سلطة الشعب الطريق إلي أين؟ .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن


كل التقدير و الاحترام للجان مقاومة الخرطوم و هي تقدم مقترح ” ميثاق تأسيس سلطة الشعب” كخطوة غير مسبوقة في الساحة السياسية السودانية، أن ينهض شباب ضد النظام الشمولي في ” سبتمبر – ديسمبر 2018م” و يواصلون مسريتهم التظاهرية قرابة الست شهور، ثم يسقط النظام ” إذعان لشعار تسقط بس” ثم يواصلون ذات المسيرة لإسقاط انقلاب 25 أكتوبر. و يقدمون تصورا للحكم في السودان يبدأ بالفترة الانتقالية. أن المقترح المقدمة يؤكد وعي هؤلاء الشباب، و أن لديهم هدفا واضحا، لذلك قدموا مقترح الميثاق بهدف التداول و الحوار السياسي حوله. و الميثاق يعد نقله نوعية في العملية السياسية، تهدف إلي جر الناس من الموروث السياسي التقليدية ألي مرحلة جديدة في حوار فكري، و بالضرورة المقترح سوف يؤثر تأثيرا مباشرا في طريقة التفكير السياسي السائدة، و يدفع بعقول مستنيرة لحلبة الصراع الفكري تأسيا لوعي سياسي جديد. و هؤلاء الشباب قد وضعوا الأحزاب السياسية كما يقول المثل الشعبي في ” خانت اليك” حيث عجزت هذه الأحزاب أن تقدم مشروعها السياسي، إذا كان للفترة الانتقالية أو لما بعدها. لذلك نرفع القبعة لهؤلاء الشباب. و هذا الاحترام هو الذي يدفع الشخص للحوار معهم من خلال رؤيتهم المقدمة.
و المقترح إذا أتفق الناس في كل بنوده أو بعض منها، سوف يفتح نفاجا للحوار الفكري و السياسي حوله، و الحوار نفسه هو الذي يشكل الوعي الجديد في الساحة، و يكون لهؤلاء الشباب القدح المعلا. و أنني استمعت للمؤتمر الصحفي الذي قدم فيه الميثاق، ثم قرأت نص الميثاق. و كل فقرة في الميثاق تحتاج إلي تحليل لوحدها، إذا كان المبتغى منه هو الوصول إلي ” الدولة المدنية الديمقراطية” باعتبار أن التوصيف مسألة مهمة، و أيضا معرفة دلالة المصطلحات الواردة في الميثاق، باعتبار ليس كل السودانيين ينتمون لمدرسة فكرية واحدة، و القراءة النقدية مهمتها التوضيح و البيان، لكي تسهل عملية الفهم و الوعي، فالديمقراطية هي صراع فكري مستمر عبر مواعين ديمقراطية، مع أحترام كامل للرآي الأخر. رغم أن الساحة السياسية مليئة بالشعارات الديمقراطية، و أغلبية أصحابها لا يحترمون الرآي الأخر إلا القلة.
في هذه المقالة سوف اتناول بعض الفقرات بالنقد كبداية لنقد الميثاق. و السؤال المهم قبل الدخول في نقد بعض الفقرات: ماذا تهدف لجان المقاومة في الخرطوم التي قدمت المقترح هل الوصول إلي دولة مدنية ديمقراطية، أم دولة مدنية حديثة؟
يقول الميثاق في ختام ديباجته الآتي ( واستنهاض الحركة الجماهيرية وتوظيف كامل رصيدها وأساليبها السلمية المجربة والمبتكرة للوصول لبناء دولة مدنية حديثة) هنا لابد من التوضيح فيه؛ و لا اعتقد أن الذين صاغوا الميثاق يغيب عنهم فهم الفارق بين الدولة المدنية الحديثة و الدولة المدنية الديمقراطية، الآخيرة هي التي تؤسس للديمقراطية التعددية. و الدولة المدنية الحديثة ليس شرطا أن تكون ديمقراطية ” كل الدول الاشتراكية السابقة كانت دول مدنية حديثة، و العراق زمن البعث كان كذلك، و أيضا سوريا و كوبا و غيرها، و جميعها كانت دول تحكم بالحزب الواحد و غير ديمقراطية. و الديباجة في الدراسات العلمية تعتبر من أهم فصول الدراسة لأنها تلخص المحتوى العام للوثيقة. و الدولة المدنية الحديثة مصطلح غامض و لا يدل على إنها سوف تكون ديمقراطية، فالكتابة تفضح مضامين المعتقدات. و النقد و الصراحة و الوضوح من أهم مقومات العمل الديمقراطي، لذلك الصراحة مهمة جدا في تناول القضايا في ظل بلد تراكمت فيه الثقافة الشمولي أكثر من نصف قرن.
و يتأكد أن الدولة المدنية الحديثة كانت مقصودة لذاتها لكي تتوافق مع جاء في الميثاق؛ عندما نقرأ في الفقرة الثانية هذه العبارة (تشكيل هياكل الحكم تحت إشراف ومراقبة لجان المقاومة وقوى الثورة الحية المتوافقة مع وجهة هذا الميثاق) هنا تنصب لجان المقاومة نفسها وصي على الآخرين، و مبدأ الوصاية ليس له علاقة بالديمقراطية، لأنه مصطلح الفكر الشمولي، و لأنه يعطي اللجان السلطة النهائية في القرار. كما أن مصطلح القوى الثورية الحية مصطلح غامض يحتاج لتعريف، ما هو المقصود منه و من هي الجهة التي تحدد هذا ثوري و الأخر غير ثوري؟ السؤال الثاني أين حدود الثورية في بناء الدولة المدنية الديمقراطية مستمر أم مرتبط بالوصول إلي وثيقة دستورية جديدة دون مغاير للوثيقة الأولي؟ فالثورية التروتسكية لا تصنع ديمقراطية، لأنها مؤسسة لمقاومة الفكر الديمقراطي الليبرالي، و في الديمقراطية أن الثورة تقف في حدود اسقاط النظام، ثم تبدأ مرحلة جديدة هي الشرعية الدستورية التي تعتمد على الأحزاب السياسية التي تعتبر العمود الفقري للديمقراطية.
إذا انتقلنا إلي الفقرة الثالثة حول (قضايا الحكم) مثالا في الفقرة الأولى تبنى نظام حكم فدرالي لإدارة الفترة الانتقالية إلي بقية فقرات الحكم: هل هي أيضا خاضعة في القول الفصل إلي لجان المقاومة، أم هناك مؤسسة يجب أن تكون هي الموجهة في ذلك مثل المجلس التشريعي. لآن قضايا الحكم هي نفسها مصدر خلاف بين التيارات السياسية المختلفة، خاصة ما حدث سابقا في القضية الاقتصادية حيث كانت هناك رؤيتين: الأولى تتبنى الاقتصاد الحر و التي سار عليها رئيس الوزراء السابق، و الثانية الاقتصاد المختلط و التي كانت تتبناه اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية و التغيير. كيف يتم التوفيق بين الرؤيتين.
في فقرة الاحكام العامة الفقرة الثانية 2 و الفقرة 2/2 حيث تقول(تستثنى من التوقيع على هذا الميثاق كل القوى التي شاركت نظام اإلنقاذ حتى لحظة سقوطه والقوى التي أيدت انقالب 25 أكتوبر، والقوى التي شاركت في سلطة انقالب 25 أكتوبر حتى لحظة سقوطه..يشترط على كل القوى المدنية والسياسية التي قبلت وشاركت في التفاوض مع اللجنة األمنية لنظام اإلنقاذ تقديم تقييم موضوعي للتجربة التي قادت إلى إنتاج الشراكة واالعتذار الجماهيري عن األخطاء التي نتجت عنها) هذه الفقرة تطرح العديد من الأسئلة: كل القوى التي يرفضها الميثاق كيف سيتم التعامل معها؟ هل تحل بقرار سياسي من قبل القوى الثورية و يتم اعتقالهم و يمنعوا من العمل السياسي ( العزل السياسي) أم متاح لهم العمل السياسي و يمنعوا من المشاركة فقط في الفترة الانتقالية؟ و من الذي يصيغ قانون الانتخابات و إجراءاتها و توزيع الدوائر هل القوى الثورية وحدها أم مشاركة كل القوى السياسية؟ و من الذين يقع عليهم عبء مقترح الدستور أيضا هي القوى الثورية أم فتح باب المشاركة لجميع القوى السياسية؟ أسئلة يجب أن تجيب عيلها القوى التي صاغت الميثاق…..!
في ذات الفقرة التي تقول ( يشترط على كل القوى المدنية والسياسية التي قبلت وشاركت في التفاوض مع اللجنة األمنية لنظام اإلنقاذ تقديم تقييم موضوعي للتجربة التي قادت إلى إنتاج الشراكة واالعتذار الجماهيري عن األخطاء التي نتجت عنها) هذا الإشتراط كان قد وضعه الحزب الشيوعي ( لقوى الحرية و التغيير المركزي المسؤولة عن فشل الثلاث سنوات الماضية) عندما كانت قد طلبت الحوار معه، و التفاهم لوحدة الصف الثوري لماذا تبنته ( لجان مقاومة الخرطوم) رغم أن طلب التقييم هو مطلوب كإجراء ديمقراطية تقوم به القوى السياسية دون وصاية من أحد، باعتباره يصب في مجري الوعي الديمقراطي و إنتاج لثقافة ديمقراطية. لكنه جاء هنا تعضيدا لموقف قوى سياسية تريد أن تفرض وصايا على الآخرين و تمارس من خلاله حالة من الأستاذية عليهم، و هذا غير مقبول سياسيا، و عندما تتبناه ( لجان مقاومة الخرطوم) تكون قد مالت لجانب دون الأخر، في ظل صراع متصاعد بين القوى السياسية، و كان عليها أن تدرك أن مثل هذا التبني يفتح بابا للتصنيفات السياسية، ليس في مصلحتها. و حتى رد أحدهم في المؤتمر الصحفي أنه ليس مقصود به (قوى الحرية و التغيير بل كل الذين يشاركوا و انسحبوا حتى) هذا تبرير غير موفق. بل كان عليها الابتعاد عن ما جاء في سياقات الآخرين حتى تبتعد من التصنيف.
أن المقترح حقيقة يفتح بابا للحوار الفكري بين التيارات المتنوعة و المختلفة، و يمكن أن يتطور لكي يكون مشروعيا سياسيا تطرحه (اللجان الثورية) للانتخابات القادمة، و السودان في حاجة لقوى السياسية تثير الكثير من التساؤلات على القضايا موطن الخلاف، في ظل قوى سياسية عاجزة أن تقدم برامج سياسية منفردة أو تحالفية، و عجزها هو الذي يجعلها تميل لإطلاق الشعارات بديلا عن البرامج. و لذلك مهما كان الخلاف حول ( مقترح ميثاق سلطة الشعب لكنه وضع اللبنة الأساسية لطريق عمل سياسي جديد في البلاد، و يعتبر نقطة تحول مهمة في المسيرة السياسية، و لابد للعودة له في قراءة أخرى للفقرات التي لم اتعرض لها في هذا المقال. و نسأل الله حسن البصيرة.

zainsalih@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات