ظهرت لنا الإشكالية واضحة في صيغة تحري الحقائق التي اتبعناها بمجرد الوصول إلى ساحة اللقاء مع ممثلي ساكني معسكر “دريج” للنازحين عند أطراف مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور. كان هذا ثاني معسكر نزوره خلال يومين، بعد معسكر “أبوشوك” خارج مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور. وكما هو الحال في كل ساحة صراع أخرى، فإن محاولة تحري الحقائق والصراع ما يزال محتدماً تكتنفه الكثير من المصاعب. شخصياً لم يكن لدي الكثير من الأوهام حول هذه الزيارة، حيث أنني أتشكك دوماً في قيام شخص مهما كانت مؤهلاته بإصدار الأحكام حول قضية معينة بمجرد زيارة خاطفة لا تزيد على أيام، وأحياناً ساعات. وقد كان تابو امبيكي رئيس جنوب افريقيا السابق ورئيس الوفد الذي حضرنا في صحبته، أقل طموحاً، حيث كرر في كل لقاءاته أنه حضر لدارفور للاستماع إلى رؤية ومقترحات أهل دارفور خاصة وأهل السوادن عامة للحل المطلوب للأزمة التي ظلت تعصف بالإقليم لسنوات وبدأت تهدد مستقبل البلاد. وكانت رئاسة الاتحاد الافريقي قد كلفت امبيكي برئاسة لجنة عالية المستوى لتقصي الحقائق في دارفور وتقديم توصية للاتحاد الافريقي حول التعامل مع قضية الانتهاكات في الإقليم في إطار حل شامل للأزمة. وقد تم تكوين اللجنة من عدد من الشخصيات الافريقية البارزة، من بينهم أبوبكر عبدالسلام، الرئيس النيجيري السابق، وبول بويويا، رئيس بوروندي السابق، مع الاستعانة بثلة من الخبراء من القارة. وقد جاءت زيارة اللجنة الأولى للسودان في مطلع أبريل، حيث عقدت لقاءات مع المسؤولين ومنظمات المجتمع المدني والسياسيين. وقد شاب بعض البرنامج شيء من الاضطراب بسبب تنازع بعض الجهات على لقاء اللجنة وتضارب الجهات المنظمة. التحقت بالوفد لدى زيارته إلى الفاشر يوم الجمعة الثالث من أبريل، حيث بدأت الزيارة باستقبال رسمي في مطار الفاشر، ثم برحلة إلى معسكر أبو شوك للنازحين، وهو معسكر معروف بموالاة قياداته للحكومة. وفي المعسكر استمعنا لعدد من ممثلي النازحين يصفون فيها أوضاعهم ومطالبهم. وقد تحدث حوالي أربعة أشخاص عن النازحين أشاروا في مجمل حديثهم إلى الإشكال الذي خلفه طرد عدد من المنظمات الطوعية الأجنبية كانت تقدم الدعم لأهل المعسكر، وكشفوا أنهم التقوا ممثلي حكومة الولاية وحصلوا منهم على تعهدات بسد الفجوة التي خلفها رحيل المنظمات. وقد قال أحدهم إن الفجوة قد تم سدها بالفعل. وأكد المتحدثون معارضتهم لقرار المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير، وقالوا إن الأولوية بالنسبة لهم هي تحقيق السلام والأمن حتى يعودوا إلى قراهم ومواطنهم الأصلية. بعد ذلك انطلقنا إلى اجتماع مطول مع حكومة الولاية حيث قدم الوالي تصوره للأزمة وطريقة حلها، وأجاب المسؤولون على أسئلة اللجنة حول الممارسات العدلية والقضائية وما إذا كان بعض المتهمين بارتكاب تجاوزات قد قدموا إلى العدالة. وبنهاية المداولات مع حكومة الولاية كان وقت صلاة الجمعة قد حان، فاتجهنا إلى مقر رئاسة القوات الأممية حيث كان من المتوقع أن نلتقي قيادات تمثل المجتمع المدني في الولاية من غير الفئات المحسوبة على الحكومة. إلا أن المجموعة كانت قد غادرت لصلاة الجمعة. وفي الانتظار تناولنا طعام الغداء قبل أن نعود للقاء وفد المنظمات المدنية. ولم يكن خطابها –ما عدا استثناء جزئي- يختلف عما سمعناه في صباح ذلك اليوم. تلا ذلك لقاء مع رئاسة قوات اليوناميد تم فيه شرح دور القوات وما حققته من انتشار حتى ذلك الوقت.حين يقترب المرء من مقر رئاسة قوات اليوناميد ومواقعها الأخرى ينتابه شعور غير مريح أمام هذه القلاع الحصينة التي تجسد انتقاص السيادة والعجز الوطني عن توفير مقومات الأمن للمواطن. ولكن هذا الشعور يتحول إلى استغراب حين يشاهد المرء قوات الشرطة السودانية وهي تحرس مقرات القوات المفترض فيها أن تحمي المدنيين من القوات الحكومية، بما فيها الشرطة. إلا أن اللوم لا يقع على هذه القوات ومن جاءوا بها، وإنما على السياسات والممارسات التي أفقدت البلاد سيادتها وحصانتها، وجعلت أبناء الوطن يستجير بعضهم من بعض بالأجانب ويتحاكمون إلى الأعداء والطامعين. انتهت جولتنا تلك فعدنا إلى الخرطوم ليلتنا تلك لنعاود السفر إلى نيالا في جنوب دارفور صباح اليوم التالي. وفي الطريق كنت أتأمل الصحراء الشاسعة التي تفصل بين الفاشر ووادي النيل، وهي صحارى تكاد تخلو من الحياة إلا في بقاع حضرية وشبه حضرية متناثرة. وكانت آخر زيارة لي للفاشر تمت قبل أكثر من عقدين من الزمان، وفي تلك الأيام، كما هو الحال الآن، كانت المدنية الهادئة الوادعة تخفي وراء هدوئها عواصف مدمرة من الصراع والتنازع بين مكونات الإقليم. هذه المرة عمق من مظهر المدينة الخادع المشاهد العمرانية الجديدة، بدءاً من مطارها الحديث وجامعتها ومبانيها الحكومية والخاصة، وهي كلها مظاهر كانت غائبة في زيارتي الأخيرة. لم أكن قد زرت نيالا من قبل، ولكنها بهرتنا حتى من الجو بمشاهد الخضرة والجمال، ثم لدى نزولنا بما فيها من عمران جعلنا لا ندهش حين أبلغنا بأنها أصبحت ثاني مدينة في السودان من حيث عدد السكان. وقد أتيح لنا هنا مجال للطواف أكثر مما أتيح لنا في الفاشر، حيث مررنا بسوق المدينة العامر والعديد من أحيائها. وقد بدأ البرنامج هنا بلقاء مع الحكومة تم فيه تكرار كثير مما سمعنا في اليوم السابق، سوى ما تفضلت به سيدة من الناشطات عن جهود المرأة لإحلال السلام. وكان رئاسة الوفد قد رفضت في اليوم السابق أن يشتمل اللقاء مع حكومة الولاية على فقرة تناول الطعام مما نتج عنه أننا لم نتناول طعام الإفطار إلى بعد صلاة العصر. ولكن الآية انعكست هنا حيث أصر الوالي على أن يتناول الوفد طعام الإفطار في ضيافته، مما أضاع ساعات ثمينة من وقت الزيارة كانت على حساب لقاء منظمات المجتمع المدني الذي تم الغاؤه في نهاية اليوم بسبب انصراف المشاركين بعد تضجرهم من طول الانتظار. زيارتنا لمعكسر “دريج” عند أطراف نيالا جاءت متأخرة لهذا السبب أيضاً، ولكنها أتاحت لنا الافتراب من واقع النازحين أكثر مما حدث في معكسر “أبوشوك” رغم الحضور الأمني المكثف الذي رافقنا. فبخلاف ما حدث هناك حيث تم اللقاء بممثلي النازحين في قاعة أعدت خصيصاً عند أطراف المعسكر، فإننا في هذه الزيارة عبرنا المعسكر من أقصاه إلى أقصاه قبل أن نصل إلى الخيمة التي أعد فيها اللقاء مع قيادات النازحين. ولدقائق بدت كما لوكانت ساعات مررنا عبر عشرات الأكواخ والخيام المشيدة من أبسط المواد، حيث تزدحم الأسر (وحيواناتها في أحيان كثيرة) في مساحات ضيقة وأوضاع بائسة. وبعد أن نزلنا من السيارات مررنا بمكان يشبه سوقاً لتبادل السلع عرضت فيه بعض الخضروات والمأكولات. حينما وصلنا إلى موقع اللقاء، انصرفت عن موقع الاجتماع الرسمي واقتربت من مجموعة من الأطفال تجمعوا بالقرب من المكان وأخذت أتجاذب معهم أطراف الحديث حول بعض شؤون المعسكر وعن المواقع التي نزحوا منها وسبب النزوح. وقد أجابوا شأن الأطفال في عفوية وصدق. انصرفت عنهم بعد ذلك إلى حيث وقفت مجموعة من الشباب لبدء حوار آخر معهم، ولكنهم رفضوا الحديث وحتى مجرد رد التحية، وقد بدا أنهم يشتعلون غضباً. انتقلت بعد ذلك إلى مكان الاجتماع الرسمي حيث كان امبيكي يخاطب الحضور قائلاً إن النازحين هم محور مهمته، وأنه ما جاء إلى هنا إلا ليسمع منهم ويطلب مشورتهم، لأنهم الأدرى بأقصر الطرق لتسريع عملية السلام. رد ممثل النازحين قائلاً إن مطلبهم الأول هو تأمين القرى وإعادة تعميرها حتى يتسنى للنازحين العودة إلى مواطنهم الأصلية لأنهم قد سئموا الإقامة في معسكرات النزوح. وتحدث أيضاً عن احتياجات سكان المعسكر الذين قال إنهم يزيدون على سبعة وثلاثين ألف نفس، منهم قرابة ستة آلاف من الأرامل والأيتام والعجزة. وقال إن هناك كثير من الأسر غير مسجلة رسمياً مما يحرمها من الحصول على المعونات، وهنا مئات الأسر المسجلة ولكنها لم تحصل على حصتها من المعونات الغذائية منذ أشهر. وكما في أبوشوك قال ممثل النازحين إنهم قد تلقوا تعهداً من حكومة الولاية بسد العجز الذي خلفه طرد المنظمات الأجنبية. بعد ذلك طلب امبيكي الاستماع إلى صوت المرأة، فتقدمت سيدة تحدثت عن معاناة النساء والأطفال في المعسكرات، خاصة لجهة نقص الخدمات الصحية والتعليمية وطالبت بزيادة وتحسين هذه الخدمات. وبعد اللقاء اقتربت من بعض رجال المعسكر فسألتهم عن حقيقة الأوضاع، فكانت إجابتهم بالإجماع عن صعوبة الأوضاع، خاصة بعد إبعاد المنظمات الأجنبية. كانت هذه التجربة مدعاة لتأمل أعمق في تعقيدات المهمة التي أخذها امبيكي على عاتقه، وهي مهمة محفوفة بالمخاطر لأنها تسعى لمعالجة واحدة من أكبر معضلات القارة بعد أن عجزت القوى الكبرى التي جعلت هذه القضية همها وتشعبت تدخلاتها فيها عن إحراز تقدم في هذا الأمر. ويزيد من صعوبة التحدي أن امبيكي قد تعرض ومن ورائه الاتحاد الافريقي لهجوم كاسح من قبل عدة جهات. فقد اتهمت منظمة “كفاية” الأمريكية الاتحاد الافريقي بالافلاس الفكري لاختياره امبيكي الذي قالت المنظمة إنه يسعى لتكرار سيناريو إنقاذ النظام الذي نفذه في زيمبابوي. من جهة أخرى يعلق الاتحاد الافريقي والجهات الدولية آمالاً كبيرة على مهمة الزعيم الافريقي بسبب مكانته وصدقيته، وأيضاً بسبب تضاؤل الخيارات المتاحة البديلة. بالنسبة لي شخصياً كان السعي كان الوصول إلى دارفور ضرورة إنسانية ومناسبة للتأمل عن قرب في الجانب الإنساني للأزمة بدلاً من الحديث المجرد عن تعقيداتها السياسية. وقد تعلمنا الكثير مما غاب عنا في السابق، ولكن أكثر ما تعلمناه هو الحاجة إلى مزيد من التعمق في فهم الأزمة بدون أن يغيب عنا الجانب الإنساني باعتباره المحور الذي يجب أن تدور حوله اقتراحات الحلول. فالأولوية هي رفع معاناة الأبرياء لا تحيقيق المكسب السياسي لهذه الجهة أو تلك.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم