح والغطاء والسردية. إن اختزال حرب السودان في كليشيهات الإسلاميين والعلمانيين، أو المركز والهامش، أو المدنيين والعسكر، هو هروب من الواقعة إلى اليافطة. واليافطة، كما نعلم من فقه السياسة السودانية، قد تبتلع أحياناً الحقيقة. نعم، للسودان عِلله القديمة، وله خطايا دولته الوطنية، وله أزمة نخبة لا تنتهي. ولكن لا شيء من ذلك يبرر أن تُغسل جرائم المليشيا في مغسلة التحليل البارد، أو أن يُمنح التدخل الخارجي رتبة القدر.
والأمل في هذا التعيين، إذن، ليس أملاً في رجل وحده. فالرجال لا يصنعون التاريخ إلا إذا صادفوا مؤسسة تعرف كيف تستفيد منهم و بهم. الأمل أن يكون هذا التعيين باباً لاستعادة دور السياسة إلى مؤسسة الدولة، بدلاً عن إغراق الدولة في مستنقعات السياسة الصغيرة. نحتاج إلى عقل استشاري يقول للقيادة إن السيادة لا تُصان بالإنكار، بل بالقدرة على الحكم، وتقديم الخدمة، وتحقيق المساءلة، وتوحيد الجبهة الوطنية. ونحتاج إلى خطاب خارجي يقول للعالم: نحن لسنا ضد السلام، ولكننا ضد ان نكافئ من أشعل الحرب على جرائمه. لسنا ضد الحوار، ولكننا ضد أن يُدار الحوار السوداني بأجندة غير سودانية. لسنا ضد المجتمع الدولي، ولكننا ضد أن يتحول المجتمع الدولي إلى شاهد زور أنيق الملبس ومعسول الكلام ولكنه كاذب.
لقد تعب السودانيون من مفردات كثيرة فقدت معناها من كثرة ما استُعملت في غير موضعها. تعبوا من “العملية السياسية” حين تصير ستاراً لتقنين الأمر الواقع، ومن “الحياد” حين يصبح مساواة بين الضحية وجلادها، ومن “السلام” حين يُطلب من الناس أن يسلموا بيوتهم وموتاهم وكرامتهم لمن انتهكها. ولذلك فإن أي باب للتعافي الوطني لا بد أن يُفتح من عتبة واضحة: استقلال البلاد، وسيادتها، ووحدة مؤسساتها، وحق شعبها في مستقبل لا تكتبه له المليشيات ولا العواصم الطامعة ولا النخب التي أدمنت الترجمة عن غيرها.
في هذا المعنى، يستحق قرار البرهان الإطراء لا لأنه عيّن أمجد فريد فحسب، بل لأنه أشار، ولو من فتحة ضوء، إلى أن الدولة بدأت تبحث عن لسان سياسي يليق بمحنتها. واللسان في الحرب ليس صوتاً فقط، بل ميزان. فإن استقام الميزان، تستقيم الحجة. وإن استقامت الحجة، وجدت الدولة طريقها إلى الناس والعالم معاً. وما السودان اليوم إلا وطن عظيم جُرح كثيراً، ولكنه لم يفقد حقه في أن ينهض على ثوابته الكبرى: الاستقلال، السيادة، وكرامة المستقبل.
abdelrahman60@protonmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم