غرباً باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
اضطربت الساحة وتوالت التداعيات بشأن تصريحات الرئيس عمر البشير، التي أعلن فيها – بلغة أقرب الى الحسم هذه المرة – عدم رغبته في تجديد عهدته الرئاسية عقب انقضائها صيف العام 2015. وتلك تداعيات لها ما يبررها بغير شك، فلا أخال أن هناك أمراً يضاهي أو يوازي في جلال الشأن ووعورة المنحى مهمة اختيار رئيس جديد للجمهورية، في وقت يجتاز فيه السودان تحديات عصيبة. لعلها من أعوص وأعقد ما واجهت بلادنا في تاريخها الحديث، كونها باتت مُبتلاة في أصل وجودها، تجابه خيارات البقاء والنماء، أو الشرذمة والتشظي، واللحاق بركب الصومال وأفغانستان!
أفهم تماماً حالة الوجوم وازدياد ضربات القلب التي أخذت تعتري البعض في دوائر الحكم عقب الإعلان، كما أفهم بنفس القدر طبيعة الوساوس التي ما برحت تساور القطط السمان، من سدنة الحلقات المتحلقة حول مراكز القرار، تلك المجموعات النافذة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، التي ظلت تدور في مدارات السلطة والثروة على مدىً يقارب ربع القرن من الزمان.
ومن طبيعة التغيير، أي تغيير، أنه لا يلقى ترحيباً عند من استنام الى الحال الماثل ووجد فيه بغيته، فهو يأنس اليه، ولا يطمئن الى ما قد يحمل الجديد في طواياه. وفي قول الفرنجة: ” الشيطان الذي تعرفه خير من الملاك الذي لا تعرفه”. ومن هنا ينفلت عقال المقاومة التلقائية، التي تشبه في لبابها خليات الجهاز المناعي في جسم الانسان، عندما تندفع لا شعورياً ضد القادم الجديد. لا غرو إذن ان انطلقت الصيحات من بعض جيوب العصبة المنقذة تعاف التغيير وتأباه وتحذر من مغباته. وهي في زعمنا صيحاتٌ عاجزة، أريد بها لجم إرادة التغيير، الذي هو عبرة التاريخ وسنة الله الماضية.
الأجندة الأكثر إلحاحاً أمام الرئيس القادم تتمثل في ترسيخ قيم وآليات المشاركة الديمقراطية، وتأمين مواعين ذات صدقية لممارستها، وتفعيلها بما يضمن بلورة الرؤى المتقاطعة، وشد لحمة النسيج الوطني في مواجهة مهددات الأمن القومي. فمن هو الأكثر تأهيلاً لهذا الدور؟
الأكثر تأهيلاً، بغير شك، هو الأكثر تحرراً من عقابيل الأزمة الراهنة، والأقدر على كسب ثقة الشركاء والخصوم على حدٍ سواء، والأقل مسئولية عن حالة الاستقطاب السياسي المزري الذي تردت اليه البلاد، والأوفر قدرة على التعامل مع الواقع والوفاء باستحقاقات الانتقال بروح طليقة.
المؤهلات السياسية للوجهين المطروحين في الساحة لخلافة البشير حالياً لا توافي الشروط المطلوبة. إذ أن كليهما مارس السياسة، وما يزال، من خلال تاريخ استقطابي عنيد وآليات إقصائية كاسرة، كرّست لهما عبر السنوات وجوداً سلطوياً تحرسه وتؤمنه منظومة مصالح وعلاقات وطموحات سياسية وأمنية وقبلية وشعبوية متضافرة، نعلم جميعاً أنها لم تعد تتماهى مع متطلبات المرحلة التى نستقبلها من عمر السودان.
كما أن كل منهما يتحمل أقساطاً ثقيلة من فواتير التدهور السياسي، إذ أن جل الكوارث التي حلت بالبلاد، بما فيها انفصال الجنوب والنكسة الاقتصادية والأوضار الفاحشة في جنوبي كردفان والنيل الأزرق، وقعت في ظل نفوذهما السلطوي وهيمنتهما علي مفاتيح إدارة تلك الملفات. والأصل في أي تحليل سياسي راشد أنّ من كان جزءاً من المشكلة، لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل. كما أن قياده بلد مثل السودان، تكاد لحمته تتمزق تحت أنياب الفرقة والاستقطاب السياسي والقبلي، لن تسلس لشخصيات صعدت الى دست الحكم على أسنة الرماح، وفرضت زعاماتها فوق أشلاء رفقاء دروبها، وخلقت لأنفسها من الأعداء أضعاف ما صنعت من الأصدقاء!
غداة غياب الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين في ديسمبر 1978 واشتداد الصراع علي الخلافة، سطع اسمي رئيس الحزب ورئيس الوزراء السابق محمد صالح اليحياوي، ووزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة. ولكن وعندما حانت ساعة الحسم، تراجعت الشخصيتان السياسيتان، وصعد الى سدة الرئاسة على حين غرة قائد الجيش الجنرال الشاذلي بن جديد، الذي لم يكن اسمه معروفاً بما يكفي، حتي داخل الجزائر نفسها. وهو نموذج تكرر في عدد من الحالات العربية والافريقية.
وفي ظل ظروف ووقائع استثنائية بالغة الحرج تجتازها دول نامية متعثرة مزقها الخلاف وضعضعتها النزاعات، واكتنفتها محاذير داخلية وخارجية لا يعلم مداها الا الله، تتجه الشعوب بفطرتها السويّة – وبرغم كافة المحاذير – الى القوات المسلحة. وذلك بحسبانها الكيان الوحدوي الأكثر عزماً وانضباطاً، والقاسم المشترك الأوفي تعبيراً عن الوحدة القومية، والذي يجسد مطلوبات الاستقلال والاستقرار والسلامة، بأكثر مما قد يفعل سياسيون غارقون حتى الآذان في وهاد المؤامرات والاستقطاب العدمي. (لم يكن القيادي الحركي الشعبوي ياسر عرمان، في ظني، بعيداً تماماً عن الجادة عندما صرح أثناء مشاركته في مؤتمر واشنطن الذي أعدت له مجموعة “اعمل من اجل السودان” الأمريكية في يناير الماضي، أن الرئيس القادم للسودان هو الفريق أول بكري حسن صالح).
مؤخراً شغل الأكاديمي والناشط السياسي الدكتور الواثق كمير الساحة بسلسلة مقالات طرح فيها عدداً من سيناريوهات الخروج من نفق الأزمات. وقد عرض الواثق حلاً عبّر عنه عنوان السلسلة، وهو (الكرة في ملعب الرئيس البشير). وأراني اليوم أطلب الي الواثق أن يتقدم مشكوراً فيحمل الكرة من ملعبها الحالي، ويضعها في ملعب الفريق بكري حسن صالح، الذي يبدو أن الأقدار قد أعدته ليخرج بالسودان، عبر برنامج تحول ديمقراطي سلمي شامل، من ضيق الشقاق الى سعة الوفاق.
الكرة في ملعبك يا خال!
نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم