الوثيقة الدستورية: من إفشاء الاحتباس السياسي إلى إشاعة الانفراج الانتقالي .. بقلم: بروفيسور/ مكي مدني الشبلي


بروفيسور/ مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي – مركز مأمون بحيري

على الرغم مما اعترى أصل الوثيقة الدستورية لسنة 2019 ونصها المعدل لسنة 2020 من المثالب التي كشفتها الممارسة الفعلية لأطراف الفترة الانتقالية المدنية والعسكرية، إلا أن هذه الوثيقة لا زالت تتمتع بجملة من المناقب التي تؤهلها لتكون أساساً لمرجعية دستورية مقبولة خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية. ولعل أهم هذه المناقب أن التخلي عنها سيدخل أطراف الانتقال في جدل عقيم لا تسمح وطأة الاحتباس السياسي الخانق من توفير الوقت الكافي لتوافق هذه الأطراف على مرجعية دستورية بديلة مستحدثة. وعليه أصبح من الضروري تراضي أطراف الانتقال المدنية والعسكرية ومكونات العملية السلمية على إدخال التعديلات الموجهة لتجاوز الأزمة الطاحنة التي خلفتها التطورات العسكرية والمدنية التي شهدتها البلاد منذ 25 أكتوبر 2021.
ولعل أول خطوات التوافق حول تعديل الوثيقة الدستورية حصر آثار التعديل في أضيق نطاق على أطراف الفترة الانتقالية المدنية والعسكرية والسلمية حتى لا تقود لردة فعل معاكسة. وهنا تكمن أهمية استصحاب المادة (79) من نص الوثيقة المعدل لسنة 2020 التي تقرأ: “يعتبر اتفاق جوبا لسلام السودان المرفق بالوثيقة الدستورية والموقع في 3 أكتوبر 2020، بين حكومة السودان الانتقالية وأطراف العملية السلمية، جزءاً لا يتجزأ منها، وفي حال التعارض بينهما يزال التعارض بما يتوافق مع نصوص اتفاق جوبا لسلام السودان”. ومن هذا المنطلق ينبغي لكافة أطراف الانتقال التوافق دون إبطاء على تعديل فقرات الوثيقة الدستورية التي تساعد على نزع فتيل الاحتباس السياسي الراهن واضعين في الاعتبار تهيئة الظروف الملائمة لاستكمال المكاسب المحققة في وقف النزاع واحتواء تجدده والسعي لتوسيع نطاقه.
وفيما يلي مقترح لتعديل محصور في الفقرات ذات الصلة الجوهرية بتجنيب السودان السقوط من شفير الهاوية. وينطوي هذا المقترح على التغاضي عن فتح المجال لإدخال تعديلات ثانوية مركبة تمس تماسك الوثيقة وتعيد مكابدة المخاض العسير الذي صاحب صياغة أصلها في عام 2019، وتعديلها العويص في عام 2020.
الفقرة (4) المتعلقة بالمادة 11 في الوثيقة الدستورية لسنة 2019.
يلغى البند (2) ويستعاض عنه بالبند الجديد الآتي:
(2) يشكل مجلس السيادة من ثمانية أعضاء على النحو التالي:
• ثلاثة مدنيين من الكفاءات المستقلة يكون أحدهم رئيساً لمجلس السيادة خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية.
• ثلاثة أعضاء من الكفاءات المستقلة تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان.
• إثنان عسكريان تختارهم المؤسسة العسكرية على ألا يكونا من الأعضاء السابقين في مجلس السيادة.
الفقرة (7) المتعلقة بالمادة (15) في الوثيقة الدستورية لسنة 2019.
يلغى البند (1) ويستعاض عنه بالبند الجديد الآتي:
• “يتكون مجلس الوزراء من رئيس من الكفاءات المستقلة، وعدد من الوزراء من كفاءات مستقلة، يعينهم رئيس الوزراء على أن يكون من بينهم نسبة 25٪ تختارهم أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان من الكفاءات المستقلة، ويعتمد مجلس السيادة جميع الأعضاء ومن بينهم وزيري الدفاع والداخلية اللذين ترشحهما المؤسسة العسكرية من غير الذين شغلوا مناصب دستورية خلال المدة المنقضية من الفترة الانتقالية”.
الفقرة (10) المتعلقة بالمادة (80) من “الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية (تعديل) لسنة 2020 ”
• تلغى المادة (80) المتعلقة بإنشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية.
على الرغم من عدم تلبية التعديلات المقترحة على الوثيقة الدستورية لكافة التطلعات، إلا أن هذه التعديلات تلبي جوهرياً تطلعات الفاعل الأساسي في الساحة السياسية الراهنة المتمثل في لجان المقاومة بإنهاء الشراكة التي سادت المدة المنقضية من الفترة الانتقالية. ولا تتناقض جوهرياً مع توجهات أطراف الانتقال المدنية والعسكرية ومكونات العملية السلمية. وذلك فضلاً عن أن هذه التعديلات تراعي أيضاً الالتزام القومي تجاه الضامنين الإقليميين والدوليين للوثيقة الدستورية لسنة 2019 ونصها المعدل لسنة 2020. ويشمل هؤلاء الضامنون الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوربي ودول الترويكا والولايات المتحدة، الذين يتوافقون جميعاً على جدارة الوثيقة الدستورية لتكون مرتكزاً لنزع فتيل الاحتباس السياسي الراهن.
وبعد نزع فتيل الاحتباس السياسي بتعديل الوثيقة الدستورية ينبغي لكافة أطراف الفترة الانتقالية السعي الجاد لجعل ما تبقى من الفترة الانتقالية بيئة يسودها التآلف والانسجام والتجاوز، بدعم من المجتمع الدولي والإقليمي بتقديم الضمانات الكافية لجميع الأطراف، ومنح المؤازرة الفنية والمادية التي تمكِّن من استدامة الوئام والتوافق. وهذا ما تحتاجه أطراف الفترة الانتقالية المدنية، خاصة لجان المقاومة ومكونات العملية السلمية، للتحول من تيارات احتجاج وعراك إلى كيانات سياسية تنافس في الوصول للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع.

algazoli@hotmail.co
////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات