ومن يراقب أداء الصحافة والصحافيين؟ .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

الصحافة سلطة رابعة. هكذا سار المصطلح الذي اندلع على سن قلم المفكر توماس كارلايل منتصف القرن التاسع عشر، وهو تعبير مجازي أراد به النفوذ والتأثير المعنوي للصحافة. ومن المسلم به أن أوجب واجبات الصحافة هو أن تلتزم جانب الشعب، فتمارس سلطتها الرقابية على أداء الجهاز التنفيذي والهيئة التشريعية. بل أن الصحافة، بخلاف ما يعتقد البعض، لها مطلق الحق وكامل الصلاحية في ممارسة الرقابة على أداء السلطة القضائية، بمراجعة أحكام المحاكم والتعليق عليها. تماماً كما هو الحال في منظومة الديمقراطيات الغربية، حيث لا ساتر ولا قدسية حتي لأعمال القضاء. فكما تحظر الدساتير تحصين السلطة التنفيذية من رقابة القضاء، كذلك تحظر الأعراف الديمقراطية تحصين ممارسات واحكام القضاء من رقابة الكتاب والاعلاميين والمحررين الصحفيين المتخصصين في أفرع القانون.
ويستلزم ذلك كله بالضرورة،من جانب الصحافة، أنتنهد الى استقطاب الكادرات الأكثر قدرة على حمل الأمانات بحقها. ولكل أمانة حق. والحقوق هي: المعرفة والدربة والخبرة والكفاءة المهنية والتأهيل الأخلاقي.
غير أنه وبقدر ما تنشط الصحافة في تسليط سيف الرقابة والنقد على المؤسسات الكلية الحاكمة للدولة والمجتمع، فإنها هي نفسها، تظل في مسيس الحاجة الى ممارسة النقد الذاتي، والتوسع في توظيفه كأداة نوعية لازمة لضبط أدائها وتوجيه خطواتها، فلا تحيد ولا تتجاوز ولا تتنكب الطريق.
وكثير من المؤسسات الصحفية المحترمة في عالم اليوم تباشر نهج الرقابة الذاتية، وتؤكد على تطبيقه توكيداً عملياً، بتخصيص مساحة ثابتة من طبعاتها اليومية والاسبوعية، يقوم بتحريرها رقيب صحفي مخضرم، يكون من اختصاصه مراجعة كل عدد من أعداد الصحيفة، واخضاعه لمجهر التدقيق المهني والتمحيص الاخلاقي. ثم يصوب الرقيب اصبعه في جرأة ووضوح الى الأخطاء الموضوعية والشكلية التي ربما صاحبت بعض المواد المنشورة، ويصدر بشأنها التوجيهات اللازمة بحكم دوره وتأهيله الصحافي القيادي.
كما ان الشبكات التلفزيونية في الغرب (مثلما هو الحال في عدد محدود من الفضائيات العربية مثل قناة الجزيرة وقناة العربية) تحتفظ ضمن هياكلها التنظيمية بأقسام متخصصة في الرقابة والضبط النوعي (Quality control)، تختص بمراجعة منتجاتها البرامجية وتخضعها للضوابط المعيارية التي تعبر عن القيمالمهنية والسياسات والاهداف المتوخاه في كل مؤسسة.
هذا الدور الرقابي الذي يمارس بأريحية وسعة في الصحافة الغربية، يغيب تماماً في الصحافة العربية. وربما كان من تأثير ذلك الغياب في البلدانالتي نراها اكثر مناً رسوخاً وريادة أن تجاهلت مؤسساتنا الصحافية السودانية ذلك الدور وغضت عنه البصر. اعتقاداً منها، ربما، بأن الريادة يجب ان تمر على مصر أولاً، قبل أن تعرج علينا.
وفي ظني ان مؤسساتنا الصحافية تحسن صنعاً لو أنها انتزعت زمام المبادرة وخطت الى الأمام في هذا المضمار. وأنا أطمع أن تأخذ صحيفتنا (الخرطوم) قصب السبق، فتكون أول صحيفة سودانية توظف مبدأ الرقابة النوعية المهنية والاخلاقية، وتمارس النقد الذاتي العلني المستدام لأدائها التحرير اليومي. ترجمة ذلك هو تخصيص مساحة ثابتة بين صفحاتها لهذا الغرض. وكما أن التشبه بالرجال فلاح، فكذلك التشبه بالصحافة الامريكية والاوربية.
وها أنا ذا أبادر فأرشح لهذا الدور الكاتب والصحافي القيادي الاستاذ فيصل محمد صالح، الذي جمع الصحافة والاعلام وادارة المؤسسات والبحث الأكاديمي على صعيد واحد، وراكم عبر السنوات خبرات تطبيقية متضافرة، من التحرير الى رئاسة التحرير الى صحافة الرأى الى التدريس في كليات الصحافة الاعلام. كل ذلك فوق أرضية من التدريب التخصصي المستفيض والتعليم فوق الجامعي المتميز.
هذا سهمنا في مسعى تطوير وترقية الأداء الصحافي في السودان عموماً، وهذه الصحيفة تخصيصاً، نحتسب أجره عند الله. الكرة الآن في ملعب رئيس التحرير الاستاذ عبد الرحمن الأمين.  وحتي نسد طرق الانسحاب والاعتذار على حبيبنا أبي الفياصل، فإننانشرع  تطوعاً في تقديم نموذج للنقد الذاتي والرقابة النوعية المهنية والاخلاقية التي عنيناها، فنبتدر – بسم الله مجراها ومرساها – مساحة اليوم  من الزاوية المقترحة، بعنوان: (من الرقيب الى المحرر). واليك ما عندنا:

************
(( نشرت الصحيفة في عددها الصادر الثلاثاء 23 يوليو بصفحة “مع الناس”، وعلى مساحة نصف صفحة، تحقيقاً بعنوان “قضية: رجل في مواجهة الفساد”، تحرير الاستاذة (………). لخصت المادة المنشورة قصة محاسب بولاية النيل الأزرق يتصدى للفساد، ولكنه يواجه بعوائق كثيرة. بحسب ما ورد في التحقيق فقد اكتشف الرجل تلاعباً وفساداً مالياً في الوحدة الحكومية التي يعمل بها، فأخبر من حوله من زملاء ورؤساء فلم يكترث له أحد. ثم تقدم بسلسلة من الشكاوي للنيابات المحلية فشطبت جميعها. ثم تقدم بشكوي الى المدعي العام الذي طلب شهادة المراجع العام، وبعد الاطلاع على تقريره قام بشطب الدعوي. هنا تقدم الرجل بشكوى ضد المراجع العام نفسه مدعياً ان المراجع تقدم بتقرير مضلل. واخيرا تقدم بشكوى الى وزير العدل الذي قام بدوره بشطبها. وصفت المحررة الموظف بأنه (صورة مشرفة)، وانه مثال ينبغي (الاقتداء به). 
مفهوم الموضوعية في الانتاج الصحفي يقوم على ساقين: الدقة (accuracy) و التوازن والاعتدال (fairness). هذا التحقيق الصحفييقوم على ساق واحدة، اذ انه يفتقر الى عنصر التوازن والاعتدال. ان يقوم شخص بفتح سلسلة بلاغات وشكاوي على مدى خمس سنوات على مستويات تنفيذية وقانونية متعددة، بدءاً من الرؤساء في العمل، مرورا بالنيابات المحلية، وصولاً الى المدعي العام ثم وزير العدل نفسه، فتقوم السلطات في جميع المستويات وعلى جميع المراحل بشطب الشكاوي، واحدة اثر اخرى، لا يؤشر الى (صورة مشرفة يقتدى بها)، بل يثير كثيراً من الريبة حول صحة ادعاءات الشاكي.
الافتراض بأن كل المسئولين على تعدد مواقعهم واختلاف درجاتهم متواطؤون جميعاً في الفساد، بينما تنحصر الأمانة والمسئولية والحرص على المال العام في شخص الشاكي افتراض لا يسنده مبدأ التوازن والاعتدال. فالمحررة لم تستقص اى معلومة من الجانب الآخر، ولم تلتق بأى من المسئولين سواء في موقع العمل، او القانونيين الذين اطلعوا على الشكاوي ثم  قاموا بشطبها  على المستويين المحلي والاتحادي. بل قامت فقط بتبني رواية الرجل الذي احترف تقديم الشكاوي كما يبدو.
بخلاف ذلك فان التحقيق لا بأس به من حيث الاسلوب والصياغة العامة. هناك فقط عبارة واحدة مستوجبة للمراجعة الصياغية،حيث كتبت المحررة تصف تمسك الشاكي بقناعاته: (القناعات تتلبسه من رأسه حتي أخمص قدميه). لفظة او صفة (التلبس) عموماً، سواء من قمة الرأس حتي اخمص القدم، او خلافه، يرتبط في الذهن العام بالمس والجنون وأشغال الجان والعفاريت. واستخدامه في المادة المنشورة على هذا النحو ربما جانبه التوفيق، اذ انه يخلق ويصدّر الايحاء الى القارئ بأن المواطن صاحب الشكاوي (ملبوس) او (ممسوس).
على رئيس القسم المختص الاجتماع بمحرريه لاعادة تقويم هذه المادة.))   

*****************
انتهي النموذج. واضح أن انفاذ مثل هذا النوع من الممارسة الرقابية الذاتية العلنية يتطلب استعداداً معنوياً هائلاً، وقدراً مقدراً من شجاعة المواجهة والثقة المتبادلة. اعتماد مثل هذا النهج في ظل ثقافة لم تعرفه في الماضي يتطلب حواراً واسعاً بين الكادرات الصحفية.
أخيراً: اذا كان الكلام ده حيجيب زعل، بلاش منو!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)

عن مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً