الوزراء .. والبروتوكول .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

وقفت كثيراً عند خبر نشرته (الخرطوم) في صفحتها الاولي يوم الخميس الماضي  جاء في مقدمته: (صوّب الخبير الاعلامي ورئيس المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الاستاذ على شمو انتقادات شديدة للوزراء لعدم تلقيهم دورات تدريبية في مجال البروتوكول والمراسم والاتيكيت). وأضاف الاستاذ شمو وهو يخاطب تجمعاً في مركز الفيدرالية للبحوث وبناء القدرات أن (الوزراء هم أكثر من يحتاج الى التدريب). غير أن العبارة اللافتة للنظر حقاً في حديث الرجل كانت تلك التي يقول فيها: (نحن في السودان بنجيب الناس من الشارع ونعينهم وزراء، خاصة وزراء المحاصصة السياسية الذين ليست لديهم سابق خبرة في التعامل المراسمي والبروتوكولي). ولم يقف الأمر هنا، اذ جاء في بقية الخبر أنه طالب قيادة الدولة بضرورة تدريب الوزراء في مجالات المراسم والبروتوكول والاتيكيت قبل الدفع بهم لتولي مناصبهم!
قرأت وتساءلت في عقل بالي: ايش الحاصل؟ ايش جري لأستاذنا علي شمو، الذي أعلم عنه أنه رجل شديد الحصافة، يزن كلماته بميزان الذهب.  وقد عرفت الرجل عن قرب خلال العهد المايوي الغابر، بل وصحبته في أسفار خارجية رسمية طوفنا خلالها ثمانية من الدول الاجنبية. وكنت قد استغربت في البدء كيف ان الرئيس السابق جعفر نميري عينه، وهو وزير للثقافة، رئيساً لإحدى الوفود الوزارية، مع وجود وزير الخارجية في عضوية الوفد. وهو الأمر الذي أسخط وزارة الخارجية برمتها يومذاك، اذ رأى رجالها في الأمر منقصة ومعرة لوزارتهم، بل وتجاوز للأعراف المستقرة دولياً.
ولكنني أدركت حكمة النميري لاحقاً، إذ شاهدت وسمعت بأذني رأسي كيف كان شمو يحاور الملوك والأمراء وأهل الصولجان من ذوي الاسماء التي ترتعد لها القلوب، ويداورهم  بثقة ورقي وفاعلية وبلاغة.  وكيف يحرز النتائج الباهرة ويؤمن الوعود والقرارات الداعمة للسودان، ثم يخرج من الصوالين المغلقة ليواجه أزيز الكاميرات وعشرات الصحافيين، فيدلي بالأحاديث الرصينة المتزنة والممعنة في الذكاء. وذلك في وقتٍ كان غيره من الوزراء يتلجلجون فلا يكملون العبارة الواحدة الا بعد خروج الروح!
هو أمرٌ جلل إذن الذي حدا  بالاستاذ علي  شمو  ليخرج شاهراً سيفه في وجه رئاسة الدولة، وربما قيادة الحزب الحاكم. وفي ظني إنها الحمية والغيرة على الأصول وعلى سمعة السودان وهيبة مؤسسات الحكم فيه. لا بد ان العصبة المنقذة قد تركت الحبل على الغارب، فهانت الزلابيا، وانحدرت المعايير، واختلط الحابل بالنابل، فابتأس أستاذنا وضاق صدره. والمسئولية هنا مسئولية رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء بغير إبهام ولا غبش. فلتأخذ كل مؤسسة منهما (طاقية) من تلك  التي قذف بها شمو في الهواء، فتضعها على رأسها بغير إبطاء.
المؤكد أن هناك وزراء لا يحسنون الأداء عند مقتضيات المراسم والاتيكيت. رأيت ذات مرة في حفل عشاء اقيم على شرف رئيس وزراء دولة أجنبية، مسئولاً دستورياً يقف عند محفة الطعام (البوفيه) ويأكل مباشرة، من المحفة الى فمه رأساً. شعرت يومها ببؤس شديد. بيد أنني لا ألوم  هذا الصنف من الناس، ولا أظن انهم مطالبون باعتذار، فمن هؤلاء من يمثل مناطق في السودان، لا تعرف أنظمة وطقوس تقديم الخدمات التي استوردناها من الغرب المتحضر فماذا يفعلون؟
في مصر القريبة، وقد زرت ديوان الرئاسة فيها عدة مرات، في دورات تدريبية قصيرة، هناك أسفار ومجلدات، تحدد الملابس المطلوب ارتداؤها في كل مناسبة، وطرق وأساليب تقديم الاطعمة، والأسس والمعايير التي بموجبها تقبل الدعوات او يعتذر عنها، وكيفية المصافحة عند الالتقاء بالآخرين، واصول ومراسم المشاركة في دفن الموتى وتقديم التعازي. والقائمة تطول. وهناك إدارات متخصصة للمراقبة والنصح والتبليغ، توافي من يتولون المنصب العام لأول مرة بمعلومات تفصيلية ارشادية عن مقتضيات البروتوكول وأصول الايتيكيت.
مديرو المراسم وكبار المسئولين برئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، ممن عاصر العهود المختلفة يختزنون في ذاكراتهم، صوراً مدهشة عن المفارقات والطرائف المتصلة بالبروتوكول و أصوله ومقتضياته التي عاصروها إبان سنوات خدمتهم. لم أكن قريباً، بل وكنت وقتها طالباً في مقاعد الدرس، ولكنني سمعت من لصيقين معاصرين، عن موقف يتصل بطريقة تفكير الرئيس السابق  جعفر نميري، وكانت له أحيانا ً أفكاراً بروتوكولية ألمعية احتار معها معاونوه والمقربون منه!
قيل أن سفير السودان بالقاهرة تلقى دعوة من وزارة الخارجية المصرية لحفل عشاء على شرف أول سفير اسرائيلي يصل القاهرة عقب اتفاقية كامب ديفيد. ولما كان السودان هو الدولة العربية الوحيدة المتوقع حضور سفيرها، بعد مقاطعة الدول العربية الأخرى ونقل جامعة الدول العربية من القاهرة الى تونس، فقد مارست الخارجية المصرية ضغوطاً هائلة لتضمن حضور سفير السودان. اتصل السفير بالخرطوم طالباً توجيهات وزير الخارجية. ولكن الوزير خشية العواقب قرر الذهاب الى رئيس الجمهورية لمشاورته، وهناك أبلغه بالموقف وطلب توجيهه بشأن دعوة السفير لحفل العشاء. استمع الرئيس، ثم أخرج علبة تمباك، وكان يتعاطاه أحيانا، ووضع (سفة) كبيرة تحت شفته السفلي، وصمت متأملاً لدقيقة واحدة، ثم رد على الوزير: ” قول للسفير يمشي يحضر الحفلة، لكين ما يتعشى”!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)

عن مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً