بتاريخ 26/3/2010 استمع البشر في سائر أنحاء الكرة الأرضية إلى تصريحات سياسية أمريكية عجيبة صدرت بكل اللغات مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية ستكون راضية عن أي طلاق مدني يتم بسلام بين جنوب وشمال السودان رغم أن الأمريكان أنفسهم يؤمنون بالزواج الكاثوليكي الأبدي الذي يرفض الطلاق من حيث المبدأ ورغم أنهم وحدوا شمال الولايات المتحدة وجنوبها بقوة السلاح حينما حاول جنوب الولايات المتحدة الإنفصال عن شمالها أثناء الحرب الأهلية الأمريكية! ولعل مصدر العجب هو أن تقوم دولة عظمى ترعى عملية السلام في دولة صغرى بتشجيع جزء من تلك الدولة الصغرى على الإنفصال من الدول الأم نهاراً جهاراً وتبدي استعدادها لمعاونة ومساعدة ذلك الجزء الانفصالي على الوقوف على قدميه بعد عملية الإنفصال في مخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو إلى الحفاظ على وحدة الدول المستقلة العضوة في الأمم المتحدة، ولا شك أن استخدام مصطلح الطلاق المدني لوصف الإنفصال بين أجزاء الوطن الواحد ينطوي على استهتار أمريكي عجيب بوحدة السودان! أما الأعجب من ذلك فهو أن المتحدث الرسمي بإسم حكومة السودان الحالية قد أمن على دعوة الطلاق المدني الأمريكية وقال أن دعوة الطلاق المدني تنم عن فهم عميق لاتفاقية نيفاشا رغم أن السودانيين يعرفون الطلاق بالتلاتة لا الطلاق المدني بالمفهوم القانوني الأمريكي الذي يتم بموجبه تقاسم الثروة بالنصف بين المتطالقين المدنيين!
من المؤكد أن القانون الدولي لا يمنح حكومة الولايات المتحدة ولا حكومة السودان الحالية حق تحريض جزء من السودان على الانفصال من دولة السودان الأم وحتى إذا كانت كل المؤشرات على الأرض تدل على إنفصال حتمي وشيك لجنوب السودان عن شماله فإن الحياء السياسي كان ينبغي أن يمنع الحكومتين الأمريكية والسودانية من الإدلاء بهكذا تصريحات طلاقية ويدفعهما بدلاً من ذلك إلى إصدار تصريحات تصب في خانة دعم عوامل الوحدة الجاذبة قبل إجراء استفتاء الجنوبيين على الوحدة أو الانفصال الذي سيجري العام القادم ولكن يبدو أنه لا حياء لمن تنادي!
ولعله من سخرية أقدار السودان أن يتم تصوير حكومة السودان المركزية من قبل دولة كبرى كزوج لديه أربع زوجات من شمال ، غرب وجنوب وشرق السودان وهو غارق في مشاكل لا أول لها ولا آخر مع الزوجات الأربع ثم يتم تحريض واحدة أو أكثر من الزوجات على الحصول على الطلاق بدلاً من الدعوة إلى تقديم الرضوة ، ولا شك أن هذا التصوير الكاريكاتيري ينطوي على أمر سياسي جلل ويدل في ذات الوقت على أن قاضي الأحوال الشخصية السياسية الأمريكي لا يرغب ، لشيء في نفس يعقوب ، في حل المشاكل الزوجية السياسية السودانية وإنما يرغب في إيقاع الطلاق الدائم بين الزوج المشكلجي والزوجات الساخطات!
ويحق لكل الشعب السوداني أن يتساءل : لماذا ولمصلحة من تتحدث أمريكا عن الطلاق المدني بين شمال وجنوب السودان وتؤيد حكومة السودان الحالية دعوة الطلاق الانفصالي بكل ترحيب في هذا التوقيت بالذات؟! وإذا افترضنا جدلاً أن الجنوب سينفصل عن الشمال بقوة الأمر الواقع فهل ستنجح حكومة السودان المركزية في إبقاء زوجات الشرق والشمال والغرب في حبلها عبر دفع الرضوات السياسية أم ستقوم بإدخالهن إلى بيت الطاعة بالقوة الجبرية أم أن البيت السوداني الكبير سيشهد المزيد من الطلاقات السياسية البائنة ببينونة كبرى؟!
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم