Tharwat20042004@yahoo.com
مقدمة
لاتزال الدكتورة سمانتا باورز , المستشارة في مجلس الامن القومي الامريكي , تعكف على بلورة الاستراتيجية الامريكية الجديدة حول السودان , وبالأخص حول دارفور… وتعتمد الدكتورة باورز في رسم هذه الاستراتجية علي معيار واحد احد لا ثاني له … وهو معيار ( مصلحة الولايات المتحدة في المقام الاول والمقام الثاني والمقام الاخير) . ومصلحة الولايات المتحدة يمكن حصرها في : تأمين الأمن القومي الامريكي وضمان أمن وسلامة أسرائيل , تدمير منظمة القاعدة , تحسين صورة الولايات المتحدة , وتنشيط التجارة والاستثمارات الامريكية , خصوصا في قطاع النفط . وهناك تسريبات تشير الى التوجه العام واتجاه بوصلة الاستراتيجية الامريكية حول السودان .
الاستراتيجية الامريكية
ويمكن ان نلملم شذرات من التسريبات المذكورة أعلاه , وكذلك من تصريحات المتنفذين الامريكيين , خصوصا الجنرال قريشن والسنياتور كيري , لنتبين معالم , والخطوط العريضة للاستراتيجية الامريكية الجديدة حول السودان . ويمكن أختزال هذه الاستراتيجية الامريكية في ثماني مؤشرات عريضة كما هو ملخص أدناه :
اولا : تتجه الأستراتيجية الأمريكية الى تقسيم أفريقيا الى مناطق بدلا من دول . الوحدة المستعملة أمريكيا هي المنطقة والأقليم الذي يحتوي على عدة دول , بدلا من الدولة او البلد الواحد . فنجد اقليم وادي النيل , واقليم البحيرات , واقليم القرن الأفريقي , واقليم غرب افريقيا وهكذا … وتحاول ادارة اوباما ربط مشاكل الاقليم الواحد , وحلها كحزمة واحدة بدلا من معالجة كل مشكلة لوحدها , داخل كل بلد لوحده .
وعليه سوف تربط ادارة اوباما حلحلة مشكلة دارفور بمشكلة الجنوب ومشكلة القرن الافريقي خصوصا الصومال , ومشكلة تهريب الاسلحة لحماس في غزة , ومشكلة تشاد , ومشكلة التدخل الليبي السالب في الشؤون الافريقية . وسوف تحاول ادارة اوباما مصارعة كل هذه البؤر والمشاكل , كحزمة واحدة , ومحاولة الوصول الي حل ناجع لكل هذه المشاكل مجتمعة , بدلا من معالجة كل مشكلة على حدة , وفي كل بلد على حدة .
التجميع والربط هو ديدن الاستراتيجية الامريكية الجديدة , ليس فقط في السودان , وانما في باقي مناطق العالم.
ثانيا : في نفاشا , اقتنعت ادارة بوش بلعب دور حكم المبارة . لكن في دارفور سوف تحاول ادارة اوباما ان تكون من اللاعبين داخل الملعب , وتسجل الاقوان . في كل الاحوال , سوف لن تكون متفرجا خارج الملعب يصفق لهذا الفريق او ذاك الفريق , بل سوف تشارك في اللعب .
ثالثا : هدف الاستراتجية الامريكية سوف يكون تأمين السلم والاستقرار على الارض في دارفور , وعودة الاقليم الي حالة ماقبل مارس2003 كخطوة اولى , بدلا من التركيز على ( عملية ) السلام وطق الحنك من ابوجا وسرت وكمبالا ونيروبي الى الدوحة . وسوف تبدأ بخطوة اولية في الوصول الى هذا الهدف , بالأتفاق على وقف فعلي لأطلاق النار في اقليم دار فور . وسوف لن تسمح لاي طرف بخرقه تحت اي مسوغ , والا نزلت علي الطرف الخارق لعنة العم سام . وسوف يتم تنفيذ هذه الخطوة الاولى بعقد اجتماع لكل الاطراف المعنية في اديس ابابا في القريب العاجل . وبداية اجتماع اديس ابابا سوف يعني نهاية مبادرة الدوحة , وموت المبادرة المصرية لعقد اجتماع دولي في شرم الشيخ حول دارفور .
( الفات مات ) ومن اول جديد في اديس ابابا .
رابعا : سوف تحمل ادارة اوباما كثيرا من الجزر وتوزعه ذات اليمين وذات الشمال . ولكنها سوف تمسك بالعصى الغليظة خلف ظهرها جاهزة للضرب على رأس كل من تسول له نفسه , خصوصا من ناس الانقاذ , الضحك على الذقون الامريكية .
خامسا : الفشل غير مسموح به , والا فقد المجتمع الدولي الامل الجديد الذي بعثه اوباما من تراب القبور , والا انقلب السحر على الساحر , ولعن اوباما اللاعنون . سوف لن يسمح اوباما لاي كان بأن يرمي الشعلة المتوهجة من أياديه , والا تدحرج اوباما الي مزبلة التاريخ , وصار شعار التغيير الذي بشر به الى اضحوكة .
سادسا : الاستراتيجية الامريكية الجديدة سوف تكون مبنية على مصالح امريكيا العليا ومبادئها ومثلها وقيمها . ولن يكون فيها مكان للاحسان والملفات الايدولوجية و (المسامح كريم مافينا) .
سابعا : بخصوص ملف امر قبض الرئيس البشير الذي نزل على ادارة اوباما من السماء ك رشة في يوم غائظ , فأن الاستراتيجية الامريكية سوف تكون مبنية على لاءآت الخرطوم الثلاث :
لا للشطب
لا للتجميد
لا للقبض (الا اذا لم يسمع الرئيس البشير الكلام) .
ثامنا : سوف تعمل ادارة اوباما على ابقاء الرئيس البشير في السلطة , وامر القبض يتمايل فوق رأسه , محاكيا البندول , الى ان تنتهي من تنفيذ جميع اجندتها وملفاتها , وخصوصا انفصال جنوب السودان عن شماله في العام2011 , وانضمام السودان الى الفسطاط المعتدل , بعيدا عن ايران وسوريا وحزب الله وحماس , وساقطا في الاحضان الحانية للملك عبد الله الاول والملك عبد الله الثاني والرئيس مبارك .
وأنعم بها من احضان !
الحسانية في شنو ؟
بينما يتوالى مسلسل محكمة الجنايات الدولية وما يجره خلفه من تداعيات أهمها , استمرار وضع السودان علي لائحة الدول الداعمة للارهاب , والدول التي تمارس التفرقة الدينية , والتغطية الإعلامية السالبة للسودان في أغلب المحطات الإعلامية العالمية ,وطرد بعض المنظمات الطوعية العاملة في مجال الإغاثة في دارفور ، والعرضة خارج وداخل الزفة , والزيارات المكوكية لكثير من متنفذي العالم ( امبيكي وقريشن وكيري ) للخرطوم ….. بينما يتوالي هذا المسلسل , يجب أن لا تغيب عن بالنا عدة حقائق في غاية الأهمية . هذه الحقائق لن يزيلها دفن الرؤوس في الرمال , ومؤخرات النعام عارية . ونوجزها أدناه :
أولاً : الأوضاع في دارفور وخصوصاً في مخيمات اللجؤ والنزوح تزداد سؤاً على سؤ كل يوم , خصيصأ بعد طرد المنظمات الطوعية , حيث يموت كل شهر مئات الشهداء من : المرض ” وباء السحائي موخراً ” والجوع والقتل الجنجويدي . والقصف بطائرات الانتنوف العسكرية لمواقع المدنيين كما حدث مؤخرا حول بلدة ام بارو شمال دارفور , في يوم الاربعاء الموافق 13مايو , وحسب تصريح الامم المتحدة . يحدث هذا القصف بعد عدة ايام من بدأ الجولة الثانية لمفاوضات الدوحة بين حكومة الخرطوم وحركة العدل والمساواة , وبعد اعلان حكومة الخرطوم لوقف اطلاق النار من جانبها للمرة العاشرة .
ثانياً : الأوضاع في جنوب السودان تسير بسرعة الصاروخ نحو اعلان الإنفصال الدستوري ، ( الانفصال الفعلي الحقيقي قد تم ) , ربما قبل إستفتاء عام 2011 ، والكتابة على الحائط لكل من ألقى النظر وهو شهيد . مثال واحد يكفي ويزيد : المناهج والكتب المدرسية في السنوات الدراسية ال 12 الاولي قد تم استبدالها بالمناهج والكتب المدرسية اليوغندية بدلأ من السودانية , وتم ايقاف بل تحريم استعمال اللغة العربية في جامعة جوبا , وسلام الحركة الشعبية يتم عزفه في المناسبات الدستورية بدلأ من السلام الجمهوري السوداني .
ثالثا : زادت حدة الاقتتال بين القبائل في جنوب السودان , والتفلتات الامنية المتكررة , مما ينذر بحرب اهلية داخلية في الجنوب . واخر مثال لذلك من بين عدة وقائع : المعارك بين قبيلة المنداري وقبيلة الباري التي ادت الى مئات القتلى في الايام القليلة الماضية . ويتهم حزب سلفاكير شريكه في الحكم حزب البشير بتدريب مليشيات , وارسالها الى الجنوب لزرع الفتنة بين القبائل الجنوبية .
ورفض حزب سلفاكير نتائج التعداد السكاني , بينما اصر حزب البشير على اعتمادها , مما يضع علامة استفهام حول امكانية عقد الانتخابات العامة بحلول فبراير2010 .
ويتهم حزب سلفاكير شريكه حزب البشير بالفساد المالي في التصرف في 40 مليار دولار من مداخيل البترول . كما يتهم حزب البشير شريكه حزب سلفاكير بسوء التصرف في 6 مليار دولار تم ارسالها لحكومة الجنوب مؤخرا .
وهكذا يتبادل الشريكان الاتهامات كما كرة البنج بونج . ومحمد احمد السوداني يراقب الموقف , وهو يضرب اخماسا في اسداس , مستغربأ : كيف يعمل الشريكان , وبجد , لجعل الوحدة طاردة بدلا عن جاذبة ؟
حكمة بالغة؟
رابعا : نقل السيد احمد هارون واليا لولاية جنوب كردفان , وابعاده عن وزارة الشؤون الانسانية ( كاحدى تداعيات قرارات محكمة الجنايات الدولية ) ربما اذكى نار الفتنة بين القبائل العربية (البقارة والحوازمة ) الموالية للانقاذ من جانب , وقبائل النوبة ( الاكثرية ) , الموالية للحركة الشعبية من الجانب الاخر . خصوصا وان قبائل النوبة تتهم السيد هارون بتصفية كثير من ابنائها ابان تواجده في التسعينات وزيرا فاعلا في حكومة الولاية . ومن المؤسف ان ولاية جنوب كردفان قد انقسمت فعليا الي قسمين : قسم تحت سيطرة حكومة الانقاذ ( الوالي هارون ) وقسم ثاني تحت سيطرة الحركة الشعبية ( نائب الوالي عبد العزيز الحلو ) . وربما تستغرب عندما تعرف ان المناهج المدرسية والكتب الدراسية , في القسم الذي تسيطر عليه الحركة الشعبية , كلها مناهج وكتب يوغندية , وليست سودانية . ثم عندما تتحرك من قسم الى اخر , تجد امامك محطات التفتيش البوليسية , وكأنك تغادر من دولة الى دولة اخرى .
يتوقع معظم المراقبين اندلاع نيران الفتنة في ولاية جنوب كردفان , وخصوصا على رأسها الوالي هارون (الشحمة) , ونائبه عبد العزيز الحلو (النار) .
والله يكضب الشينة .
خامسأ : تمر البلاد بأزمة إقتصادية ومالية طاحنة ، حيث تعذر صرف المرتبات في أغلب الولايات للشهور الفائتة ، لدرجة ان يعلن احد البنوك , في اول سابقة في التاريخ , عدم وجود سيولة نقدية محلية في خزائنه . وزادت معاناة الشعب السوداني البطل . وربما كان ذلك , في جزء منه , من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي بدأت في أمريكا السنة الفائتة , ووصلت الآن إلى بلاد السودان .
سادسأ : تدهور سعر برميل النفط من حوالي 150 دولار إلى أقل من 60 دولار , قد أثر بشكل مباشر وسالب على الجزء الأكبر من مداخيل حكومة السودان . خصوصاً وأن نصف مداخيل البترول , المتدنية أصلاً , تذهب لحكومة جنوب السودان , ويبقى النصف الباقي لكل أقاليم وولايات السودان الشمالية , ومنها دارفور , حيث الحاجة للصرف أشد , خصوصاً بعد طرد المنظمات الطوعية من دارفور .
سابعأ : صرف نظام الإنقاذ على أستتباب الأمن قد زاد زيادة فلكية بعد الإعلان عن أمر القبض ، وذلك الصرف المتصاعد يتم على حساب أوجه الصرف الأخرى التي أصبحت تعاني مرتين في آن واحد : مرة من ضمور المداخيل , ومرة ثانية من تحويل أغلب الضامر من هذه المداخيل للأمن وأستتبابه . وهذا الوضع المتأزم ربما أرجع القوم في السودان إلى أمة من الشحاذين , كما كانوا قبل تفجير ثورة الإنقاذ ، أو كما قال أحد حكماء الانقاذ .
ثامنأ: الوحدة مطلوبة أكثر من أي وقت مضى في هذا الظرف البائس الذي تمر به البلاد . وعليه يجب أن تقف وفوراً الملاسنات والمشاحنات , في امور هامشية وهلامية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية . كما يجب ان تتمتع الصحافة بهامش حرية اكبر . وأن يمتنع قادة الإنقاذ من المن ( المستشار ) على الشعب السوداني , وتهديده ( قوش ) , وكأنه العدو نمرة واحد وليس المحكمة أو أوكامبو أو العدو الصهيوني .
تاسعأ : إنتشار ظاهرة الدجل والشعوذة واللجؤ إلى السحر والزار والكجور والودع والفكية , توضح حالة اليأس والقنوط التي يعيشها الشعب السوداني , من جراء صعوبة الحياة الإقتصادية ولجؤ الناس للغيبيات للهروب من واقعهم المرير فهم يتشبثون بأي قشة … وعسى ولعل .
عاشرا : من تداعيات امر القبض تهميش السودان اقليميا ودوليا . كمثال واحد من عشرات الامثلة , يمكن الاشارة الي ماذكرته نائبة رئيس تحرير جريدة الجريوسلوم بوست الاسرائيلية , في عدد الجريدة بتاريخ الجمعة 15 مايو , بأن اسرائيل قد طلبت اذنا , وحصلت عليه , من النظام المصري , لكي تخترق طائراتها , ودروناتها المجال الجوي المصري , في طريقها لقصف الشاحنات المحملة بالاسلحة والذخيرة , المتجهة الي غزة , والمتواجدة في منطقة شمال غرب بورتسودان وجنوب الحدود المصرية . كل ذلك ودون ان تنبت حكومة الخرطوم ببنت شفة .
احدى عشر : خسر السودان 400 مليون دولار , كانت سوف يقدمها الاتحاد الاوربي , كمنحة ضمن اتفاقية لومي التي تنص , كشرط لدفع المنحة , على موافقة الدول الاعضاء في الاتفاقية , على ولاية محكمة الجنايات الدولية بخصوص جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية . وطبعا لم يوقع السودان على اتفاقية لومي بسبب هذا الشرط التعجيزي .
ففقد المنحة .
اثني عشر : حفز امر القبض الحركة الشعبية , وحركات دارفور المسلحة على رفع سقوف مطالبها من حكومة الخرطوم !
وهكذا .
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل .
لعنة السماء
قال المنجمون الفلكيون من غير اخوان الشياطين ان : ان جسما سماويا ” كتلة صخرية ضخمة ” كانت تدور حول الشمس ثم افلت من جاذبية الشمس , وشدته جاذبية الارض فدخل في الغلاف الجوي , وتحطم تماما , وتساقطت شظاياه يوم 6 اكتوبر 2003 فوق ارض دارفور , مما انزل اللعنة بالسودان , وجر الي مجازر دارفور … كلعنة من السماء …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم