رسالة إلى شابات نظارات البجا وشبابه من عبد الله علي إبراهيم .. بقلم: د. عبدالله علي إبراهيم


إلى شابات نظارات البجا والعموديات المستقلة وشبابها
سلاماً وتقديري
أكتب اليكم هذه الرسالة وأنتم بصدد تصعيد حملتكم لإلغاء مسار الشرق للمرة الثانية لأقول لكم صعدوا بالله دون إغلاق الميناء كمرتكم السابقة. ورغبت لو تستغربوا مني طلبي هذا. فلم أؤيد وقفتكم السابقة لأنها عزمت على اسقاط حكومة استحقت البقاء عندي حتى ينصلح الحال. ومتوقع من مثلي في هذه الحالة أن يطرب لتصعيدكم الأمر بوجه حكومة مفترية اغتصبت الحكم فينا في اعتقادي.
وددت تجديد الحديث معكم طالما كانت مسألتكم هي مسار الشرق ما تزال. فقد أخذت عليكم مراراً أنكم لم تحسنوا تشخيص سياسات هذا المسار مما انتهى بكم إلى اصطفاف سياسي مع قوى النادي السياسي القديم الذي لم يأرق يوماً لحسسكم. وعودتكم للتصعيد مرة ثانية شاهد آخر على أن وعود هذا النادي ضلالات. لقد هززتم له شجرة الحرية والتغيير هزاً لا يحسنه كما رأينا من هزال منصة القصر. ووقعت الثمار في عبه. وماطل في دفع استحقاقكم.
دارات أحاديثي عن مسار الشرق حول تبرئة حكومة الحرية والتغيير إجرائياً، لا سياسياً، من التشريع له. وارتكزت في حجتي هذه على أمرين. أولهما أن التعاقد على السلام مع الحركات المسلحة، مثل الذي تم في جوبا في يناير عام ٢٠٢٠ ،٠ شأن اختص به مجلس السيادة، الذي غلب عليه العسكريون، لا مجلس الوزراء. فجاء ذكر اختصاص السلام في موضعين مربكين في الوثيقة الدستورية. جاء التكليف ضمن اختصاصات مجلس الوزراء وسلطاته (١٦-٢) بقول الوثيقة إن من تبعات المجلس “العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام” في حين كلفت الوثيقة مجلس السيادة ب”رعاية عملية السلام مع الحركات المسلحة” (١٢-س) علاوة على تعيين رئيس وأعضاء مفوضية السلام “بالتشاور مع مجلس الوزراء” (١٢-٣). وقام المجلس كما رأيتم برعاية عملية السلام مع المسلحين كما بدا له، وعين مفاوضي جوبا وعلى رأسهم حميدتي. ولا أعرف إن كان سماهم مفوضية السلام أم لا، أو إن كان شاور مجلس الوزراء. ومهما كان من ارتباك الوثيقة الدستورية فالمشاهد أن اتفاق جوبا الذي حوى شرور مسار الشرق كان عملاً خالصاً للشق العسكري من مجلس السيادة.
أما الأمر الثاني في تكييف حجتي فتعلق بمقاصد العسكريين من احتكار تعاقد السلام مع الحركات المسلحة. ومع ضعف الحكومة السياسي في التربص بمفاوضات جوبا وحصائلها إلا أن احتكار العسكريين بالسلام دون مجلس الوزراء كان فصلاً في معركة كسر العظام بين المدنية والعسكرية. فكان العسكريون، في بحثهم عن قاعدة سياسية يقوون بها مركزهم حيال الحرية والتغيير، قد تعاقدوا مع الجبهة الثورية على صفقة للسلام لن تكون إلا إذا جعلوا اختصاص السلام ملكاً حراً لهم لا شريك لهم فيه. ووقع ذلك التعاقد في تشاد في لقاء بين قادة الجبهة وحميدتي. وغطغطوا ذلك اللقاء بقول مناوي وقتها إنه صدف أن كان في تشاد مع أحد قادة العدل والمساواة حين زارها حميدتي. وطلبت منهما تشاد لقاءه. وكشف مني مناوي عن “ما تحت طربيزة” ذلك اللقاء منذ أيام. فقال إنهم تعاقدوا مع حميدتي أن لهم طيبات السلام جميعاً على ألا يلحوا على التحقيق في مذبحة فض الاعتصام ولا تسليم مطلوبي المحكمة الجنائية لها. وكانت الجبهة الثورية قد عادت يائسة من الاتفاق الذي تريده من “مارثون” مفاوضاتها مع الحرية والتغيير في أديس أبابا والقاهرة وما بينهما أول قيام مجلس الوزراء. ووقع لها اتفاق العسكر على جرح.
أردت مراراً لفت نظركم إلى أن غضبتكم المشروعة هي نباح على الشجرة الخطأ في قول الخواجات. فالأحرى بها هم العسكريون والجبهة الثورية. وكنت التمست أول قدوم وفد مقدمة الجبهة الثورية للترويج لاتفاقية جوبا بعد التوقيع عليها أن تبدأ رحلتهم بسنكات لتبرير تطفلهم على مسألة إقليم بأسره، وارتجال الحلول لمسألته بمن تصادف من حلفاء لها من الإقليم أعضاء بها. ورغبت أن تستغربوا مثلي من أين للجبهة الثورية امتياز التغافل فتظن أن اتفاقها المعلول سيحظى بقبول كيانات تاريخية في الشرق لم تكترث هي لحضورهم. ولم أسمع منكم نأمة واحدة تستنكرون على الجبهة الثورية هذا العبط الثوري.
كتبت مراراً عشماً فيكم أن تحسنوا تشخيص سياسات مسار الشرق. فلو فعلتم لكنتم تبينتم أن من مشى في الشرق بالمسار الفتنة هم عسكريو مجلس السيادة وبطانتهم في منصة القصر. وهم النادي السياسي الذي بذلتم لهم خدمة استثنائية لينقض على الثورة ويجعل “أحلامنا سبايا”.
أعرف أن كثيرين منك سيعيبون عليّ “تطفلي” على قضايا الشرق بلا دعوة ولا علم. وأخطأوا. فلست عائزاً دعوة للحديث عن وطني أيان كانت جراحه. أما علمي عن الشرق فعائد إلى الخمسينات و”كفاح البجة” (1953) لمحمد دين البجاوي الذي عزا الحرمان الذي يعيشه البجا إلى افتقارهم للمدخل إلى الفرص السياسية على المستوى القومي إلى يومنا هذا في رثاء الكابلي وقصيدته في معزة الشرق.
ومهما يكن فآخر قولي إن تناووا بأنفسكم من اعتصام آخر فادح بالوطن بينما حلحلة مسار الشرق، متى أحسنا التشخيص وميزنا الضرب، أدنى مما انتم مقدمون عليه.
ولكم مودتي وتقديري
عبد الله علي إبراهيم
أكاديمي وصحفي وسياسي
IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك