بكري حسن صالح.. وفقه الضرورة الإعلامية .. بقلم: إمام محمد إمام

أكثر ما استغرب له في الصحافة السودانية، عندما أقرأ لبعض رسلائي في عالم الصحافة السودانية، أنهم يمتدحون الشخص المسؤول إذا كان أكثر عزوفاً عن الصحافة والإعلام. ويذهب بعضهم إلى الإشادة بهذا السلوك النافر عن الصحافة والإعلام، وأحسب أنّ ذلك ينبغي أن ينظر إليه في باب توكيد المدح بما يشبه الذم، وليس من باب الإشادة بهذا المسلك، بأنه مسلك حميد، ينبغي أن يمتدح صاحبه. وهذا لعمرك خطأ فادح لبعض هؤلاء الرسلاء، لأن هؤلاء المسؤولين الصامتين، والرافضين للتعاطي مع الوسائط الإعلامية، مدعاة إلى حجب الحقائق، وتغييب الوقائع. ويدفع بعض الذين في قلوبهم مرض الإكثار من إطلاق الشائعات وترديدها، وكأنها حقيقة واقعة، لا تجد من يدحض تلكم الأباطيل، وأصحابها ينالهم في ذلك أذى جسيم، ولكنهم من بدأ النأي عن التعاطي مع الوسائط الإعلامية أو التصريح لها. ولذلك كنت أشتطّ على بعض أصدقائي الخلص الذين تسنموا أو ما زالوا يسنمون المناصب الوزارية، بأن موقفهم الرافض للتعاطي مع الوسائط الإعلامية، خطأ فادح، وتقصير واضح، لأنهم لا يقدمون الصورة الحقيقية عن أعمالهم، ولا تبيان واقع عطائهم في المهام التي كلفوا بها.
وفي الغرب، تلحظ أن القوانين والتشريعات تلزم أمثال هؤلاء المسؤولين بضرورة الإدلاء بتصريحاتهم للوسائط الإعلامية، بل أنها في بعض الأحيان، تجبرهم جبراً على التعاطي مع تلكم الوسائط الإعلامية، حتى يتسنى لها أن تقدم لمتلقيها المعلومة الموثقة والحقيقة الساطعة، من أجل تشكيل رأي عام تجاه القضايا المثارة التي تقع في دائرة اهتمام الناس.
أحسب أن هذه التقدمة تهدف إلى تأكيد أن الشخص المسؤول، أمر التعاطي مع الوسائط الإعلامية، ليس من باب الاختيار، بل هو من باب الإجبار، لأنّ هناك أموراً كثيرةً في حاجة إلى معرفة رأيه تجاهها، وكيفية التصدي لها، وإن كانت بعض تلكم الأمور يحتاج أن يقول فيها خيراً، أكثر من التزام الصمت، بحجية أنه من الحكمة والحصافة، إذ أنّ القوانين والتشريعات تضطره إلى التعاطي الإلزامي مع الوسائط الإعلامية لتقديم المعلومات المطلوبة، وسماع رأيه القاطع تجاه الكثير من القضايا التي تقع في دائرة اختصاصه في الهم العام والاهتمام المجتمعي.
أخلص إلى أن الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية، بعد أدائه القسم أمس (الاثنين) أمام الأخ الرئيس عمر البشير، صار لزاماً عليه بحكم المنصب الجديد أن يتخلّى عن بعض العادات، ويتحلّى ببعض الخصال والصّفات، إذ عُرف عنه، حسب ما ورد في أكثر من بروفايل عنه، لا سيما في صحيفة “التغيير” في عددها بالأمس (الاثنين)، “يتميز بكري بعلاقات واسعة، وممتدة في قطاعات واسعة في المجتمع ورموزه الدينية والسياسية دون أن تؤثر عليها عواصف السياسة.. ولم يُعرف عنه الخصومات السياسية، والتّعصب في المواقف والآراء، فهو رجل قليل الكلام، كثير الأفعال..”، واستوقفتني عبارة “فهو رجل قليل الكلام”، فهذا ما نبسط القول حوله، من أن المسؤولية الجديدة، باعتباره، نائباً أول لرئيس الجمهورية تتطلب منه أن ينفي عنه صفة “قليل الكلام”، لأننا في الوسائط الإعلامية، نريده أن يتحلّى بصفة جديدة، وهو أن يكون متحدثاً مفصحاً عن آرائه، وموضحاً أفكاره ورؤاه، تجاه كثير من القضايا والأمور.
وعليه ينبغي أن تكون حوله دائرة من الإعلاميين الذين يختارهم ليُنيروا له دروب كثيرة من الأمور، وتوضيح معالم الطريق، لاتخاذ القرارات الصائبة، ومعرفة كيفية إحداث موجهات لتكوين رأي عام حول ما يصدره من قضايا وقرارات. وأن يتعاطى مع الوسائط الإعلامية، حتى ولو من باب فقه الضرورة، وهو بابٌ فيه سعةٌ ورخصة، تفيده كثيراً في المقبل من مهاماته العظمى.
ولنستذكر في ذلك مع الأخ بكري حسن صالح أنّ لسان الفتى نصفٌ ونصف فؤاده، في تبيان ما يجيش في خاطره من رؤى، وما يعتمل في عقله من أفكار، تأكيداً لما قاله الشاعر العربي زهير بن أبي سُلمى في معلقته الشهيرة:
وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ **  زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُـؤَادُهُ ** فَلَمْ يَبْـقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالـدَّمِ

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً