mustafabatal@msn.com
أصدرت احدي منظمات المجتمع المدني، وتحمل مسمي (شبكة الصحفيين السودانيين) مؤخراً بياناً شديد اللهجة توجهت به الى الكافة، وبسطته عبر الوسائط المتاحة لها، أعلنت عبر سطوره (ادانتها واستنكارها وشجبها) للناشط السياسي اليساري والكاتب والشاعر والمثقف العريض كمال الجزولي.
ما هي (شبكة الصحفيين)؟ مقدار علمي أنها تنظيم موازي لاتحاد الصحفيين السودانيين. رأى اعضاء الشبكة، وجميعهم من معارضي النظام، أن الاتحاد الذي يرأسه الاستاذ محي الدين تيتاوي تنظيم مستأنس يوالي الحكومة، فأنشأوا الشبكة ككيان صحفي معارض. وهكذا، بفضل الله ثم بفضل هذه الجماعة، أصبح لدينا الله تنظيمين، واحد مستأنس والآخر مستوحش. وأنا أعتقد – مخالفاً رأى الدكتور نافع على نافع – بأن ظهور وتعدد التنظيمات النقابية الموازية للتنظيمات الاصلية خير وبركة. واتمني من الله ان يظهر أمام كل تنظيم نقابي مستأنس تنظيم موازي مستوحش، حتي يتحقق التدافع بين المستأنسين والمستوحشين، الذي هو سنة الله الماضية في خلقه.
الادانة والشجب والاستنكار فيما يبدو لي هو المجال الرئيس لنشاط شبكة الصحفيين، فهي تنتظر كل سانحة تقوم فيها السلطات بتعليق صحيفة عن الصدور أو ايقاف صحفي عن الكتابة فتدين وتستنكر وتشجب. ثم تستأنف حياتها الطبيعية ريثما تعود السلطات الى غيّها.
الا أن بيان الشبكة في (إدانة واستنكار وشجب) الاستاذ كمال الجزولي يمثل تحولاً مفصلياً في مسارها ويؤشر الى تغيير نوعي في منهجها. ذلك ان كمال لم توقفه السلطات، لا سمح الله، عن الكتابة، بل ان فعل الادانة والاستنكار والشجب لا يطال تلك السلطات أساسا، كما هو المألوف، بل يطال كمال نفسه، فهو المشجوب وهو المدان!
طيب. ماذا فعل كمال؟ السياسي والشاعر والكاتب والمثقف الشمولي تورط بحسب كلمات البيان في (مسلك شائن ومنكور ومفارق لقواعد وتقاليد مؤسسات المجتمع المدني). لا حول ولا قوة الا بالله! ويبدو أن مسلك الرجل كان من النكر بحيث أن شبكة الصحفيين رمت طوبته واستيأست من اصلاحه وتقويمه تماماً، الى حد أنها استشهدت في بيانها بشطر بيت معاوية الشهير (وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده)!
الخلاصة حتى لا نطيل عليك – هداك الله – هي أن كمال الجزولي ارتكب جناية تمزيق بطاقة دعوة (فطور) أرسلتها له شبكة الصحفيين. وصف البيان الظرف التاريخي الذي تم فيه تمزيق دعوة الفطور، فأوضح أن التمزيق تم (وسط دهشة واستنكار.. جراء الفعل القبيح الذي جاء في خضم شهر فضيل). واستطرد البيان فوصف مسلك كمال بتمزيق بطاقة الفطور بأنه (رد خسيس على دعوة كريمة)!
لم اتابع الموقف على الساحة الداخلية، ولكن منابر الشبكة الدولية حملت عدداً من ردود الفعل على البيان الشاجب اللاهب. وقد وقفت، في موقع بني ثقيف الالكتروني على مداولات بعض أعمدة القبيلة حول الحدث الجلل وانعكاساته في مسارح المجتمع المدني والحياة الثقافية. ولا عجب ان تكون للأمر تداعياته التي تثير الفضول وتحبس الأنفاس، فكمال الجزولي هو كمال الجزولي. وأن يصف أحد، ناهيك عن تنظيم نقابي مثل شبكة الصحفيين، رمز ثقافي مثل كمال بمثل ما جاء في ذلك البيان، نقلة خطيرة بغير شك لها ما بعدها.
حتي هذه اللحظة لم يتكرم علينا أحد بتوضيح أسباب تمزيق كمال لدعوة الفطور، التي أثارت الازمة وشغلت اوساط المجتمع المدني والحياة الثقافية. ولكنني أجزم بأنه لو صحت واقعة التمزيق، كما عرضتها الشبكة، فإنه لا بد أن تكون لكمال أسبابه ومسوغاته الجامعة المانعة. ويكاد يملؤني اليقين أن كمال إنما كان يعبر عن رأى وموقف تجاه القوم. والرجل معروف عنه أنه في تعبيره عن آرائه ومواقفه لا يداور ولا يناور، ولا يعرف المداهنة. وليس ثمة شك عندي في أن بيان شبكة الصحفيين صاغه، ودفع به الى وسائط الاعلام على عجل، صحافيون محدودو الأفق، انبهمت عليهم الطرق، وتقاصر وعيهم عن إدراك أن الأشياء في هذه الدنيا إنما تقدر بقدرها، فأوغلوا في الارتجال وأفرطوا في الانفعال. والبيان في نهاية المطاف يحدث عن نفسه، ويعبر تعبيراً كافياً عن عجز تلك الجماعة عن تقبل الحقيقة والتفاعل معها. أعني الحقيقة المتمثلة في مستوى تقدير كمال لكيان الشبكة ورأيه في بعض أهلها، كما تشي الوقائع. والحقيقة في بعض الأحيان تكون مؤذية ومُرّة ومؤلمة!
على المستوى الخاص بحثت عن نفسي في غمرات الحدث وتطوراته ومآلاته، فوجدتها في أحسن حال وأجمل سربال. أسعدني جداً ورفع معنوياتي الى الجوزاء أن كمال، وإن مزق دعوة (فطور) صادرة من شبكة الصحفيين، فإنه لم يمزق دعوات (عشاء) صادرة مني شخصياً. وهي دعوات موثقة، كما ان عدم تمزيق كمال لها وتلبيته إياها، موثق أيضا. على الأقل في حالة واحدة كتب كمال في احدي روزناماته، قبل سنوات، عن ملابسات دعوة عشاء قدمتها له فلباها بداري بالخرطوم. والسعيد من لبي كمال دعوته ووثقها، ثم لم يمزقها.
هارد لك شبكة الصحفيين. الجاتكم في فطوركم سامحتكم. جربوا العشاء!
****************
****************
بيني وبين القارئ
في المقال أعلاه وفي النسخة الورقية لصحيفة (الخرطوم) وردت العبارة التالية وهي تحمل نصاً اقتطفته من بيان شبكة الصحفيين ووضعته بين قوسين: (( واستطرد البيان فوصف مسلك كمال بتمزيق بطاقة الفطور بأنه (رد خسيس على دعوة كريمة)). والنص المشار اليه منقول بحذفاره من البيان موضوع التعليق الذي اصدرته شبكة الصحفيين بتاريخ الرابع من اغسطس ونشرفي عدة وسائط من بينها منبر (السودان للجميع) الالكتروني، حيث لا يزال البيان منشوراً وهو يحمل ذات العبارة. وقد لاحظت أن ناطقاً باسم شبكة الصحفيين، قد حصل بالتواطؤ مع جهة ما داخل صحيفة (الخرطوم) على نسخة الويرد فايل الاصلية التي بعثت بها الى الصحيفة، ثم قام بنشر المقال في احدي منابر الشبكة الدولية. بيد أن الذي حيرني حقاً – بصرف النظر عن جوهر هذا المسلك غير الاخلاقي من جانب الصحيفة، ومن جانب الناطق باسم الشبكة – هو ان الاخير قام بتغيير بعض كلمات مقالي، وتحديداً النص الذي استوردته من البيان الاصلي الصادر بتاريخ الرابع من اغسطس وهو (رد خسيس على دعوة كريمة)، ثم قام باستبدال عبارة (رد خسيس) بعبارة اخري اقل حدة، ثم اضافها الى مقالي. وتلك ممارسة يندي لها جبين كل من له صلة بصنعة الكتابة والنشر التي تحكمها تقاليد واعراف وقواعد خلقية مستقرة تمنع كلياً التلاعب بالنصوص المنشورة واعادة صياغتها من وراء ظهور كتابها الاصليين ثم نسبتها اليهم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم