كان محتار ، بحكم تربيته المتزمتة، أفصح من سحبان وائل عندما يتحدث عن أي أمر من الأمور العامة خصوصاً في مجال الرياضة أو الثقافة أو السياسة لكنه يصبح فجأة أكثر عياً من باقل ويلوذ بالصمت المطبق كلما استدعى الظرف التعبير عن عواطفه الخاصة، فهو لا يعرف كيف يمارس أدب الشكر أو أدب الاعتذار ولا يجيد التعبير عن الحب ويعتقد أن مجرد التلميح به هو ضرب من ضروب قلة الأدب ، ومال زال محتار يضحك في سره كلما تذكر قصة ذلك المحتار الأبدي الذي لم يتعود مطلقاً على تبادل جملة "صباح الخير" مع أفراد عائلته والذي غادر قريته والتحق بالجامعة وتأثر بثقافة التحايا الصباحية وحينما عاد إلى القرية وحيا والده ذات صباح بجملة "صباح الخير" استشاط والده غضباً وصاح في وجهه: يا ولد لقد أرسلناك إلى الجامعة لتتعلم العلم النافع وليس لكي تتعلم مثل هذا الكلام الفارغ!
بالمقابل كانت محتارة ، بحكم تربيتها الصارمة ، بارعة في فن التواصل مع الغير عند الخوض في المواضيع العامة التي تجذب انتباهها مثل الفنون والآداب لكنها كانت تلوذ بالصمت المطبق ويمنعها كبرياؤها الصامت من مجرد التلميح بعواطفها الخاصة ، ورغم أنها كانت مدركة تماماً لنقطة ضعفها تلك إلا أنها كانت عاجزة تماماً عن التخلص منها، لكم قالت لنفسها دون أن يسمعها أحد : إن أغبي سؤال في العالم هو السؤال الذي لم يُسأل قطّ وأن أسخف طلب في الدنيا هو الطلب الذي لم يُقدم قطّ وأن أبلد عاطفة في الكون هي العاطفة التي لم يُفصح عنها قطّ لكن لسانها الفصيح كان يصاب بالشلل وتعجز عن نطق أي كلمة تعبر عن حبها لأي شخص!
حينما التقى محتار مع محتارة حدث بينهما انجذاب مفاجيء ما لبث أن تحول بمرور اللقاءات إلى حب صامت لم يستطع أي منهما أن يصرح أو يلمح به رغم أنه كان يتجلى في نظرات العيون المتلهفة ولمسات الأيادي المرتعشة وخفقات القلوب المضطربة كلما التقت عيونهما بقصد أو دون قصد في أي مكان!
مرت الأيام ، الأسابيع ، الشهور والسنين والحب الصامت بين محتار ومحتارة يزداد اشتعالاً بينما كانت قامة صمتهما تطول وتطول حتى ضاهت قامة المارد!
أخيراً سئم الإثنان من لعبة الانتظار المفتوح ومضى كل منهما إلى حال سبيله وفي قلبيهما جمرة شوق بكل البحر لا تطفى ، لكن كان وما زال هناك سؤال ثلاثي المقاطع يطارد كل من محتار ومحتارة على حدة وتتراقص علامته الاستفهامية فوق رأس كل منهما من وقت لآخر وهو: أليس السكوت عن التعبير عن أجمل العواطف هو أكبر خطأ في حياة الإنسان؟! ألم يكن خط سير حياتهما سيتغير إلى الأبد لو نطق أي منهما بتلك الكلمة الصغيرة المكونة من أربعة أحرف فقط لا غير وهي كلمة "أحبك" أو لمح بها بشكل مكشوف على أقل تقدير؟! أليس من الغريب فعلاً أن يضيع الإنسان فرصة العمر ويعجز عن التصريح أو التلميح بأنبل عواطفه في التوقيت المناسب بسبب الكبرياء الصامت الذي يعذبه ويعذب الآخرين ولا يقوده إلى أي ملاذات عاطفية آمنة ؟!
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم