توضيحات الوزير أكرم.. وحيرات تتحدى التفكير .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
2 يوليو, 2020
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
60 زيارة
ظهر السيد د. أكرم على التوم وزير الصحة في تسجيل مصور حاول من خلاله أن يبرر ملابسات تواجده ضمن جموع الثوار. في وقت ومكان خاطئين. وفي ظرف موغل في الخطأ.
لو أن الوزير بدأ التوضيح بأن منطق التباعد يقتضي في الأصل عدم الخروج لكان المنطق متسقا مع ما ظل يفعله الوزير طوال الأشهر الأخيرة المنصرمة، والتي لا يزال فعلها يتحكم في مصائر الخلق. والمعني هنا شهور أو دهور الحظر… وكلمة دهور هنا مقصودة لذاتها لأن ايام الحظر كانت بالنسبة للسواد الأعظم من السودانيين دهورا متطاولة… فقد كان أحرى بالوزير أن يؤكد على عدم موضوعية الخروج الجماعي من أساسه بغض النظر عن مبرراته ودوافعه الثورية.. وبغض النظر عمن دعى له …. فالخروج في ظرف مُددت فيه فترة الحظر قُبيل ساعات من خروج الوزير الدرامي تؤكد أن الوباء مازال حقيقة ماثلة. و أن مخاطره تتجسد في ضربه لأركان النظام الصحي الذي يشرف عليه هو شخصياً.
بالفعل فقد كانت ايام الحظر دهورا على أهل السودان لأنهم خلق جبلهم الله في جوهر ثقافتهم على الجماعية ، يأكلون سوياً ويشربون سوياً. وتزدحم صواني موائدهم الرمضانية ليجمعوا أكبر قدر من المارة وعابري السبيل كتأكيد لتلك الروح الجماعية. اتساقاً مع ثقافة موروثة من لدن من سبقوا لحصد الثواب وجني الحسنات. غير أنهم انصاعوا لإرادة التباعد لا على مضض، وإنما لأنهم وثقوا في وزير الثورة الذي حذرهم غير مرة وبلهجة متوسلة بأنه لا يملك لهم من الأمر سوى حُبيباتٍ بائساتٍ اقصى ما يمكن أن تفعله تخفيف مؤقت لحدة الأوجاع التي تسري في الأبدان. وأنابيب تتدلى من علٍ يتقطر منها سائل لا يسكن عنفوان الفيروس. و كليهما لا يحرران الإنسان من تلك القبضة الفاتكة. ثم إن أهل السودان قد أن انصاعوا لتلك الأوامر بناءً على توصيات الوزير عملاً ببروتوكولات مرعية، وقد خلفوا وراءهم مصالح كسب عيشهم فوضعتهم تلك التدابير على نطع السوق يعمل سيفه الباتر على رقابهم فتتدحرج رؤوسهم تحت تلك وطأة تلك الضربات الماضية في اليوم ألف مرة.
كما أنهم نبذوا عادة ” الاحضان و القَلِد” عند لقياهم خوفاً من أن تفترسهم تلك الكرونا( الصغيرونة) لأنهم رأوا في ملامح الوزير معالم الجدية وهو يظهر بين اليوم والآخر حاملا أنباء عمن قد فتك به الفيروس فصاروا ضمن أعداد الموتى، أو من خرّ صريعاً تحت قبضة الفيروس المستجد فصار مجرد حالة مرضية تحصى بالأرقام . كما قد حُرِم أهل السودان من نجواهم في عرصات المساجد فهجروها ولاذوا بتفسير لم يسمعوا به إلا بعد إطلالة الفيروس الذي فرض نفسه عليهم فصلوا في(رحالهم) . وهم على صلاة الفذ مجبرين. فلا عمروا مساجدهم كما العادة كل عام في رمضان. ولا خرجت نساؤهم في العشيات يحملن في ايديهن مصاليهن. ولا تبعهن الأطفال يمسكون بتلابيبهن ، فقد اطمأنن بأن الذين فرض عليهن ذلك البُعد عن بيوت الله كان أحرص على حياتهن من حرصحهن على مضاعفة الثواب. كما أن صليل أجراس الكنائس قد توقف عن تشنيف آذان المؤمنين من أتباع ملة نبي الله عيسى، فلا انعقدت بها الصلوات، ولا ترددت في جنباتها اصداء الترانيم. ولقد تهون عند البعض تباعد المسافة بين العباد وصروح عبادتهم و مطارح صلواتهم. غير أنه لا تهون عند من فُقدت روحه – في سيارة – وهو في عرض مشفى يسعفه من نوبة قلبية ، أو فرط سعال مما يعتمل في شُعب الرئتين من عوالق.
وامتدت مع الوزير الثقة الي أعتاب العيد فقابلوه بأعراض ما كانوا ليقبلوا به… إلا من باب أن مضارفة المؤمن على نفسه تضاف الي ميزان حسناته تأسياً بقول مأثور عن النبي المعصوم ، فالتزموا قيم التباعد رغم أن العيد عندهم يُعد مناسبة تتواشج فيها الأواصر، وترتفع معها موجبات التواصل الاجتماعي لتختلط فيها الأنفاس عند العناق المشوق بلقاء الأحباب.
كان الأجدى بالوزير أن يُضمّن في توضيحه – عملا بمقتضيات الشجاعة المهنية – أن عدم الخروج في هذا الظرف هو إعطاء معنى لغاية استشهاد من قضوا نحبهم لننعم نحن الأحياء من بعدهم بحياة ملؤها الأمان من المرض والعرض وكل المنغصات. وكان أجدر به أن يعبر عن بالغ أسفه للعالقين ممن تقطعت بهم السبل بعد أن أوصى بفرض الحظر أن من حق اؤلئك (المعلقين من عصباتهم ) في المنافي أن يعودوا ويندغموا في حياة عادية ليخوضوا غمار المواكب كما خاضها الثوار. ويحق لهم أن يسألوه لا عن سياساته في مجابهة أزمة الدواء ، ولكن عن سياساته التي حالت بينهم وبين أحبابهم حيث أُوصِدت في وجوههم كل منافذ الدخول، فقضى منهم من قضى وعاد من عاد ذليلا منكسراً والوزير لا يملك لهم حتى الاعتذار.
لقد شاهد أهل السودان الوزير يتوسط ذلكم الكم الصاخب من الذين التفوا حوله لا يهمهم أن كانوا معجبين بطلته أم ناغمين عليه .. لأن الحيرة قد استبدت بهم والوزير قد خرق ليس فقط بروتوكولات التباعد الجسماني ، وإنما البروتوكولات المرعية التي تُوجِب له التأمين اللازم كونه شخصية تحمل كل ما تتصف به الشخصيات المهمة VIPs في ظرف شهد الجميع ميوعته وسيولته الأمنية، بفعل تواطؤ المتواطئين وتربص المتربصين.
د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية