ذكريات في مهنة البنيان

khalidoof2016@yahoo.com

حكايات وذكريات طِّلبة
بقلم: د.خالد البلولة
ذكر البروفيسور عز الدين محمد عثمان مدير جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في منتصف التسعينات في مقابلة صحفية لصالح صحيفة السودان الحديث:-كنت في صباي ابيع الرغيف والجرائد لمساعدة اسرته في منطقة الري في ابو عشر
يقول بروفيسور احمد الأمين الشيخ أول الشهادة السودانية عام ١٩٦٤ أن إعلان نتيجة امتحان الشهادة السودانية تزامن مع زواج الفنان أحمد الطيب بطابت الشيخ عبد المحمود وقد أكرموني يومها بأن أجلسوني بجواره في الحفل وكنت مرهقًا للغاية بسبب عملي طُلَبة في تشييد المنازل،فقد أمضيت النهار كله في حمل الطوب وإعداد المونة،شعرت بالنعاس يغلبني فانسحبت بهدوء إلى جدار قريب من مكان العُرس واستسلمت لنومٍ عميق،لمحني والدي وأنا على تلك الحال فأيقظني بلطف وقال:قوم امشِ البيت وكمل نومك ،انت بكرة شغال طُلَبة)
عملت في بداية الثمانينات بعد اجازة المدرسة الابتدائية طُلَبة مع عدد من البنائين،اختلفت أعمارهم وخبراتهم،وامزجتهم فمنهم الودود الظريف خفيف الظل،ومنهم الصارم الحاد. وكانت اجرة اليوم 125 قرشًا،وأظنها وصلت إلى ستة جنيهات في منتصف الثمانيات أو ربما أكثر.
(١)
بدأت حياتي عاملا يحمل الطوب ويبدا بها كل مستجد في تلك المهنة وخلالها عرفت أنواع الطوب واعتبر الطوب الأصفر، اكثر انواع الطوب رداءة إذ يتلف بسرعة،خاصةً إذا سقطت منك مكنة الطوب(تتهرس)بسرعة والمكنة طوب مرصوص فوق بعض .والنوع الاخر هو الطوب الأحمر فتجده أسهل في الحمل واذا سقط لا ينكسر بسهولة وهناك الطوب الاحمر المحروق ويستخدم غالبا في(ساس)البيوت وهناك بعض البنائين يكثرون من استخدام الأنصاص وبعضهم يعتمد على(الكنيزر)وهو جزء أقل من نصف الطوبة وأشهرهم من يستخدمه هو السيد ود دفع الله.أما أفضل أنواع الطوب في حلتنا ياتي من كمائن محمد عبد القادر والإمام علي.
بعدها عملت عامل مونةًهي درجة فيما ارفع من عامل الطوب ثم ترقيت عامل مُطلم”أي إعداد المونة، وهي تتكون من الطين الاخضر واشتغلتها مع عبد الهادي وعبد الغني.ويعد ملطم الخرسانة(يتكون من الرمل والاسمنت والماء)من اصعب الملاطم بالنسبة للعامل اذ يعتمد على السرعة والخفة في تحريك خلطة الاسمنت والرمل حتى لا تتماسك الخرسانة و(تشك) بمعني تتصلب ويصعب تحريكها..
(٢)
اشتغلت طلبة أثناء إجازة المدرسة الابتدائية، في قريتنا وبعض القرى المجاورة وكان العُرف السائد حينها في حلتنا أن يُعد صاحب البنيان وجبة الفطور والشاي للعمال،وغالبًا ما تكون كسرة حمراء(فترينة)مع ملاح ويكة أو تقلية معها صحن شعيرية أو سكسكانية
أول مرة اشتغل طلبة اشتغلتها مع الزبير،والد في بيت النور ود اب دقن ومنزل الحاج مصطفى واد ابراهيم الحاج وبدر الدين الحاج ثم مع عمر ود أب شرا وكانت اليومية ١٢٥ قرش. ثم انتقلت لأول مرة للعمل خارج القرية إلى ود مدني، في مشروع بناء بنك الادخار. كان المعلمين هما أحمد البلولة وعبد المنعم عز الدين.اتصف أحمد (بالمهلة) ويحب أن يعمل (شغلته)بمزاج،ويديك احساس إنه بطيء لكنه يهتم بجودة العمل وفنياته،لذلك كان يجد تقديرًا خاصًا من عز الدين الضو ويس المبشّر.وأظن أن معظم التقفيلات الداخلية في البنك كانت من إنجازه .وكانت اجرة اليوم جنيهان وكانت مجزية وقتها فانت تصرف شهريا ستون جنيها بعد ان تخصم حق الفطور.
يشرف على مبنى الادخار شركة الشرق الاوسط للبناء والتشييد ويديرها العم عبد الرزاق ويعمل معه يس المبشر وكان يقف بنفسه على التشطيبات النهائية قبل التسليم واشتغلت طلبة في بناء مدرسة البحوث الزراعية الثانوية للبنات على ما أذكر وعملت أيضًا في منزل جوار السوق الشعبي الجديد في مدني،.
(٣)
في مرحلة من حياتي اشتغلت مع الرشيد محمد يوسف مد الله في أيامه والمرحوم كامل علي،رحمه الله عليه وزاملني الأخ كمال حاج إبراهيم،أتذكر جيدا أن ألاخ كمال ملأ القدح مونة لدرجة يصعب رفعه وانت تقف في السقالة فجمعت كل قوتي ورفعته بعد جهد جهيد ثم فعلت معه نفس الشيء كنوع من المزاح،فجاء واقع من فوق(داقي الدلجة)وندمت على تصرفي ذلك.ومن أظرف وأطيب من عملت معهم،عبد العزيز حمزة حولي رد الله إليه بصره –،ومعه وقيع الله. عملنا سويًا في النوبة والمسعودية، وكان عبد العزيز يفيض عليك بإحساس الأخ الأكبر، لا تمل العمل معه، فهو خفيف الظل حاضر البديهة وسريع النكتة.
(٤)
ومن الشخصيات التي لا تنسى ذكريات العمل معها العم عبد الغني عبد الله، تقبله الله، اشتغلت معه في النوبة والمسعودية وكنت أتحرك للمسعودية بعجلة يمتلكها الحاج اخوي منذ 6 صباحًا،واصل الساعة 7 صباحا (حسب تيار الريح) ونبدأ العمل في 8 صباحا ويعمل معه ابنه عادل فيما اذكر عرفت عم عبد الغني إنسانًا راقيًا مهذبًا،قليل الكلام،خفيض الصوت،لايبدا في تناول الطعام حتى يتأكد من حضور كل من يعمل معه.وعملت مع عبد الهادي عبد الله،فهو رجل منظم، مرتب،صارم لا يتحدث كثيرا ويده خفيفة في العمل.ومشهود له بالتجويد.
بدأت معه كعامل “قدح” للمونة،ثم صرت عاملا للملطم وكنت أحضر باكرًا لأعد أكثر من مطلم مسبقًا،حتى أجد فرصة لالتقاط أنفاسي وقبل أن ترفع القدح من الأرض، يناديك:جيب مونة!” في سرعة متناهية وتجده يمسك أربع طوبات بيد واحدة،لم أستمر معه كثيرًا،أيامًا قليلة فقط،ثم تركت العمل.
ويحكى أن شابا عمل معه طلبة وارهقته سرعته في الانجاز ويطلب منك المونة قبل ان يرتد اليك طرفك،فغادره قبل أن ينتصف ولم يعد اليه وقال له:(حقي خليته لله).
(٥)
لم أجرب مهنة البناء نفسها،فالبنيان يحتاج إلى تركيز وثبات، وأنا بطبعي قلق وملول،لا أحب العمل الذي فيه تقيد وانحصار كما أنني أكره الأماكن العالية،العمل كطلبة فقد كانت يمنحني شيئًا من الحرية والحركة..والاسترخاء..
تعلمت من العمل طلبة أن الرزق لا يُنال إلا بالكد والاجتهاد، واحترام كل عمل شريف،وتعلمت الصبر،التحمل الدقة، وعدم الخوف من الرزق وكنت اشعر انني اسعد انسان عندم انقد أمي بعض المال من عرق جبيني واشتري احتياجات المدرسة من حر مالي وإقر انني كنت مسرفا في شراء الكتب والمجلات والصحف.

 

عن خالد البلولة

شاهد أيضاً

أغنية سميرة وين الله

أغنية سميرة وين اللهإختلاف الروايات الشفاهية وتعدد الاصوات الغنائيةخالد البلولةتروي الروايات الشفاهية في إقليم النيل …

اترك تعليقاً