أدهش الاتحاد العام لطلاب التدريب المهني حضور ورشة عمل عن “دور التدريب المهني وأثره في تنمية واستقرار المناطق المتأثرة بالحروب”، التي شهدتها قاعة الشهيد الزبير محمد صالح للمؤتمرات أمس (الاثنين)، لما تناولته هذه الورشة من إستراتيجياتٍ جديدة ومفاهيم متجددة، أزال كثيراً من الغبش الذي يعتري التدريب المهني ومراكزه المنتشرة في ولايات السودان المختلفة، وذلك بتقديم أوراق عمل تطرقت إلى كيفية البحث المضني، والترتيبات المستقبلية، لتغيير نظرة المجتمع إلى التدريب المهني. لم يكن هؤلاء الطلاب الذين نظموا هذه الورشة يعلمون أن قضايا التدريب المهني أصبحت إستراتيجية الدولة، ضمن معالجاتها للآثار السالبة للحروب الأهلية والكوارث الطبيعية.
وأحسبُ أنّ تفكير هؤلاء الفتية تلاقى مصادفة مع تفكير الحكومة، ممثلة في وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل المناط بها إنفاذ إستراتيجية جديدة متعلقة بالتدريب المهني، باعتباره مدخلاً مهماً من مداخل إحداث الاستقرار في تلكم المناطق، وأظهر هذا التفكير الإستراتيجي أن التدريب المهني لا يقتصر على استيعاب الفاقد التربوي، بل أنه يذهب مذهباً بعيداً في أنه من العوامل التي ينبغي أن يُنظر إليها كأداة من أدوات التغيير في مناطق الحروب لاستقطاب شباب أبناء تلك المناطق، والحيلولة دون أن يدفعهم الفراغ المُميت والعطالة القاتلة إلى اللجوء للعنف وحمل السلاح، وأن يصبحوا لقمة سائغة، بقليل جُهدٍ يمكن استيعابهم في معسكرات التمرد، ليس انتصاراً لقضيةٍ، أو تذمراً من موقفٍ، ولكن بحثاً عن فرصِ عملٍ ضاعت منهم في مجتمعاتهم المدنية، فلجأوا إلى حمل السلاح بعد أن ضاقت بهم السبل، وأُغلقت دونهم فرص الحياة، ومعابر المهاجر. بينما كان من الضروري أن تُفكر الدولة ومنظمات المجتمع المدني في إرساء تفكيرٍ إستراتيجيٍّ لاستيعابهم من خلال مراكز التدريب المهني التي تُتيح لهم أدوات وفرص كسب العيش في دِعة ورغدٍ.
وفي رأيي الخاص، أصابت الأخت الأستاذة إشراقة سيد محمود وزيرة تنمية الموارد البشرية والعمل، عندما تحدثت في مداخلتها كمسكِ ختامٍ لورشة العمل هذه، بأنّ من ضمن إستراتيجيات وزارتها إنشاء مراكز تدريب مهنيّ ليس في ولاية الخرطوم فحسب، بل في ولايات السودان كافة، ودعم المراكز القائمة، وتفعيلها لأداء دورها الفاعل في ترقية طلاب مراكز التدريب المهني، وإعدادهم إعداداً كاملاً لمواجهة متطلبات الحياة من خلال العمل الدؤوب والإنتاجية العالية. واتفقُ معها في ما ذهبت إليه من أنّ التدريب المهنيّ يواجه تحديين كبيرين، هما التحدي المالي والتحدي الثقافي. فالأول إنشاء مراكز التدريب المهني أكثر كلفةً من التعليم الأكاديمي، من حيث المعدات والأجهزة المستخدمة في هذا الخصوص، إضافةً إلى استقدام المدربين المؤهلين تأهيلاً عالياً، سواء من داخل السودان أو خارجه، كما أنّ النظرةَ المجتمعيّة الدونية لمراكز التدريب المهني تجعل الإقبال عليه ضعيفاً؛ لأن العزوف في الغالب يكون خشية سهام تلك النظرة الخاطئة لهؤلاء الطلاب. أما التحدي الثقافي فألخصه في ما أشرنا إليه في العُجالة التي كتبتُها بالأمس (الاثنين) في هذه المساحة، من أن النظرة الدونية للتدريب المهني كانت وما تزال عاملَ طردٍ للراغبين فيه، إضافةً إلى انعدام التّوازان بين التدريب المهني والتعليم الأكاديمي، من حيث شُح موازنات الأول، على الرُّغم من أنّ عائده أكثر ريعاً للفرد وللمجتمع. ولتأكيد هذه النظرة الدونية التي يجب علينا في الوسائط الإعلامية والصّحافية العمل جاهدين لتغييرها تغييراً جذرياً، ما أشارت إليه الوزيرة من أنّ استطلاعاً أُجري قبل ثلاثة أشهر، من قبل وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل، عن نسبة الذين يحملون مؤهل التعليم الفني، حيث بلغت 1%، بينما البقية يمتلكون تأهيلاً أكاديمياً. وأحسبُ أنّ هذه مفارقة يجب أن تعمل الدولة ومنظمات المجتمع المدني والوسائط الصّحافية والإعلامية على معالجتها، باعتبار أنّها ثقافةٌ مجتمعيةٌ في حاجةٍ ملحةٍ إلى مراجعةٍ دقيقةٍ، وتفكير إستراتيجي يمكننا من خلاله تغيير تلكم النظرة الدونية للتدريب المهنيّ.
وجميلٌ من المنظمين لهذه الورشة أن يأتوا بمجموعةٍ نيرةٍ من الذين يؤمنون بأهمية التدريب المهني في السودان. وقد وافقهم التوفيق في استقدام الأخ البروفسور علي محمد شمو رئيس المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية، الذي قدم فذلكةً تأريخية لنشأة التدريب المهني في السودان، مشيراً إلى ضروراته التي لا يُستغنى عنها قديماً وحديثاً. وأحدثت تلكم المقاربة نوعاً من التّواصل بين مفاهيم التدريب المهني بُعيد الاستقلال التي كانت مفاهيم متقدمة، إذا ما قُورنت بمفاهيم اليوم ونظرة المجتمع الدونية إلى التدريب المهنيّ.
أخلصُ إلى أنّه من الضروري العمل الجاد على إحداث تغييرٍ حقيقيٍّ في مسار التعليم المهني، والتأكيد على أنّه لا يقل أهميةً من التعليم الأكاديمي، إن لم يبزه في مُخرجاته من حيث تلبية احتياجات البلاد من العمالة الماهرة، وإحداث توازن مهم بين سوق العمل ووفرة العمالة الماهرة. ولا أظن – وليس كل الظن إثماً- أن ذلك من المستحيلات، إذا تضافرت الجهود، وصدقت النِّيات، وقويت الإرادات والعزائم. وأعتقدُ أنّنا سنشهدُ في المرحلة المقبلة جهوداً مكثفةً في تعزيز مفاهيم جديدة، ورؤى متقدمة في التدريب المهني في السودان.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ”.
وقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
وإذا كانت النُّفوسُ كِباراً تَعِبَت في مُرادِها الأجسامُ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم