سعر الصرف .. معركة اقتصادية لا أمنية

سعر صرف العملات مرتبط بالحالة الاقتصادية لكل دولة، ففي الاقتصادات القوية تؤثر على سعر الصرف، عوامل مثل ﻣﻌﺪل التغير النسبي في عرض النقود، ومعدل النغير في سعر الفائدة، واتجاه الطلب على النقود، هذه العوامل ترتبط أكثر بالساسيات الاقتصادية وتوقعات السوق العالمية، ويكون تغير سعر الصرف في نطاق صغير. أما الاقتصادات الضعيفة، فيتأثر سعر الصرف بشكل كبير بعجز الميزان التجاري أو الحساب الجاري، وبسبب زيادة الطلب على العملات الأجنبية للاستيراد، وكذلك بمستوى الاحتياطيات من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، وارتفاع الدين خاصة قصير الأجل. كما أن التضخم المرتفع يقلل من القوة الشرائية للعملة ا، عوامل مثل ﻣﻌﺪل التغير النسبي في عرض النقود، ومعدل النغير في سعر الفائدة، واتجاه الطلب علىلمحلية، مما يؤدي إلى انخفاض قيمتها بصورة كبيرة مقابل العملات الأجنبية بضاف إلى ذلك الوضع السياسي وعدم استقراره، وكذلك ضعف الإنتاجية والنمو اللذين يؤثران سلبًا على العملة. لم نتناول الحرب مباشرة لأنها عامل معروف يؤثر على المعروض من العملة المحلية، وهو بالنظر إلى تاريخ تدهور الجنيه المستمر أمر بدهي. لانخفاض قيمة العملة آثار اقتصادية عديدة، منها:

  • ارتفاع سعر السلع المستوردة: حيث يرفع انخفاض قيمة العملة تكلفة الواردات من غذاء ودواء وغيرها من السلع المهمة للمواطنين، مما يغذي التضخم الداخلي ويخفض المستوى المعيشي لهم، وتؤدي موجات التضخم الداخلي إلى انخفاض القوة الشرائية للمواطنين.
  • ارتفاع تكلفة خدمة الدين: يصبح سداد الديون المقومة بالعملات الأجنبية أكثر تكلفة، مما يزيد الأعباء على المالية العامة للدولة.
  • تراجع الاستثمارات الأجنبية والمحلية: فالتقلب الشديد في سعر الصرف يصرف المستثمرين المحليين والأجانب عن الاستثمار طويل الأجل.
    كلما انخفض سعر صرف الجنيه السوداني بصورة كبيرة، استخدمت الحكومة أجهزتها الأمنية للتأثير على سعر الصرف. وهذا يؤكد العجز وعدم القدرة على حل معضلة سعر الصرف اقتصاديًا أو عن طريق إجراءات السياسة النقدية. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت الحملات الأمنية ضد تجار العملة والسوق السوداء، ولكن هل نجحت في إنزال الدولار من عليائه؟ قطعًا لا؛ لأن العلاج ليس باستخدام الأجهزة الأمنية لرفع قيمة الجنيه السوداني الذي يشهد منذ الاستقلال تراجعًا مستمرًا في قيمته، رغم استقرار سعر صرفه أمام العملات الأجنبية في بعض الفترات. على سبيل المثال: كان سعر صرف الجنيه أمام الدولار في عام 1957م يعادل 3.26 دولار.
    الحلول الأمنية لم تعالج ولن تعالج أزمة العملة؛ نحن في حاجة إلى سياسات اقتصادية متكاملة ومالية ونقدية، واحتياطيات قوية، ومؤسسات مستقلة، وثقة داخلية وخارجية للحفاظ على استقرار سعر الصرف.
    أما على المدى القصير، فنحتاج إلى:
  • تدخل الحكومة في سعر الصرف.
  • اتباع سياسة نقدية تبقي التضخم في مستوى معقول.
  • تنمية الصادرات وخفض الواردات، وبالتالي الحد من تراكم الدين الخارجي.
  • إصدار سندات دين بالجنيه.
  • سعي البنك المركزي لتقليل المعروض من النقود وجعل الاقتراض أكثر كلفة.
  • الوصول إلى تفاهمات مع الدائنين من أجل إعفاء ديون السودان.
  • التحكم في إنتاج الذهب ووضع استراتيجية للتعامل مع التعدين الأهلي (مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة غانا).
  • وضع استراتيجية لمنع تهريب الذهب.
  • وضع خطة عاجلة جدًا لجذب الاستثمارات الأجنبية. (مع الأخذ في الاعتبار أن الدول المتقدمة تتبع سياسة التشديد النقدي، كما أن هناك تراجعًا في النشاط الاقتصادي العالمي وانخفاضًا في عوائد الاستثمار على مستوى الاقتصادات بسبب تراجع الصادرات وتدفقات الاستثمار الأجنبي وأسعار الصرف الحقيقية، بالإضافة إلى أثر حرب الرسوم الجمركية التي فجرها الرئيس ترامب).
    التحكم والتأثير على سعر صرف العملات الأجنبية يتطلب استراتيجية طويلة المدى وليس على ردود الأفعال. سعر الصرف لن يستقر إلا عندما يثق المواطن والمستثمر في أن الجنيه السوداني يستند إلى اقتصاد حقيقي، لا إلى وهم أمني أو تضخم في التصريحات. الاقتصاد لا يُدار بالشعارات ولا بالقبضة الأمنية، بل بالعقلانية والشفافية والقدرة على الإصلاح.

omarmahjoub@gmail.com

عن عمر محجوب محمد

شاهد أيضاً

كلام ما ساكت… من المشنقة الي السقوط …. (رواية قيد الإصدار لهاشم كرار) .. بقلم: عمر محجوب محمد

ادهشنا هاشم مرة أخرى، ولطالما ادهشنا بكتابته التي لا يُمكن أن يكتبها الا،هو، هاشم… ذلك …