انفصال جنوب السودان للدكتور سلمان محمد أحمد سلمان : منقو قل معي !  .. بقلم: الوليد محمد الأمين 


يستعرض المؤلف في هذا الكتاب مسألة انفصال جنوب السودان عن السودان الكبير بصبر الباحث الدؤوب ودربة الأكاديمي المتمكن ، ولا عجب في ذلك ، فالدكتور سلمان إضافة إلى اهتمامه بالتوثيق واهتمامه بمسألة نزاعات المياه ، خاصة ما تعلق منها بحقوق السودان المهدرة في مياه النيل ومستجدات أحواله بعد السد الأثيوبي الكبير ، إضافة إلى ذلك ، فهو كان قد عمل محاضرا بجامعة الخرطوم وبعدها حصل على الماجستير والدكتوراة من جامعة ييل الأمريكية المرموقة .
لم تحظ مسألة انفصال الجنوب بالاهتمام الكافي أو المناسب لحدث بحجمها حتى الآن ، من قبل السودانيين على وجه التخصيص ، فالكتب الصادرة في هذا الموضوع قليلة إن توفرت ، ستة كتب بحسب إفادة المؤلف ، وعدد منها كتبها كُتّاب من غير السودانيين . أشار المؤلف هنا إلى كل من السيدة هيلدا جونسون التي كتبت كتابين عن انفصال الجنوب ، والسيد لازروس سيمبويو . الاثنان بالطبع ، هيلدا ، وزيرة التعاون النرويجي ، وسيمبويو ، الجنرال الكيني ، كانا وسيطين في مفاوضات نيفاشا التي أفضت في النهاية إلى ما عرف باتفاقية السلام الشامل ، والتي أدت في النهاية إلى انفصال جنوب السودان . عدّد المؤلف ثلاثة كتب أخرى أصدرها كل من الباحث الكندي جون يونق ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة ( وهذا الكتاب اشترك في كتابة فصوله ثلاثة عشر كاتبا من عدد من الدول العربية بما فيها السودان ) ، أما الكتاب السادس فقد أصدره المؤلف نفسه . وعلى ذلك يكون الكتاب الذي بين أيدينا هو المؤلف السابع في هذا الموضوع . مؤخرا وفي العام 2021 أصدر البروفيسور محمد ابراهيم خليل كتابه ” لماذ انفصل جنوب السودان ” باللغة الانجليزية وترجمه للعربية الأستاذ عثمان النصيري .
لم يتسن لي الإطلاع على الكتب المذكورة كلها ، ولكن بالمقارنة مع كتاب السيدة هيلدا جونسون القيّم إنما الشخصي إلى حد كبير ، والشخصي هنا ليست للتقليل بالطبع إنما للإشارة إلى منطلق الكاتبة باعتبارها وسيطة في المفاوضات وطورت خلال هذه الفترة علاقة وطيدة مع بعض أطرافها ، على الأخص من جانب الحركة الشعبية ، بالمقارنة مع كتاب السيدة جونسون نجد كتاب الدكتور سلمان الحالي مُركِّزاً أكثر على المعلومات التاريخية ومهتما بالتوثيق لدرجة كبيرة . السيدة هيلدا روت تفاصيل المفاوضات ودهاليز التفاوض ولكنها كأوروبية ربما لم تهتم بما فيه الكفاية بتقصي أسباب حرب الجنوب وتطوراتها ، مرد ذلك بالطبع إلى ما عاصرته من الأحداث الكبيرة والمهمة وفكرة كتابها نفسه . بالمقابل اهتم الدكتور سلمان بالتقصي الدقيق عن جذور الانفصال ومراحل تخلُّق فكرته من مطالبة الجنوبيين بالفدرالية فالكونفدرالية ثم أخيرا الانفصال الصريح . غير أنه ولنختم حديثنا عن كتاب السيدة هيلدا والمعنون في الترجمة العربية ” اندلاع السلام : قصتي مع أطول حروب افريقيا ” ، فتجب الإشارة إلى أنه لا غنى عن قراءته لمعرفة الكثير من تفاصيل مفاوضات السلام للحرب الأطول في القارة .
انفصل جنوب السودان عن السودان الكبير رسميا في التاسع من يوليو من العام 2011 بُعيد الاستفتاء الذي أُجرِىَ قبل ذلك  في الفترة من التاسع إلى الخامس عشر من يناير من العام ذاته ، غير أنه وقبل ذلك بكثير من الوقت ترسخ اليقين لدى الكثير من السودانيين ، الشماليين منهم بالطبع أعني ، أن الجنوب منفصل لا محالة . أما الجنوبيون أنفسهم فقد مثّل حق تقرير المصير الذي انتزعوه بدهاء معتبر بعد سنوات من الحرب والنضال حلما وفرصة ما كان لهم أن يضيعوا تحقيق الانفصال أو الاستقلال عبرها .
الفكرة الأساسية أو الثيمة إن شئت القول في كتاب الدكتور سلمان الحالي هو كما بيّنَه المؤلف نفسه وكرره في أكثر من موضع في داخل الكتاب وكذلك في العنوان الفرعي للكتاب : ” تعقيب على إدعاءات سياسيين وكتّاب شماليين ” . إذ أن انفصال الجنوب الذي لا يمكن النظر إليه إلا كنتيجة طبيعية وحتمية لتعنت الشماليين ، ويمثلهم هنا بالطبع ساستهم وأحزابهم وقبل ذلك بالطبع الحكومات العسكرية التي حكمت السودان للفترة الأطول في تاريخ الحكم الوطني بعد الاستقلال ، انفصال الجنوب هذا نجد بعد حدوثه الكل يحاول التنصل منه وإلقاء اللوم على الآخرين في حدوثه . بالطبع يقع الوزر الأكبر على الاسلاميين السودانيين الذين حكموا البلاد للفترة الأطول في تاريخها بعد الاستقلال ، والذين في عهدهم تم الاعتراف بحق تقرير المصير للجنوبيين للمرة الأولى من قبل حكومات السودان ، وقبل ذلك وفي عهدهم أيضاً تحولت الحرب في الجنوب من حرب أهلية أو حرب عصابات أو تمرد ضد الدولة المركزية إلى حرب دينية جهادية ، ثم وفي عهدهم كذلك وقع الانفصال نفسه ، إنما لا يعني ذلك أن الآخرين كانوا أكثر حرصا على الوحدة أو كانوا أكثر صدقا على الأقل ، أوعلى استعداد لدفع الثمن الزهيد الذي طالب به الجنوبيون كمقابل للبقاء في بلد المليون ميل مربع .
غير أنه وبالمقابل وبعد هذه المياه التي مرّت تحت الجسر وما انتهى إليه حال السودان بعد أكثر من عشر سنوات من الانفصال وتبعات ذلك على السودان من اتفاقية جوبا للسلام ودخول حركات السلاح في دارفور إلى منظومة الحكم ورؤيتها للسودان الجديد وتحميلها لكل أوزار السودان للشماليين والمتاجرة بقضايا المهمشين وحصر التهميش في جانب واحد حامين كل ذلك بقوة السلاح ، بعد كل ما حدث نجد الدعوات لتقسيم السودان تتصاعد مرة أخرى .
يقع الكتاب في نحو 380 صفحة ، في طباعة معقولة خالية من الأخطاء الطباعية إلا ما ندر في بضع مواضع ربما لم تتعد الخمسة . صدر الكتاب في العام 2020 عن مركز أبحاث السودان بفيرجينيا ودار المصورات بالخرطوم . احتوى الكتاب على المقدمة ثم ستة عشر فصلا تلتها الخاتمة ثم المراجع . جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان : قرارات مؤتمر المائدة المستديرة واتفاقية أديس أبابا ، ثم الفصل الثاني بعنوان : دور حكومة انتفاضة أبريل 1985 في تعقيد وتصعيد قضية الجنوب . ثم الفصل الثالث بعنوان : إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني – قرنق : إهدار الفرص الأخيرة لبقاء السودان موحدا . الفصل الرابع كان بعنوان : مسئولية انفصال جنوب السودان واستنساخ الايقاد ونيفاشا ، ثم الفصل الخامس بعنوان : ماذا حدث لكِتاب الاسلاميين عن اتفاية نيفاشا ، والمؤلف هنا يتحدث عن تبشير أحد سفراء الاسلاميين وكتّابهم بصدور كتاب قال إنه سيصدر بعد أشهر قليلة وقتها ( في العام 2017 ) لتوضيح خبايا الانفصال ونفي مسئوليته عن الاسلاميين ، ولكن ذلك الكتاب لم يصدر حتى العام 2019 وقت فراغ المؤلف من كتابه ، بل ولم يصدر حتى اللحظة في منتصف العام 2022 ! الفصل السادس جاء بعنوان : الاسلاميون : إعلان فرانكفورت وحق تقرير المصير ومسئولية انفصال السودان . الفصول من السابع وحتى العاشر استعرضت موقف ودور الأحزاب الشمالية الرئيسة من وفي مسألة حق تقرير المصير ، الحزب الاتحادي الديمقراطي ، حزب الأمة ، الحزب الشيوعي السوداني ، ثم أخيرا حزب المؤتمر الشعبي المنشق من حزب المؤتمر الوطني بزعامة عرّاب الاسلاميين الدكتور حسن الترابي بعد أن انقلب عليه تلامذته في الفكرة والتطبيق . يتعرض المؤلف بعد ذلك ويفنّد في الفصل الحادي عشر الفكرة الرائجة في أوساط الكثير من السودانيين عن دور التدخل الأجنبي في انفصال الجنوب ! أما الفصل الثاني عشر فخصصه المؤلف للحديث عن الاسلاميين واتفاقيات السلام من الداخل وادعاءات التدخل الأجنبي . من الفصول المهمة في الكتاب ، وكل فصول الكتاب مهمة ، الفصل الثالث عشر الذي يرُّدُ فيه الكاتب على المقولة التي روّج لها اسلاميو السودان وصدقها الكثير من السودانيين خاصة البسطاء منهم من أن الجنوبيين ، أو الحركة الشعبية ، طالبوا بدولة علمانية إفريقية في السودان . قريبا من ذلك يرُّد المؤلف في الفصل الرابع عشر على الطرح القائل بالدور الكبير للقوى السياسية الجنوبية في الانفصال عن الشمال . الفصل الخامس عشر خصّصَهُ المؤلف لما سماه لعنة الموارد ، وذلك عن دور النفط في انفصال جنوب السودان . لقد كان من المؤمل أن تسهم فورة النفط السوداني في نمو القطر وتنميته لو أُحسن استغلالها ، ولكنها وللأسف بالمقابل وبالطريقة التي أدير بها ذلك الملف وتعنت الحكومة وقتها أدت إلى تمترس الجنوبيين أكثر عند مطلب الانفصال مضحين بنصف نفطهم في سنوات الفترة الانتقالية كثمن للاستقلال كما صرح قائد الحركة الشعبية وقتها والرئيس بعد ذلك العقيد سلفاكير ميار ديت ! في الفصل السادس عشر والأخير تعرض المؤلف لما سماه حروب الرسائل بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق دي مبيور .
وعلى الرغم من أن المؤلف لم يخصص فصلا منفصلا لدور الجيش السوداني كمؤسسة في انفصال الجنوب ، فالكتاب قد تعرض لسلوكيات الجيش السوداني وعقيدته القتالية في غير موضع . ففي زمن رئاسة السيد محمد أحمد محجوب للحكومة أورد المؤلف أن الجيش السوداني قد ارتكب مجزرتي جوبا وواو اللتين راح ضحيتهما أكثر من 500 من أبناء وبنات وأطفال الجنوب . وكذلك ارتكب الجيش ما عرف بمجزرة السلاطين خلال فترة تولي السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزارة للمرة الأولى في الفترة من يوليو  1966 إلى مايو 1967 ، وهذه راح ضحيتها 15 من سلاطين الجنوب أُعدموا أمام أسرهم وأطفالهم . كذلك قام الجيش السوداني باغتيال القيادي الجنوبي المعتدل السيد وليم دينق وستة من مرافقيه في مايو من العام 1968 . وفي فترة الحكم العسكري الأول يذكر المؤلف أن الحاكم العسكري وضباط الجيش الشماليين ارتكبوا جريمة اغتصاب جماعي في مديرية أعالي النيل نتج عنها أن حملت 31 فتاة سفاحا كانت أعمار معظمهن بين ال 15 وال 17 عام . ورغم أن المؤلف يشير إلى أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ، فهو يشير إلى أنها كانت ممارسات عادية يقوم بها الجيش السوداني في الجنوب ، بل إن المحكمة العليا كانت قد أوضحت في 25 ديسمبر من العام  1965 أن مجموعة من القوات المسلحة السودانية ، الجيش السوداني ، دخلت المستشفى التي كانت تعالج الجرحى وقتلت أحد الأطباء وأرغمت الطبيبان الآخران على الهروب وأوقفت علاج الجرحى ! ربما كانت تلك الأحداث هي بعض المسكوت عنه أو غير المطروقة في ممارسات الجيش السوداني في الدولة الوطنية ، ما أدى في أيامنا هذه إلى استغراب الكثيرين من ممارسات الجيش والقوات الأمنية السودانية الأخرى تجاه المتظاهرين العزل فيما بعد وفي أحداث أخرى معاصرة بل وإلى حينه ! إن كان هناك ما يتوجب الوقوف عنده هنا فهو المهنية العالية وقتها للرجل المحترم عبد المجيد إمام ، فقد ختم القاضي عبد المجيد إمام حكمه بالقول : ”  إن الحكومة التي تمارس أفعال بطش كهذه تخالف أحكام القانون وتجافي قواعد الإنسانية لهي حكومة جديرة بالاحتقار ، وإن كل مواطن يواجهها بذلك يتوجب حمايته … وإن أي حكم غير هذا سيحبط نص وروح القانون ويجردهما من الجدوى ” . من الواضح أن عبد المجيد إمام كان نموذجا صعُب تكراره بعد ذلك في سلك القضاء السوداني ، بل ربما أنه لم يتكرر بعدها ، وما عاشه السودان بعد ذلك يكفي بالطبع كدليل على ذلك . عبد المجيد وعلى أيام ثورة أكتوبر 1964 كان هو من قال قولته المشهورة التي سارت بها الركبان من يومها وإلى يومنا هذا للضابط العسكري آمراً إياه بعدم توجيه سلاحه وقتل المتظاهرين السلميين .
غير الفظائع التي ارتكبها الجيش في الجنوب يلفت النظر توجيهات الحكومة في الخرطوم وقتها لأفراد الجيش الشماليين في الجنوب بالمشاركة في انتخابات العام 1968 ، وهو التوجيه الذي استهدف كذلك الشماليين من التجار .
واحدة من الدلالات المهمة التي سيخرج بها قاريء الكتاب عن تعامل حكومة الاسلاميين مع مسألة الجنوب هي ما يمكن وصفه بمحاولة التذاكي وافتراض الغباء في الآخر ! يذكر المؤلف في الفصل السادس أن نيجيريا راعية المفاوضات التي عُرفت بمفاوضات أبوجا كانت قد وصلت لقناعة أن حكومة السودان تنقصها الإرادة السياسية للوصول إلى اتفاق . في الحقيقة ربما كان ذلك صحيحا لحد ما ، ولكن الصحيح كما بدا لي أن الحكومة السودانية تحت ظل الحركة الاسلامية بعهودها المختلفة كانت تمارس السياسة باعتبارها وسيلة للخداع والالتفاف ، أو بكلمة واحدة : الفهلوة ! من ذلك فيما خص مفاوضات حرب الجنوب احتجاج الحكومة السودانية على إرسال الحكومة النيجيرية مقترحاتها إلى الحكومة السودانية والحركة الشعبية في وقت واحد ، إذ كانت المسألة تقتضي ، بحسب تصور الحكومة أن تطلع هي أولا على المقترحات قبل ارسالها للحركة ، يرى المؤلف أنه ربما كان مرد ذلك لاعتقاد النظام السوداني وقتها أنه وبما أنه هو من طلب وساطة نيجيريا فإن ذلك يعني أن تفضله نيجيريا بعض الشيء . ولكن النيجيريين – وبحسب المؤلف أيضا – كانوا يتصرفون كوسيط محايد !
أدت هذه الفهلوة آخر الأمر لأن يصل الوسطاء إلى قناعة بعدالة مطالب الحركة الشعبية التي ظلت تشكو من نقض العهود والمواثيق المتواصل من قبل الشماليين على وجه العموم وحكومة الاسلاميين على الأخص باعتبارها صاحبة الفترة الأطول في حكم السودان .
من مظاهر هذه الفهلوة ومحاولات  التذاكي الفاشلة رفض حكومة الاسلاميين لحق تقرير المصير كحق انساني في مفاوضات الايقاد ووصف هذا الحق بالقرار السياسي ! بالمقابل طالبت الحكومة بالتركيز على النظام الفيدرالي باعتباره مطلب الجنوبيين منذ العام 1947 ( رفضته الأحزاب الشمالية وقتها ! ) . مبلغ الدهشة هنا والمثير للتعجب أن هذه الحكومة نفسها كانت قد وقعت قبل أشهر قليلة على اتفاقية الخرطوم للسلام التي اشتملت على الاعتراف بحق تقرير المصير لجنوب السودان . بالطبع كان ذلك التوقيع مع الفصيل المنشق من الحركة الشعبية الأم ، ومن الواضح هنا أن الحكومة فعلت ذلك لتعميق الانقسام داخل الحركة والاستثمار في سياسة التفريق لاضعاف الحركة كما كان ديدن سياستها في التعامل مع الأحزاب الشمالية ، ولكن ذلك كان خطأ كبيرا من جانب الحكومة لصالح الجنوبيين على وجه العموم .
من تلك الفهلوة التي حاول الاسلاميون ممارستها ما ظل يردده بعضهم من أن أعلان فرانكفورت لم يتضمن حق تقرير المصير ! وكرد على ذلك يشير المؤلف هنا إلى تصريح الدكتور علي الحاج ممثل الحكومة في إعلان فرانكفورت : ” نعم أنا من فاوض حوله وأتيت به من لقاء فرانكفورت ( يعني تقرير المصير ) ، ولكن هل كنت وحدي ؟” الخ التصريح . رغم ذلك جادل بعضهم بأن ما تم الاتفاق عليه لم يكن تقرير المصير ، وأن الصحيح هو ترجمة ما اتُفِق عليه بحق التصويت لا تقرير المصير ، دون أي الزام قانوني بنتائجه ! إن اتفاقية فرانكفورت على كل حال متوفرة وموثقة لمن أراد الإطلاع عليها . ربما يشبه ذلك ما صرح به أحد سياسيي الحزب الاتحادي الديمقراطي ، الدكتور بخاري الجعلي ، كما ذكر المؤلف ، من أن توقيع الحزب الاتحادي على مقررات أسمرا هو توقيع مزور !
مثال آخر للفهلوة والتذاكي هو ما أثاره وفد الحكومة في مفاوضات أبوجا حين طالبت الحركة الشعبية بإدراج حق تقرير المصير الذي وافقت عليه الحكومة في فرانكفورت ، إذ دار الجدل هنا من قبل الحكومة بأن الحركة الشعبية الأم لم تكن طرفا في إعلان فرانكفورت وبالتالي لا يمكن أن يكون الاعلان جزء من أجندة المفاوضات ! بالطبع مثّل ذلك منطقا غريبا ، فالاعتراف بحق تقرير المصير لشعب أو مجموعة سكانية لا يمكن التحجج حوله بأن ذلك الحق منح لممثلين محددين لتلك المجموعة وليس للشعب نفسه باختلاف ممثليه ! على كل حال ما حدث وقتها وأربك حسابات الحكومة أن وفدي الحركة الشعبية – الأم وفصيل الناصر – أعلنا توحدهما في وفد واحد للتفاوض في خطوة يمكن تفسيرها بإعلاء الفصائل الجنوبية لمصلحة شعبهم العليا وقتها . لم تنته أحابيل الحكومة وقتها بالطبع ، فعندها جادل وفد الحكومة بأن الحكومة وقعت على حق تقرير المصير مع فصيل الناصر من الحركة الشعبية ،  وبما أن هذا الفصيل لم يعد موجودا فبالتالي فالحكومة في حل من ذلك الاتفاق وبالتالي من حق تقرير المصير ! من الواضح أن الحكومة حاولت اللعب على ورقة فرق تسد ، وواحد من الأسباب التي أدت إلى خروج نيجيريا من الوساطة علمها بأنه في ذات توقيت مفاوضات أبوجا كان وفد حكومي آخر يفاوض فصيل الناصر في نيروبي . لن يتسن للنيجيريين بالطبع فهم منطق السياسة السودانية لدى الاسلاميين السودانيين بل ولدى عموم سياسيي السودان في الغالب : الفهلوة والتذاكي ولا المبدئية ، بل ويمكننا أن نضيف : والارتهان للخارج وفقدان الارادة الوطنية .
من مظاهر التذاكي التي لازمت سياسة الحكومة أيضاً حيال مسألة حق تقرير المصير وتداعياتها ما ذكره المؤلف عن السفير خالد موسى ومجادلته بأن اعلان فرانكفورت لم يتضمن حق تقرير المصير ، وفي ذلك يورد المؤلف تبرير السيد السفير لذلك بقوله إن النسخ التي تم التوقيع عليها من اعلان فرانكفورت بواسطة الطرفين كانت محدودة العدد والتداول ولذا فلم يطلع عليها الكثير من الباحثين ! لا أظن أن مثل هذا الزعم يستحق الرد عليه لقاريء الكتاب بالطبع ، على الأقل لقاريء هذا الاستعراض للكتاب ، أما مؤلف الكتاب نفسه فقد فعل ، أي قام بالرد !
من الملاحظات الجديرة بالتأمل بعد قراءة الكتاب ما بدا لي من التناغم وربما التوافق في الكثير من المواقف بين السيدين الصادق المهدي وحسن الترابي . ففي مؤتمر المائدة المستديرة في العام 1966 أشار المؤلف إلى ما سماه تبادل لعب الأدوار بين السيد الصادق والدكتور الترابي لوأد أعمال لجنة الاثني عشر وهو ما قد كان . وفي العام 1968 رفع السيد الصادق وحليفه الدكتور الترابي قضية دستورية أمام المحكمة العليا مؤملين في أن تفصل لصالحهما في قرار حل الجمعية التأسيسية لصالحهما ، بينما هي للمفارقة ذات المحكمة التي رفض الرجلان حكمها ببطلان قرار حل الحزب الشيوعي ، حيث وصف السيد الصادق الحكم وقتها بأنه تقريري بينما سخر الترابي في كتاب أصدره – بحسب المؤلف – من الحكم ومن المحكمة ذاتها . مثال آخر لذلك التناغم تأكيد السيد الصادق المهدي في العام 1966 عندما كان رئيسا للوزراء أن هوية السودان هي هوية عربية وأسلامية ، وأن الأمة السودانية لن تستطيع تعريف هويتها وتحتفظ بهيبتها وعزها بغير إحياء الاسلام ! أما الترابي فقد أعلن أن الجنوب يعيش حالة فراغ ثقافية لابد من ملئها بالاسلام والعروبة ! على كل حال في هذه النقطة بالتحديد لم يتخلف الحزب الكبير الآخر ، الاتحادي الديمقراطي ، فقال السيد علي عبد الرحمن نائب رئيسه وقتها إن السودان بلد عربي إسلامي ، بل وزاد عليه بأن من لا يستطيع التعايش مع هذه الحقيقة فعليه أن يحزم أمتعته ويغادر السودان ! غير أن واحدا من أخطر مظاهر هذا التناغم بين الزعيمين ربما كان في مساهمتهما في إهدار الفرصة التي ربما كانت الأخيرة لوحدة السودان ، أي سعيهما الناجح في النهاية لوأد اتفاقية الميرغني قرنق في العام 1988 . فالاتفاقية التي ذكر المؤلف أن الآلاف استقبلوا السيد محمد عثمان الميرغني في مطار الخرطوم مقابلة الأبطال بعد عودته من توقيعها ، هذه الاتفاقية نظر إليها السيدان الصادق والترابي كانتصار سياسي كبير للسيد محمد عثمان وهو ما لم يرُق لهما . كاتب هذا العرض للكتاب كان واحدا من تلك الجماهير الغفيرة التي خرجت لاستقبال السيد محمد عثمان في مطار الخرطوم ، وأذكر وقتها أننا ذهبنا وعدنا كذلك راجلين على أقدامنا من حي الخرطوم 3 إلى مطار الخرطوم وكنا وقتها في المرحلة الثانوية بلا انتماءات سياسية وبلا لافتات سوى محبة البلاد وحبا في السودان الكبير .
لا تستطيع هذه الكتابة بالطبع الإحاطة بكل ما ورد في الكتاب ، إنما هناك بعض النقاط الجديرة بالتأمل ربما بل والوقوف عندها . من هذه النقاط أن الساسة السودانيون على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم السياسية تعاملوا مع الجنوب والجنوبيين في غالب الأحوال إن لم يكن كلها باستخفاف لا يليق . فبعد موافقة الأحزاب الشمالية على النظر بصورة خاصة لمطلب الجنوبيين في الفدرالية قبل الاستقلال ، رد هؤلاء الساسة بعد الاستقلال بأنهم بالفعل فعلوا ذلك ولكنهم توصلوا إلى عدم وجاهة ذلك المطلب وبالتالي رفضه ! أما بُعيد انتصار ثورة أكتوبر فما حدث هو أنه في 27 أكتوبر من العام 1964 وقّع تحالف جبهة الهيئات على الوثيقة التي سميت ” الميثاق الوطني ” ، حيث وقعها 28 من القيادات الحزبية والنقابية ، ولكن لم يكن بينهم ولا حتى واحد من الجنوبيين ! بعد ذلك في مؤتمر المائدة المستديرة في العام 1965 كانت رئاسة المؤتمر وسكرتاريته كلها من الشماليين ولم يكن بينهم جنوبي واحد ! الاستخفاف الأكبر بعد ذلك ربما يكون في ما قام به الرئيس الأسبق جعفر نميري من التدخل وتعديل اتفاقية أديس أبابا التي كانت لتجعله خالدا في تاريخ السودان ربما لو لم يقم بتدخلاته تلك ، إنما لابد من الإشارة إلى أن الرئيس نميري هو في نهاية الأمر دكتاتوري بغيض . غير ذلك وبالحديث عن اتفاقية أديس أبابا فلا يمكن أيضا التغاضي عن دور الطرف الآخر في توقيع الاتفاقية اللواء جوزيف لاغو وسعيه هو أيضا لتعديل بعض بنودها كتقسيم الاقليم الجنوبي لثلاثة أقاليم لمكاسب حزبية . سقط النميري وجاءت بعده حكومة الفترة الانتقالية برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الدهب في رئاسة المجلس العسكري الانتقالي والدكتور الجزولي دفع الله في رئاسة الوزراء . يرى المؤلف أن الاثنين ، سوار الدهب والجزولي ، تعاملا مع قضية الجنوب بذات الاستعلاء والاستخفاف ، بل إنهما ، يرى المؤلف ، مثلا تطبيقا لسياسات وأفكار الجبهة الاسلامية القومية ( الاخوان المسلمون في السودان ) ما أدى إلى تعقيد القضية ودفع بها لمزيد من التصعيد ، على الأخص بعدما أجيز الدستور الانتقالي في أكتوبر من العام 1985 وفيه نُصَّ على أن الشريعة الاسلامية والعرف مصدران أساسيان للتشريع وأن نظام الحكم الذاتي الإقليمي في الجنوب يعتمد على اتفاقية أديس أبابا  1972 ، وهاتان الفقرتان كانت الحركة الشعبية وقتها قد تجاوزتهما بقولها قبل ذلك بأن المشكلة هي مشكلة السودان وليست مشكلة الجنوب ، أما مسألة النص على الشريعة الاسلامية فقد كانت تعني الإبقاء على قوانين سبتمبر التي طالبت الثورة بالغائها وقتها .
في الفصل الثالث عشر عقّب المؤلف على السيد علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني والشريك في توقيع اتفاقية السلام الشامل نيابة عن حكومة السودان وقتها . عقّب عليه فيما ذكره غير مرة من أن شيئا واحدا كان مطلوبا من الحكومة ولكنها تأخرت عنه وستظل تتأخر عنه لأنه ” فوق قناعتنا بالدولة القُطرية ” ، أو كما قال ، في الحقيقة لم أفهم المقصود بالدولة القطرية في هذا التصريح ، أعني مسألة إقحام الدولة القطرية وماذا عنى السيد علي عثمان بالقناعة بالدولة القطرية هنا ، ثم أضاف بأن ذلك الشيء هو هويتنا . أضاف السيد علي عثمان بعدها أن الشيء الوحيد الذي ربما يقنع الجنوبيين بالوحدة لهو تخلي الشمال عن هويته الثقافية الاسلامية والعربية والقبول بالدولة المدنية العلمانية الافريقية التي ليست لها جذور ! في الحقيقة ربما يمكن أخذ التوصيفات أعلاه كمثال واضح للتلاعب بالكلمات والمصطلحات وإلباسها غير لبوسها . فمسألة هوية السودانيين دار ويدور حولها جدل كثير ، أكاديمي وغير أكاديمي وبعضه علمي مرتبط حتى بنتائج فحوصات الحمض النووي ، جدل ربما لم يكن السودانيون في حوجة إليه لو تراضوا إلى دولة المواطنة التي طالب بها الجنوبيون . كذلك فإن القول بهوية الشمال الثقافية الإسلامية والعربية لا يخلو من القصدية . كذلك من المهم هنا النظر إلى تصريحات السيد علي عثمان وتوصيفاته للدولة التي طالبت بها الحركة الشعبية بالدولة المدنية العلمانية الافريقية التي ليست لها جذور ! بالطبع لن يجد المرء أيا من الدول الافريقية التي ينطبق عليها هذا التوصيف . مدنية الدولة نفسها بالطبع من المصطلحات التي يدور حولها الجدل في أوساط المفكرين الاسلاميين والباحثين في مجالات الحكم في الاسلام ، لا يخفى ذلك بالطبع على السيد علي عثمان ولكنه هنا يتحدث كسياسي سوداني براغماتي أصيل ! على كل حال يؤكد كاتب الكتاب أن الحركات الجنوبية جميعها بما فيها الحركة الشعبية وعلى مدى فترة الصراع منذ العام 1947 وحتى انفصال الجنوب في العام 2011 ، لم تطالب إطلاقا بأن يتخلى الشمال عن هويته الثقافية الاسلامية والعربية ويقبل بالدولة المدنية العلمانية الافريقية التي ليست لها جذور كما في توصيف السيد علي عثمان .
لعله من المثير للدهشة بعد قراءة الكتاب التأمل في توصُّل الجنوبيين لتوصيف علة الدولة السودانية منذ وقت مبكر ، ففي رسالته إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء ثورة أكتوبر في نوفمبر من العام 1964 ، طالب السيد وليام دينق ” بالتسليم بأن السودان دولة افريقية عربية لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان إحداهما زنجية والأخرى عربية ، وذلك أمر لا يرتبط بأي شكل بموضوع الدين واللغة ، فلن يستطيع الاسلام أو المسيحية أن يوحد السودان ولن تستطيع ذلك اللغة العربية ، وهي أمور حدثت مبالغة في أهميتها في السنوات الأخيرة ، فالوحدة في نطاق التعددية هي الحل لمشكلة الجنوب “. لا يملك المرء إلا الاعجاب والانحناء لهذه الرؤية المتبصرة منذ ذلك الوقت المبكر من عمر الدولة  السودانية . كذلك ربما وجب الانتباه إلى  إشارة السيد وليم دينق الحصيفة إلى أن مسألتي الدين واللغة هما مسألتان ضُخِّمتا لحد كبير في السنوات الأخيرة ، ربما كان يعني بالفترة الأخيرة فترة ما بعد خروج الانجليز ، فتحت حكم دولة الاستعمار بالطبع لم يكن الحاكم الأجنبي ليستغل مثل هذه الأشياء في توطيد سلطته أو في الاستعلاء الثقافي . لا يخفي كذلك التشابه البيِّن بين هذه الرؤية ورؤية الدكتور جون قرنق بعدها بعقود في طرحه للسودانوية كرابط توحيد للسودانيين ، وكذلك ما طرحه منفستو الحركة الشعبية عن رؤية السودان الجديد ـ وهي رؤية لا تنطوي بأي حال من الأحوال على المطالبة بتخلي الشمال عن هويته . أما بخصوص العلمانية التي عدّها السيد علي عثمان ثمنا لن يدفعوه مقابل الوحدة فمن الغريب أن حكومة الإنقاذ كانت قد قبلت في العام 1997 مباديء الايقاد التي انبنت على حق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية هكذا وبلا مواربة ثم عادت وقبلتها مرة أخرى في العام 2002 !
فيما خص انفصال الجنوب في الإطار المجتمعي والثقافي تنسب مقولة صغيرة ولكنها لا تخلو من العمق للدكتور فرانسيس ديتق المفكر الجنوبي المعروف ، إذ يُنسب إليه أنه قال إنّ ما يفرق السودانيين هو المسكوت عنه . عطفا على هذه المقولة ربما انتبه قاريء الكتاب إلى مظلمة لطالما اشتكي منها جنوبيو السودان ولكنها كذلك لطالما تم تجاهلها من قبل السياسيين الشماليين بل والشماليين على وجه العموم وإن وجدوا لها المبررات في بعض الأحيان ، أعني بذلك مظلمة التهميش وعدم الاعتبار وربما التجاهل . فتحت العنوان الفرعي ” البداية المتعمدة لتهميش أبناء وبنات الجنوب ” في الفصل الرابع عشر من الكتاب يشير المؤلف إلى أن الحكومة الوطنية الأولى برئاسة السيد اسماعيل الأزهري ضمت فقط ثلاثة وزراء دولة بلا أعباء من الجنوب ،  بينما عيّن الأزهري السيد ميرغني حمزة وزيرا لثلاث وزارات هي وزارات الزراعة ، الري والمعارف ! أما لجنة السودنة فقد عيّنت ستة فقط من الجنوبيين من مجموع أكثر من 800 وظيفة شغرت بخروج الانجليز ! ورغم ذلك فقد كانت هذه الوظائف الست عبارة عن مساعدي مفتش في أربع منها ووظيفتي مأمور في الوظيفتين المتبقيتين ! ( في كتابه ” دارفور وأزمة الدولة في السودان ” ، يقول مؤلف الكتاب عبد الجبار دوسة أن نصيب دارفور من تلك الوظائف كان صفرا ، ولكنه يذكر أن وظائف الجنوبيين كانت أربع ) . بعدها في الحكومة التالية والتي عرفت بحكومة السيدين ، رُفِّع اثنان من سياسيي الجنوب من وزيري دولة بلا أعباء لينالا وزارتين هامشيتين هما وزارة المخازن والمهمات ووزارة النقل الميكانيكي ، والطريف ، وربما المحزن ، أن هاتين الوزارتين لم تكونا موجودتين من قبل واختفتا من لائحة الوزارات بعد تلك الحكومة !  بعدها نال الجنوبيون وزارة الثروة الحيوانية التي ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بالوزراء الجنوبيين ! في عهد الفريق عبود لم يضم المجلس الانقلابي أي ضابط جنوبي بينما ضم مجلس الوزراء جنوبيا واحدا كان هو وزير الثروة الحيوانية قبل الانقلاب واستمر بعدها في ذات الوزارة ! في حكومة أكتوبر بعد الثورة تولى السيد كلمنت امبورو وزارة الداخلية لسبعة أشهر كأول جنوبي ينال وزارة سيادية ، ولكنه على كل حال كان يشكو من أن أي شرطي في وزارة الداخلية وقتها كانت صلاحياته عمليا أكبر منه كوزير ! يمكن الاستمرار في تعداد أمثلة التهميش والإقصاء السياسي الذي مورس على الجنوبيين وكتابة صفحات في ذلك ، والكتاب حافل بالكثير من الأمثلة . لم يتعرض الكتاب بالمقابل للتهميش الثقافي الذي مورس على الجنوبيين في المناهج الدراسية وفي وسائل الاعلام وقتها من الصحف والإذاعات والتلفزيون ومن الحرمان من التعلم باللغة الأم ( وهذا الأخير مورس حتى على قبائل الشمال ذات اللغات المحلية مثل قبائل المحس على سبيل المثال ) وغير ذلك من وسائل الإقصاء والتهميش الثقافي .
كرّر المؤلف رؤيته عن حق تقرير المصير في غير موضع من الكتاب ، فالكاتب يرى أن حق تقرير المصير هو حق قانوني و إنساني وسياسي لشعب جنوب السودان ، بل ولكل الشعوب المضطهدة . وفي ذلك نجده يقول إنه لا ينتقد الأحزاب والسياسيين الشماليين لموافقتهم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان ، بل ينتقدهم كما قال ، للتخبط والارتباك الذي كان السمة الأساسية لتعاملهم مع قضية الجنوب . في الحقيقة ربما يجب القول هنا أو الإشارة إلى أن مسألة وحدة السودان ورفض انفصال الجنوب ربما كانت مسألة وجدانية أكثر منها حقوقية في فهم الكثير أو الغالب من السودانيين الشماليين العاديين ، أعني بالعاديين هنا غير السياسيين وغير العسكريين ، فالسودان الكبير ، أكبر أقطار افريقيا وأكبر الدول العربية قبل الانفصال ، والسودان الواسع من حلفا إلى نمولي ومن غاباتك يا حلفا للنخلات ورا تركاكا ، كما في الأغنية وغيرها من الأغنيات وكذلك في أناشيد المدارس من مثل منقو قل معي لا عاش من يفصلنا وغير ذلك ، كل ذلك شكّل رابطا وجدانيا وتقديسا للسودان بحدوده القديمة ، ولكن الحقيقة نفسها والانصاف يقتضيان الاعتراف بأن الجنوبيين عانوا الكثير من المرارات في التعامل على المستوى المجتمعي ناهيك عن السياسي الذي ركّز عليه الكتاب ، ولن نعدم الأمثلة بالطبع ولكن ليس هذا مكانها . غير أنه إن كان من ثمة ما يمكن إضافته هنا وبعد كل هذه السنوات من انفصال الجنوب ثم ما تلى ذلك من مرارات حرب دارفور والمنطقتين ( جبال النوبة والنيل الأزرق ) واتفاقيات السلام المتتالية وآخرها اتفاقية جوبا للسلام ، ثم ما انتهى إليه الحال بالسودان ، فهو الإشارة إلى ما يتبدى الآن ويتصاعد من زهد السودانيين الشماليين في السودان القديم إجمالا ، أعني في بقاء السودان القديم موحدا ، فعلى مر سنوات الحرب في دارفور تعالت بعض الأصوات بالتهديد بحق تقرير المصير لدارفور – التي ضمها الانجليز للسودان القديم قبل نحو مائة عام  ، أي بعد سنوات طويلة من الجنوب  – ، فاستنكر العقل الجمعي الشمالي تلك المسألة وقتها ، أي المطالبة بانفصال دارفور . لقد أثّر انفصال الجنوب على العقلية الشمالية المتهمة من قبل بعض أجزاء الوطن بالهيمنة والتسلط ، وهزم لديها فكرة السودان العريض مما جعلها الآن غير رافضة لفكرة فك الارتباط بدارفور أو حتى ما عرف بالمنطقتين أي جنوب كردفان والنيل الأزرق ، لم يتعرض المؤلف بالطبع لهذه المسألة ولكنها بدت لي ذات ارتباط بانفصال الجنوب وبتسلسل الأحداث التي أفضت إليه ، فلا يمكن لأي كان التغافل عن التشابه في مسار انفصال الجنوب وشعارات استئثار الشماليين بخيرات الجنوب بما يحدث الآن . ليست الحدود مقدسة على كل حال ، وإن كان ثمة من قداسة فينبغي أن تكون للروح البشرية التي تزهق في السودان في صراعات السلطة والثروة دون طائل وبلا مقابل !
الكتاب جدير بالقراءة وبالتأمل والتدبر في أحوال السياسة في السودان التي يبدو أنها لا تزال تدور في ذات المدار منذ استقلال البلاد دون تغيير يذكر سوى في الشخوص . كذلك يفيدنا الكتاب في إدراك بعض الأسباب الحقيقية التي أفضت بنا إلى ما نحن فيه الآن وما يثار الحديث عنه من عقيدة المؤسسة العسكرية السودانية ومن دور الأحزاب السياسية في الحياة العامة في السودان . يتوفر الكتاب لدى دار المصورات بالخرطوم وبعض دور النشر والتوزيع الأخرى .
wmelamin@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 3 shares

تعليق واحد