بين خطاب السلطة وضمير المهنة

دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk

في أوقات الاضطراب الكبرى، لا تكون الحقيقة أول الضحايا فحسب، بل تتحول أيضاً إلى ساحة نزاع. كل طرف يرويها كما يريد، وكل خطاب يسعى إلى تثبيت روايته بوصفها الحقيقة الوحيدة.

في هذا السياق، جاء الجدل الذي أثاره خطاب عبد الفتاح البرهان مؤخرًا، حين وجّه اتهامات إلى أطباء السودان، شكّك فيها في أدوارهم، وألمح إلى ارتباطات تتجاوز مهنتهم الإنسانية. لم تكن هذه التصريحات عابرة؛ فقد جاءت في لحظة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحرب مع ما تبقى من مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القطاع الصحي.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسياً بالكامل، بل أخلاقي إلى حد بعيد: هل يصح اختزال دور الأطباء، في ظل هذه الظروف، في اتهامات أمنية عامة؟

على مدى الأشهر الماضية، عمل الأطباء في ظروف لا توفر الحد الأدنى من الإمكانات: مستشفيات خرجت من الخدمة، شحّ في الأدوية والمستلزمات، وانقطاع متكرر للكهرباء والمياه، فضلاً عن مخاطر القصف والاشتباكات.

ومع ذلك، بقيت غرف العمليات مفتوحة، ولو أحياناً على ضوء الهواتف المحمولة. استمروا في إسعاف الجرحى وعلاج المصابين، دون تفرقة بين مدني وعسكري، أو بين انتماء وآخر. هذه ليست صورة مثالية، بل واقع موثق في تقارير وشهادات عديدة.

دفع عدد من الأطباء حياتهم ثمنًاً لوجودهم في مواقعهم، فيما تعرّض آخرون للاعتقال أو النزوح. ومع ذلك، لم يتوقف الحد الأدنى من الخدمة الطبية، وهو ما يعكس التزامًا مهنياً يتجاوز الاعتبارات السياسية.

في مثل هذا السياق، فإن توجيه اتهامات عامة إلى هذه الفئة يتطلب قدراً عالياً من الدقة. فالمؤسسات الصحية تقوم، في جوهرها، على الحياد. وأي محاولة لزجّها في صراع الأطراف لا تؤدي إلا إلى تقويض ما تبقى من الثقة بها، وهي ثقة يحتاجها الجميع، بمن فيهم مطلقو هذه الاتهامات.

التاريخ، القريب والبعيد، يقدّم أمثلة واضحة: حين تُستهدف الكوادر الطبية، أو يُشكّك في حيادها، فإن الخاسر الأول لا يكون طرفًا بعينه، بل المجتمع بأسره.

في لحظات التوتر، يسهل البحث عن خصوم جدد، أو تحميل فئة بعينها مسؤوليات تفوق دورها. غير أن ذلك لا يحل أزمة، ولا يغير موازين واقع معقد. ما يفعله، في أحسن الأحوال، هو توسيع دائرة الشك، وإضعاف ما تبقى من مؤسسات قادرة على الصمود.

الأطباء ليسوا فوق النقد، لكنهم ليسوا طرفاً في الصراع بالمعنى الذي يُراد لهم أن يكونوا عليه. دورهم، في الأساس، ظل مرتبطاً بحماية الحياة، وهو دور يزداد أهمية كلما اشتد النزاع.

ربما لا يحتاج أطباء السودان إلى من يدافع عنهم بقدر ما تحتاج الوقائع إلى أن تُروى بهدوء. ففي بلد تتنازعه الأزمات، تبقى المهن التي تحفظ الحد الأدنى من إنسانيته — وفي مقدمتها الطب — خطاً أخيراً لا يحتمل كثيراً من العبث.

في النهاية، قد يختلف الناس في السياسة وفي تفسير ما يجري، لكنهم نادراً ما يختلفون حول قيمة من ينقذ حياة إنسان.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

«في جثة القتيل دوماً تكمن الحقيقة»

«في جثة القتيل دوماً تكمن الحقيقة» — نزار قباني.دكتور محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.uk ثمة جثث لا تموت. …