مهدية الانقلابية .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

السيدة الفضلى مهدية، ولم أعد أذكر اسمها الكامل، إذ تطاول العهد، هي زوجة حبيبنا اللواء طبيب (م) الطيب ابراهيم محمد خير، الشهير بالطيب سيخة. وأنا أصفه بحبيبنا من قبيل حفظ الود الذي دام بيننا لفترة قصيرة للغاية. وبيني وبين اللواء الطيب عيش وملح، أو بالأحري شاي و(فول حاجّات). ومن طبعي أن أرعي لمثل هذه  العلاقات حرمتها. حتي مع أمثال الطيب، الذي لم يرع لشاينا وفولنا حرمة، فاستدعي رئيسي المباشر، الأمين العام لمجلس الوزراء، ذات يوم من أيام العام 1990، وأبلغه بأنه لا يريد ان يرى وجهي مرة اخري، فانتهي بي الحال، كما تراني، أعزك الله، غاطساً بين ثلوج مينيسوتا وصقيعها.
والحق أنني لم أعلم بزواج الطيب ومهدية الا قبل دقائق، مصادفةً، أثناء مطالعتي حواراً أجرته صحيفة سودانية، مع الفريق أول محمد محمود جامع، أحد منفذي انقلاب 30 يونيو 1989. ولعله من اللياقة والأصول أن أبادر بتقديم التهنئة،  ولو متأخراً، الى اللواء الطيب واختنا مهدية. جعله الله زواجاً مباركاً، داني القطوف ميمون الثمرات. وسآتيك، يا هداك الله، الى أمر مهدية الانقلابية، فاصبر، وما صبرك الا بالله.
عرّفت الصحيفة الفريق أول محمد محمود جامع، على أنه أول مدير لمكتب الرئيس البشير عقب الانقلاب. وأنا أذكر تماما أن العقيد (آنذاك) عبد العال محمود كان قد جري تعيينه، عقب الانقلاب مباشرةً، أميناً عاماً لمجلس قيادة الثورة.  وكان محمد محمود جامع يحمل صفة نائب الامين العام للمجلس. ويجوز أن لقب (أول مدير لمكتب الرئيس البشير) قد بدا أكثر وسامة وهيبة وسطوة، من الوجهة الصحفية، فاستخدمه المحرران اللذان أجريا الحوار، عوضاً عن (نائب الامين العام). وظاهرة استخدام ألقاب ومسميات وظيفية محورة وراثياً بأثر رجعي، لأغراض الاعلام والوجاهة وغيرها، فاشية في حياتنا العامة.
وقد لاحظت علي سبيل المثال ان اللواء (أمن) عثمان السيد، الذي أصبح نجماً اعلامياً، في السنوات الاخيرة، يتم تقديمه دوماً بصفة (مدير المخابرات إبان العهد المايوي). وذلك على الرغم من أن جهاز الأمن  في ذلك العهد لم يعرف مثل هذا المسمي بتاتاً. وانما شغل اللواء عثمان منصب مدير ادارة الأمن الخارجي. إذ كان الجهاز يقوم علي شعبتين: الأمن الداخلي، الذي كان عليه، في اخريات العهد المايوي، اللواء الفاتح الجيلي، والخارجي الذي تولي أمره اللواء عثمان السيد. وكان الاثنان يعملان تحت إمرة اللواء كمال حسن أحمد، الرجل الثاني في الجهاز (والذي كان قد تم تعيينه وزيراً للشئون الداخلية لأيام قلائل، ثم صدر قرار مفاجئ بطرده من منصبه، في يناير 1985، عشية تنفيذ حكم الاعدام في شهيد الفكر الاستاذ محمود محمد طه. وذلك بسبب فورة غضب اجتاحت الرئيس السابق جعفر نميري، بعد أن تجرأ اللواء كمال والتمس من الرئيس مراجعة قرار الإعدام، بناءً على حيثيات أمنية وسياسية. وبعد تمهل قام النائب الاول لرئيس الجمهورية، اللواء عمر محمد الطيب، بإعادة كمال الى بيته في جهاز الأمن، فعاد الرجل الى وظيفته القديمة، متمثلاً الحكمة الشعبية: “من خرج من داره قل مقداره”)!
وردت الفقرة التالية ضمن الحوار مع الفريق محمد محمود جامع، وهو يدلي بافاداته حول خفايا وأسرار التخطيط والتدبير لانقلاب الانقاذ: (كانت الاجتماعات تجري  بصورة سرية للغاية، وتمتد أحياناً حتى الساعات الأولى من الصباح. كنا نجتمع في غرفة الأشعة بالسلاح الطبي، بتأمين من الأخت ‘مهدية’ التي أصبحت في ما بعد زوجة الطيب سيخة. وهي المرأة السودانية الوحيدة التي شاركت في الانقلاب).
إذن مهدية هي المرأة السودانية الوحيدة التي شاركت في تدبير انقلاب الانقاذ. يا سلام يا  جدعان. حقاً يأتيك بالأنباء، وان تطاول الزمن، من لم تزود!
كنت أول من تنبه الى وجود ضابط الصف الرقيب أول مهدية، ضمن مجموعة الكادر الانقلابي التي التحقت بديوان الرئاسة عقب الانقلاب مباشرةً. وكان هؤلاء كثيرو الدخول والخروج، يتنقلون في سيارات صغيرة متشابهة من نوع ايسوزو، وسوزوكي، ولا يتحدثون الى موظفي الرئاسة الا في حدود دنيا.  كنت أعرف قوانين اللعبة بالطبع. ولكنني مع ذلك لم استطع مقاومة الرغبة في معرفة خلفية ضابط الصف مهدية، إذ لفتت نظري بشدة اللكنة النوبية في حديثها. توكلت علي الله وسألتها ذات صباح: “مهدية .. انتي حلفاوية”؟ فردت على بايجاز: ” أيوة .. أنا حلفاوية”. قلت: ” بالله؟ من وين في حلفا”؟ ردت: “من أرقين”. وحددت لي القرية التي تنتمي اليها في منطقة حلفا الجديدة!
قلت لها أنني أجد تسمية أبويها لها غريباً بعض الشئ،  فالنوبيون لا يستخدمون اسم (مهدية). والذي يعرف التاريخ يعرف لزوماً أن بين النوبيين والمهدية – من زمان حملة ود النجومي – ما صنع الحداد. ولا أذكر كيف ردت مهدية علي تلك الملاحظة، ولا كيف استقبلتها في الأساس!
وتجدني أشد استغراباً ودهشة في يومي هذا، بعد أن عرفت أن امرأة (من أندنا)، أى من بني جلدتي النوبيين، شاركت مشاركة فعلية في التخطيط والتدبير للانقلاب الذي نفاني ودفنني، وقد كنت مرجواً ليوم كريهةٍ وسداد ثغر،  بين ثلوج منيسوتا.
كدة يا مهدية؟! شكيتك لى الله!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)

عن مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً