قـتـل المرشــد أم اســقاط النظــام؟

جمال محمد ابراهيم

(1)
حين يعجز الأقوياء عن زحزحة الطغاة من مواقعهم ، ثمّة سيناريوهات للبحث عن ذرائع لا تحرج أولئك الأقوياء أمام عيون المجتمع الدولي ، فلا تتناقض أفعالهم مع تلك المباديء التي صاغها حكماء بعد الحرب العالمية الثانية ، وكتبوها بأقلامهم : مواثيق واتفاقيات اعتمدها زعماء العالم. تحظى تلكم المباديء والواثيق، باحترام ملزم. إلا أن كبارا في المجتمع الدولي يجنحون في بعض أحايين لتجاهل تلك المباديء، فيتجاوزونها بخطط لإزاحة الطغاة المزعجين – خاصة من بين صغار المجتمع الدولي- من مواقعهم ، بدم بارد، كمثل ما فعل لرئيس ترامب برئيس فينزويلا قبل أسابيع ، فيبدو التناقض واضحاً بين الأفعال والمباديء. وما يفعله أولئك الكبار يتم بتحايلٍ مطلوبٍ لصناعة ذرائع تجميلية، كمثل ورق الهدايا تُغلف به الأفعال الشريرة المُضمرة.

(2)
لعلَّ أبلغ مثل، هو في حالة تخلّص المجتمع الدولي من الرئيس العراقي صدام حسين حين أتهموه بالسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل. إلى ذلك وفي في عام 2003، أبدعتْ عقول الكبار لتصنع الذريعـة المطلوبة، ولم تخذلهم الأجهزة والمؤسسات في صياغة تمتين الحبكة. ثمّـة يورانيوم استجلبه صدام من دولة أفريقية بعيدة، لأغراض التخصيب وصناعة أسلحة الدمار الشامل. ومَن يعرف الكذبة، سيصدقها لكثرة ما تمّ ترديدها من حوله، فلا يصعب إقناع جميع الكبار، فيحاصر الطاغية في عاصمته ، ويُلاحق حتى ينالون منه كالجرذِ مختبيءٍ في جُحر عميق. ثم من بعد إنهارت الدولة وسقط النظام تحت الضربات.
أليس ما رأينا من محاصرة لإيران لأيام عديدة، هي ذريعة شبيهة، فتمَّ يوم السبت آخر يوم في فبراير، وعاشر أيام شهر الصوم، اصطياد قيادة الدولة بكاملها، تمهيداً لإسقاط نظام حكم “الآيات” المزعج..؟

(3)
إنّ صناعة الذريعة المطلوبة لاصطياد قيادات إيران الإسلامية، لم يكن عســيراً البتة، إلّا أن هدف تغيير النظام ظلّ مطلوباً أن يبقى في الخفاء، أو ربما لم يتفق حوله الشريكان في المؤامرة. كما أنَّ للأشرار الكبار، ذاكرة لها القدرة لاستحضار بعض وقائع التاريخ القريب والبعيد، ليوفر مرجعيات يستفاد منها عند الحاجة.
تاريخ الذرائع يُحـدّث عن ذريعة جرى حبكها لاصطياد الرئيس العراقي صدام حسين في عام 2003، وذلك باعتماد شائعة مساعيه لامتلاك أسلحة دمارٍ شامل، ذريعة لتغيير نظام الحكم في العــراق واقتلاعه من جذوره. نجحت أكذوبة الدمار الشامل لاصطياد الطاغية صدام ، وسلم عالم الكبار الأقــوياء من شروره. حكاية لن يستعصي تمريرها على المجتمع الدولي. حتى وإنْ بان في عيون ذلك المجتمع بعدها بعدها أنها حبكة كذوبة بعدها ، فليس من يزعج طالما الغرض المستهدف وهو إسقاط النظام، قد تحقق. ومن يسأل ، إن كان ان كان الكبار الذين تخلصوا ممَّن صنَّفوه طاغية شــرير،هــم الأشـدَّ شيطنة وتأبطاً للشـرِّ بطبيعتهم . لكنها ذريعـة ”بروتوس“ الذي طعن قيصره.

(4)
على خُطى الكِـذاب القديم ، تداولتْ الولايات المتحدة قصة امتلاك إيران خططاً لأسلحة نووية، وتنمَّر معها- غير إسرائيل- كبار من الأقوياء . والأعجب أن يتولى ذلك التنمُّر، رئيس شعبوي للولايات المتحدة، ابتدع أسلوباً لم يسبقه عليه أيُّ رئيس أمريكي قبله . قبل أسابيع اعتدى الرئيس الأمريكي على دولة فينزويلا، واختطفـت قواته رئيسها من غرفة نومه واودعته السجون الأمريكة، تمهيداً لمحاكمته بذريعة تورّط في تجارة المخدرات. في الحقيقة كانت عيون الرئيس الشعبوي مصوبة نحو ثروة فينزويلا النفطية. هكذا يبقى الهدف الرئيس مخفيا ، ثم سرعان ما تنكشف الحبكة والذريعـة والكِذاب.
غير أن في حالة استهداف نظامٍ مُعقدٍ مثل النظام الإيراني، بنيت مؤسساته ونظام حكمه، على عقيدة دينية عميقة الرسوخ ، لن يكون يسيراً التعامل معه بمثلما فعل الرئيس الأمريكي برئيس فينزويلا. ميّزت الجمهورية الإسلامية في إيران توجُّهاتها ومبادئها بمحاربة استكبار الكبار على المستضعفين، وأن شعارها الراسخ منذ انتصارها على النظام الشاهنشاهي قبل خمسة عقود زمانية، هو بلسانهم الفارسي: “مرك بر أمريكا”: أي الموت لأمريكا.
كان الشعبوي ذكيا، بإلقائه الحبل على غارب التفاوض. لقد أخفى بذلك، هدفا شاركته معه دويلة إسرائيل، أكثر الدول عـداءا لإيران. كان ذلك الهدف هو إسقاط النظام في طهران. ظلَّ رُسـله الذين يفاوضون ممثلي إيران جيئة وذهابا، ليناً واستعصاءاً، حتى إذا ما تقاربت مواقف الطرفين حول ملف التخصيب، إلا وحانت عند الرئيس الشعبوي ساعة الانقضاض، التي ربما لم يسر بها إلا إلى الرئيس الإسرائيلي ، شريكه في صياغة الذريعة .

(5)
كاد التفاهم بين المفاوض الأمريكي والمفاوض الإيراني، يصل إلى شيءٍ إيجابي تسرَّب للإعلام بحذر محسوب في جنيف، حول المعضلات ملف النووي. ولعلهُ صار قاب قوسين أو أدنى، بجهدٍ بذلته الوساطة العمانية، لكنها بحسابات الرئـيس ترامب، كانت تلك لحظة الانقضاض. يتابع المرشد الإيراني، جهد وزيره عراقجي عن قرب التوافق. وربما كانت لحظة التفاؤل في طهران، هي لحظة الانقضاض التي أعدّ لها الإسرائيلي القبيح والأمريكي الكذوب. لم تكن من حاجة لملاذات آمنة للقيادات الإيرانية وهي ترى ثمّة ضوء في آخر نفق التفاوض.
فيما الولايات المتحدة ومؤسساتها السياسية والتشريعية تغطَّ في نومها قبيل فجـر السبت الأخير في فبراير، والشروق مكتمل في الشرق الأوسط ، وساعة الصباح حلتْ، وبعدها ساعات العمل واجتماعات التشاور. لحظتها حلت الضربات الغادرة في مقر المرشد في طهران ، فدكت طائرات الشعبوي ذلك المقر دكتً دكا، عليه وعلى مساعديه وقيادات قواته، وهم صائمون.

(6)
لقد اختار الرئيس الشعبوي ساعة الانقضاض بتعمد دقيق . لن يعرف الكونجرس بالضربة المباغتة على إيران إلا بعد مرور ساعات في واشنطن. لربَّما التظاهرة الخطابية التي ألقاها في مناسبة التقليد السنوي عن حالة الاتحاد، بدتْ وكأنها جرعة تخدير تساعد في إخفاء سـاعة شن الحرب على إيران . لم يخفها عن شريكه في الحبكة المصنوعة بالخداع، لكنه أخفاها عن نواب الشعب الأمريكي وهم في عطلة نهاية الأسبوع.
بعد عملية خطف رئيس فينزويلا، هاهي عملية استهداف إيران ومرشدها الأعلى ، دون أن يعلم بها الكونجرس . ذلك تجاهل تكرر في عمليتين كبيرتين ، كان على الأقل أن تحاط الأجهزة التشريعية عللى الأقل، إن كان من الضرورة أخذ موافقتها . لو كانت عملية العدوان على فينزويلا أحدثت شروخا في علاقة رئيس الولايات المتحدة بالمؤسسات التشريعية في الولايات المتحدة، فإنّ الحرب التي أعلنها على الجمهورية الإسلامية في إيران، ستخصم من شعبيته والانتخابات النصفية على الأبواب. لقد فعلت فضيحة “إبســتين” فعلها على شعبية “الشعبوي، فعل النيران في غابات كاليفورنيا ، ولعلّ الحرب على إيران ستخصم المزيد.

(7)
هاهي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تتصاعد وتيرتها ، وتتسع دوائرها وتداعياتها المدمّرة في إقليم الشرق الأوسط، خاصَّة وقد انتبه المجتمع الدولي كيف إستخفتْ الدولتان- إسرائيل والولايات المتحدة- بميثاق الأمم المتحدة ، بل ويطول لســان ممثليهم في تبرير تجاوزهما لمباديء المجتمع الدولي وقيمه. رئيس دولة كبرى مثل الولايات المتحدة ، يزعم امتلاكه قـدرات لحل النزاعات وبسط السلام في أصقاع عالم مضطرب،لا ترمش له عين وهو يبادر بالعدوان وإشعال الحروب ، ثم يعلن متبجّحاً بأنه المستحق لجـائزة نوبل للســلام.
يبدو أن تورّطه في ملفات “إبستين ” اللعـيـن، قد تركته يتخبّط في تفاصيلها ، متصوَّراً أنَّ مغامراته في إثارة حروب سياسية واقتصادية، ستساعده – حسب فهمه وزعمه- في استعادة العظمة لبلاده. تلك العظمة قد أضاعها رؤســاء ديمقراطيون سابقون مثل كلينتون وأوبامـا وبايدن. لكأنَّ المجتمع الدولي ، بل والعالم أجـمع، لا يرى الفرق بين النُّبل والغبــاء.

القاهرة- 1/3/2026

jamalim@yahoo.com

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …