بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:
abdelmoniem2@hotmail.com
ألقي المجلس العسكري بعود في نار الفتنة ليزيد أوارها فذكر الشريعة الإسلامية. ومصيبة الجاهلين، منذ بدء الخليقة، هو الفهم الخاطئ الذي يؤدّي للعجز. فالجاهل ليس من لا يعلم ولكن من يظنّ علمه هو منتهي الحقيقة.
وُظِّف الإنسان خليفة قبل خلقه، ثمّ خلق في أحسن تقويم، ثمّ تبعته الشريعة، وفي هذا مُنتهي التكريم لهذا الإنسان. وما شريعته إلا هداه ومنهجه لإكمال إنسانيته، ولذلك فأيّ أمر، أو عمل يفارق معايير الإنسانية، ولو بذرَّة، فهو ليس من الشريعة ومنهجها أو الإسلام في شيء، ولا تمتُّ له بصلة، وإن نادي بها شيخ شيوخ المسلمين من أعلى المنابر. الإسلام يساوي الإنسانية في أعلى مراتبها، رحمة وعافية في الدنيا والآخرة.
وتجد الناس تُرِّدد مفاهيم لا تعرف تعريفها، ولذلك لا تفهمها، وقد فعلت ذلك حكومة الإنقاذ، ومنها مفهوم الشريعة الإسلامية. وهو معني تبنّاه بعض علماء المسلمين، فنسبوا الشريعة للإسلام ولم ينسبوها للمسلمين. وما اجتهاد الفقهاء على مرِّ السنين إلا محاولة فهم وتقنين شريعة ومنهج المسلمين في سياقيهما الزمني والمكاني، ولذلك فهذا الفهم، لا الشريعة والمنهج، قابل للتغيير خاصّة فيما يخصُّ فقه المعاملات.
ولكن التشريع والمنهج يختلفان من أمّة إلى أمّة، حسب ظروفها، وهو ما وضّحه المولي عزّ وجلّ:
“”لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا
ومعني ذلك أنّ الله سبحانه وتعالي وضع لكلّ أمّة شريعة ومنهجاً، فلم يفصل الشريعة عن المنهج. والقرآن الكريم والسنَّة الصحيحة المطهّرة هما مصادر التشريع الرئيسين للمسلمين، ولكن لا يمكن تُطبّق عقوبات حدوده وتعاليمه إلا على المسلمين الذين اختاروا الإسلام عن وعي بانعتاقهم من إسار الجهل، وليس على غير المسلمين أو المسلمين المُقلّدين الذين وُلدوا في ظلِّ عائلات مسلمة، لا يدرون حالهم ولا يفهمون دينهم، فهو لديهم جزء من ثقافة أو عادات نشأوا واعتادوا عليه، وهو حال أقطارنا التي ينتشر فيها الإسلام.
والشريعة باختصار هي الهدى من الله سبحانه وتعالي لعباده لإدارة حياتهم وبلوغ العافية، ويطلق عليها عُرفاً القانون. والمنهج هو طريقة تطبيق هذا الهُدى؛ أي الحكمة، ولذلك يقول المولي عزّ وجلّ:
”وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ “.
فالكتاب يرمز للشريعة والحكمة ترمز للمنهج، والمنهج هو كيفية تطبيق الأحكام عملياً، ولذلك يقول بعض العلماء أنّ الحكمة تعني السنّة. فمعرفة الشريعة وحدها لا تكفي، فكما نقول: من المُهمّ معرفة نصّ القانون، ولكن الأهم فهم روح القانون عند تطبيقه.
وهذه المرونة هي الحكمة العملية التي تناسب جميع الناس حسب سياقهم. ولكن شريعة ومنهج المسلمين لم تُوضع لتنظيم الحياة الدنيا الزائلة فقط، وإنّما لتعميرها بالعمل الصالح المبدع الذي لا يظلم أحداً، وبذلك يعمّرون آخرتهم حيث الحياة الباقية.
ولكن مصيبة المسلمين هي انتكاسهم بعد الخلافة الراشدة، وانتقالهم من سياق الحريّة والاستقلالية الفكرية، والثقة بالنفس ووضع العدل في بؤرة اهتمامهم، وهو روح الشريعة، إلى ملك عضوض حرََّم على العلماء الحديث في مقاصد الإسلام العليا وهي العدل، والحريّة، وكرامة الإنسان، والرحمة، والفضل وما شابه، لأنّ في ذلك تهديد لعروش الملوك الذين اغتصبوا السلطة وانتزعوا حقوق الناس.
فظهرت أحاديث تحريم الخروج على الحاكم واختفت أحاديث “أفضَلُ الجِهادِ كلمةُ عَدْلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ”، وتناسوا كلمة الصديق رضي الله عنه: ” فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم”.
هذا الجوّ السياسي الفاسد ألجأ العلماء لموالاة الملوك ولارتباط حياتهم ومعاشهم برضاهم. فغضّوا الطرف عن فسادهم وتجاوزاتهم وإفسادهم لدين الله وقتل روحه بجعله شعائر فارغة فركّزوا على فقه العبادات واختصروا الشريعة على الحدود. ولذلك اشتقّوا مقاصد الدين الخمسة التي تشمل: الحفاظ على الدين من حدّ الردّة، والنفس من حدّ القصاص، والعقل من حدّ شارب الخمر، والنسل من حدّ الزنا، والمال من حدّ السرقة.
ولم يملك ملك إلا ورأينا تقاعس العلماء، باسم الشريعة، عن نصرة الشريعة عندما تنتهك أمام أعينهم. فأهل الإنقاذ قتلوا ثمانية وعشرين روحاً مسلمة وهي صائمة. من من علماء السودان احتج؟ وقتلوا الآلاف في دارفور من المسلمين حفظة القرآن، فمن قال كلمة الحق؟ ورأينا نفاقهم وهم يتباكون على قتلي غزّة ويصلّون صلاة الغائب على أسامة بن لادن ولم يصلّوا على ثمانية وعشرين روحاً مسلمة لا يعرف أهلهم مثوي قبورهم.
هذه المقاصد الخمسة ليست هذه مقاصد الدين منذ بدء الخليقة، بل إتمام عافية الإنسان في الدنيا والآخرة هو المقصد الأوّل والأخير. والعافية تشمل العافية الجسدية ولذلك حُرِّم الدّم ولحم الخنزير وما شابه، وحُرّمت الخمر لنفس السبب وللحفاظ على العافية العاطفية والعقلية.
أمّا للعافية الاجتماعية فقد حرّم القتل والميسر والزنا والقذف، وللعافية الروحية، وهي أهمّ عافية، فقد حُرِّم الظلم إن كان ظلماً لله أو ظلماً للنفس أو ظلماً للغير.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم