غرباً باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
الوالي والمحافظ والمعتمد من الوظائف الاستراتيجية في هيكل الجهاز التنفيذي للدولة. وهي وظائف يعوّل عليها في إدارة وتنمية المدن والقرى والبوادي اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. بما يستتبعه ذلك من عناية مباشرة بالموارد البشرية والمادية في المساحات الجغرافية والديموغرافية التي يمارس هؤلاء سلطاتهم الادارية شبه المطلقة علي سطوحها. وبالضرورة فإن كل صاحب سلطة ولائية لا بد أن يكون مزوداً بكل ما يستلزمه المنصب من علم ودراية وخبرة مهنية، وقبل ذلك كله متمتعاً بنصيب وافر من ذلك الشئ الذي يسمونه في علم الادارة العامة (مهارات القيادة).
ولكن هناك أيضاً شئ إضافي وهام لأبعد الحدود، لا بد للمسئول الولائي ان يكون متمتعاً به، وهو حُب الاقليم او المنطقة التي يحكمها، والايمان بالخير الكامن في أرضها، والثقة في استحقاق إنسانها لخلافة الله علي تلك الأرض، واليقين المطلق في مستقبلها ومستقبله.
غير أنه يبدو لي أن معتمد حلفا الجديدة السيد/ عبد الرحمن حسن، يفتقر الى بعض هذه الاشتراطات. دليلي علي ذلك هو أن السيد المعتمد خاطب مؤخراً جمهرة هادرة من مواطني معتمديته في حشد احتفالي كبير، فنصحهم بمغادرة المعتمدية والهجرة في أرض الله الواسعة بحثاً عن الرزق. جوهر ما تضمنه حديث المعتمد هو أن أراضي معتمدية حلفا الجديدة، التي يجلس هو علي هرمها حاكماً بكافة إمتيازات المنصب، فقدت خصوبتها وتدنى إنتاجها فلم تعد تصلح لشئ، وأن من الخير لمواطنيها أن يضربوا في الأرض، طالما أن أرض الله واسعة!
واضح لكل ذي عينين وأذنين أن هذا المعتمد يتمتع ب (مهارات قيادة) لا مثيل لها. بدليل أنه يريد في يومه هذا أن (يقود) شعب معتمديته عن بكرة أبيه الى خارجها. ويُسمي هذا النمط في علم الادارة العامة الانقاذوية الحديثة (الادارة بالمخارجة). أى أن (يتخارج) المعتمد أو المحافظ أو الوالي من شعبه قولاً واحداً بتسفيره وتهجيره الي مكان أو بلد آخر،فتصبح الوحدة الولائية بعد ذلك قاعاً صفصفا، ويسلس له أمر ادارتها!
في البداية ظننت أن خطة المعتمد، لتنفيذ فكرة تهجير مواطنيه، هي فتح مكاتب المعتمدية لمساعدة أهل حلفا الجديدة علي ملء طلبات التقديم لقرعة فيزات الهجرة الأمريكية (اللوتري)،التي تتيحها حكومة الولايات المتحدة كل عامل عدد من الدول من بينها السودان. وهكذا ينضم شعب معتمدية حلفا الجديدة الي ذلك الصنف من المهاجرين الذين يطلق عليهم في أوساط السودانيين بأمريكا “اللوتراب”.ولكنني فوجئت بأن المعتمد يقترح علي مواطني حلفا الجديدة أن يهاجروا، لا الي الولايات المتحدة، كما كنت أظن، بل الي مدينة وادي حلفا في الولاية الشمالية. جاء في الخطاب التاريخي الذي ألقاه المعتمد كما أوردته الصحف في مدح وادي حلفا والحث علي الهجرة إليها:(إن فرص نجاح الزراعة في وادي حلفا كبيرة جداً نسبة لأراضيها الواسعة وخصوبتها العالية وانتاجيتها الكبيرة)!
وهكذا سيعود أهلي من حيث أتوا، مسرورين محبورين، وهم يغنون (سالمة يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة)، ويدخلون موسوعة غينيس کأول شعب في العالم يهاجر من موطنه ثم يهاجر اليه. وكما هو معلوم فإن قطاعاً مقدراً من سكان حلفا الجديدة كان قد تم تهجيرهم اليها من وادي حلفا في حقبة الستينات. ولا أظن أن أحداً سبق أهل حلفاعلى مثل هذا الحال إلا أبويزيد البسطامي، الذي حدثتنا كتب الصوفية أنه خرج من بغداد يبحث عن الحق، فلقيه معتمد المدينة التي وصلها، وقال له:”إرجع فإن الذي تبحث عنه تركته ببغداد”!
السيد/ عبدالرحمن حسن فيما يبدولا يعلم أن عدد النوبيين الذين هجّرتهم حكومة الفريق عبود قسراً قبل خمسين عاماً الى حلفا الجديدة لم يتجاوز 46ألف مواطن، هاجر معظمهم عبر السنوات الى منطقة جنوب الخرطوم.بينما يبلغ سكان حلفا الجديدة – الذين يدعوهم اليوم للعودة الي موطنهم الأصل المزعوم- وفق الاحصائيات الرسمية ما يقارب نصف المليون نسمة. ومن نافلة القول أن السواد الأعظم من هؤلاء لا صلة لهم من قريب أو بعيد بالمهاجرين النوبيين الأصليين،إذ هم نتاج محض للتحولات الديمغرافية الكاسحة المتراكمة خلال نصف القرن المنصرم!
أنا عندي اقتراح أفضل، وهو أن يهاجر المعتمد وحده الي وادى حلفا (أو الى أمريكا لو شاء)، ويترك شعب معتمدية حلفا الجديدة في حاله، ويعفيه من أفكاره الألمعية!
نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم