علاء خيراوي
في لحظات الانهيار الكبرى لا تُقاس قوة الأمم بعدد البنادق وحدها، بل بقدرتها على قول الحقيقة كما هي، لا كما ترغب السلطة أن تُروى. فالتاريخ علمنا أن الدول قد تنجو من الهزائم العسكرية، لكنها لا تنجو من التزييف والتضليل والتغبيش السياسي حين يتحول إلى خطاب رسمي يزين الواقع ويهرب من مواجهة أسبابه. والسودان اليوم يقف في واحدة من أكثر لحظاته مأساوية وتعقيداً؛ حرب تلتهم ما تبقى من الدولة، مؤسسات منهكة، ومجتمع ممزق بين مشاريع متصارعة، كل منها يدّعي احتكار الوطنية. وفي مثل هذه اللحظات يصبح الكلام مسؤولية أخلاقية ثقيلة، لأن الكلمة قد تتحول إلى أداة لتنوير الناس… أو إلى غطاء يموّه الحقيقة.
لهذا وغيره أكتب هذا الرد على مقال الصديق القديم وزميل الجامعة أحمد القرشي إدريس. لا أكتبه بدافع خصومة شخصية، فالعلاقة التي تجمعنا أقدم وأعمق من سجال عابر. فنحن أبناء جيل واحد، التقينا في جامعة الخرطوم في منتصف ثمانينات القرن الماضي، يوم كانت الحركة الإسلامية خصماً سياسياً واضحاً لنا، ويوم كنا نقف في وجه مشروعها لأننا كنا نرى بوضوح لا لبس فيه أنه مشروعهم لبناء دولة الحزب الواحد المتدثر بالدين. لم يكن ذلك موقفاً عاطفياً، بل قراءة سياسية لما كان يتشكل أمام أعيننا من مشروع سلطة مغلقة.
ولهذا فإن تلك الذاكرة المشتركة لا تجعل الصمت ممكناً، بل تجعل النقاش أكثر إلحاحاً وضرورة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لجيلٍ شهد من هذه الأزمة الكثير، هو أن يتحول بعض أبنائه اليوم إلى شهود صامتين على إعادة إنتاجها… أو إلى رواةٍ يخففون من وطأتها على الوعي العام.
غير أن ما يفرضه الضمير أيضاً هو قول ما يجب أن يقال بلا تردد. فالمسألة هنا ليست مجرد اختلاف في قراءة حدث سياسي، بل موقع أخلاقي وفكري في لحظة تاريخية حاسمة. لأن الوقوف بوعي أو بغير وعي في صف خطاب السلطة العسكرية، وتبرئة الحاضنة السياسية التي أعادت إنتاج نفسها حولها، يعني عملياً الاصطفاف ضد ذلك النضال الطويل الذي خاضته القوى المدنية السودانية منذ عقود، وضد التضحيات الهائلة التي قدمها السودانيون من أجل شعارات الحرية والسلام والعدالة.
إن القوى المدنية التي يُراد اليوم تهميش صوتها أو التشكيك في دوافعها هي ذاتها التي وقفت في وجه الدكتاتورية حين كان كثيرون صامتين، وهي التي دفعت الثمن من دماء أبنائها في الشوارع والسجون والمنافي. ولذلك فإن تصوير نقدها للعسكر ولعودة الإسلاميين وكأنه مجرد دعاية تخدم خصوم الجيش ليس فقط تبسيطاً سياسياً، بل ظلم تاريخي لحركة وطنية ظلت لعقود تقاوم الاستبداد باسم السودان كله، لا باسم حزب أو جماعة. والأكثر إيلاماً أن يأتي هذا الخطاب من مثقف وإعلامي يعرف جيداً تاريخ تلك المعركة، ويعرف أن جوهر الأزمة السودانية لم يكن يوماً في غياب السلاح، بل في احتكار السلطة وتسييس الجيش وتحويل الدولة إلى غنيمة أيديولوجية. فحين يقف صاحب هذا الوعي اليوم مدافعاً عن سردية تنفي وجود المشكلة من أصلها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن صحة الوقائع فحسب، بل عن معنى هذا التحول في الموقع والموقف. لأن المثقف في نهاية الأمر لا يُقاس بما يقوله في أوقات السلم، بل بالمكان الذي يختاره حين تتصارع الحقيقة مع السلطة. وفي السودان اليوم، حيث يدفع المدنيون مرة أخرى ثمن صراع العسكر، لا يمكن لمن يعرف تاريخ هذا البلد أن يقف في صف الرواية التي تبرئ القوة من السياسة، أو التي تختزل نضال شعب كامل في مجرد “دعاية” ضد الجيش. فالتاريخ السوداني الحديث كتبته دماء الذين طالبوا بالحرية، لا بيانات الذين برروا استمرار السلطة.
إن تحويل النقاش حول نفوذ الإسلاميين إلى مجرد “دعاية مضللة” يختزل تعقيد المشهد السوداني اختزالاً شديد الخطورة.
أولاً، لأن تاريخ العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية في السودان ليس تاريخاً عابراً أو سطحياً يمكن محوه بخطاب سياسي. فالحركة الإسلامية هي التي خططت لانقلاب ١٩٨٩، وهي التي أعادت تشكيل بنية الدولة السودانية لعقود، وهي التي أعادت هندسة المؤسسة العسكرية والأمنية وفق مشروعها الأيديولوجي. هذه ليست رواية خصومها، بل حقيقة موثقة في كتب قادتها أنفسهم، وفي شهادات ضباط كانوا جزءاً من ذلك المشروع. وعندما سقط نظام البشير في ٢٠١٩ لم تختفِ هذه الشبكات بين ليلة وضحاها. فالدولة العميقة لا تنهار بقرار سياسي، بل تبقى داخل المؤسسات سنوات طويلة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس؛ هل يقول البرهان إن الإسلاميين لا يسيطرون على الجيش؟ بل السؤال هو؛ ما الذي يحدث فعلاً داخل بنية السلطة في زمن الحرب؟ ثانياً، لأن الوقائع الميدانية نفسها تشير إلى حضور واضح لتشكيلات ذات خلفية إسلامية داخل المعسكر العسكري. وجود تشكيلات مثل لواء البراء بن مالك، أو كتائب ذات خطاب تعبوي ديني واضح، أو مجموعات خرجت من رحم أجهزة النظام السابق، ليس مجرد تفصيل عابر في سياق “المقاومة الشعبية”، بل هو مؤشر سياسي وعسكري مهم. لا أحد ينكر أن هذه المجموعات تقاتل تحت قيادة الجيش في الميدان، لكن السؤال ليس عن القيادة العسكرية المباشرة، بل عن المعنى السياسي لعودة هذه الشبكات إلى الفضاء العام بعد أن كانت قد فقدت شرعيتها الشعبية عقب ثورة ديسمبر. إن الحرب بطبيعتها تخلق فراغاً سياسياً، وهذا الفراغ غالباً ما تملؤه القوى الأكثر تنظيماً. والحركة الإسلامية، رغم ضعفها الشعبي ما تزال واحدة من أكبر القوى اثراً في السودان اليوم. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالحركة الإسلامية اليوم ليست قوية لأنها استعادت مشروعها أو لأنها تملك قاعدة اجتماعية واسعة كما كان الحال في التسعينات، بل لأنها وجدت في الحرب فرصة تاريخية للعودة إلى المسرح السياسي. بعبارة أخرى؛ قوتها الحالية هي قوة ظرفية، لا قوة ذاتية. ثالثاً، إن الاعتماد على خطابات البرهان كدليل قاطع على غياب نفوذ الإسلاميين داخل معسكر السلطة هو استدلال سياسي ضعيف. التاريخ السياسي مليء بقادة أنكروا نفوذ حلفائهم الأيديولوجيين حتى اللحظة التي أصبح فيها ذلك النفوذ حقيقة لا يمكن إنكارها. فالرئيس أنور السادات مثلاً استخدم الإسلاميين لمواجهة اليسار في السبعينات، وكان ينفي باستمرار أنهم قوة سياسية مؤثرة، حتى انتهى الأمر باغتياله على يد أحد أبناء ذلك التيار. والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد كان يعتقد أنه يستطيع احتواء الإسلاميين سياسياً في نهاية الثمانينات، قبل أن تتحول البلاد إلى حرب أهلية مدمرة. والأمثلة في التاريخ أكثر من أن تحصى.
القضية إذن ليست في النوايا المعلنة، بل في توازنات القوة الفعلية داخل الدولة.
رابعاً، إن أخطر ما كتبه الاخ أحمد القرشي الذي يدافع عن براءة السلطة من نفوذ الإسلاميين، هو أنه يقدم معادلة زائفة للسودانيين؛ إما أن تقف مع الجيش دون أي نقد، أو أن تكون موضوعياً في خانة الدعم السريع. وهذه الثنائية ليست فقط غير دقيقة، بل مدمرة للنقاش الوطني.
فالسودان مليء بقوى مدنية وسياسية ترفض مشروع الدعم السريع بشكل واضح، لكنها في الوقت نفسه ترفض عودة الإسلاميين إلى السلطة عبر بوابة الحرب. هذه القوى لا تعادي الجيش، لكنها تعادي تسييس الجيش. ولا تحارب الدولة، بل تحارب اختطاف الدولة. خامساً، إن تصوير الحركة الإسلامية كتنظيم ضعيف مشتت لا تأثير له يتناقض مع حقيقة واحدة بسيطة؛ لو كانت الحركة فعلاً ضعيفة إلى هذا الحد، فلماذا يظهر خطابها وشبكاتها وتنظيماتها في قلب المشهد السياسي والعسكري والإعلامي منذ اندلاع الحرب؟ الحقيقة أن الحركة الإسلامية تعيش حالة تناقض مركبة؛ ضعف اجتماعي حقيقي، لكن قدرة تنظيمية عالية. وهذا النوع من الحركات قد يبدو ضعيفاً في زمن السلم، لكنه يتحول إلى لاعب مؤثر في زمن الفوضى. التاريخ السياسي مليء بمثل هذه الظواهر.
وأخيراً، فإن النقطة الأهم التي يغفلها خطاب خطاب أحمد القرشي في دفاعه المستميت عن السلطة اليوم هي أن مستقبل السودان لن يُبنى على إنكار الوقائع، بل على مواجهتها بشجاعة.
الحركة الإسلامية ليست بالقوة التي يصورها خصومها أحياناً، لكنها أيضاً ليست بالضعف الذي يحاول بعض المدافعين عن السلطة تصويره. فهي تيار سياسي فقد شرعيته الشعبية بعد تجربة حكم كارثية، لكنه ما يزال يمتلك شبكات تنظيمية وخبرات طويلة في العمل داخل مؤسسات الدولة. وإذا لم يعترف السودانيون بهذه الحقيقة، فإنهم يخاطرون بتكرار أخطاء التاريخ مرة أخرى.
أما الرهان الحقيقي في معركة السودان اليوم، فهو ليس في إنكار وجود الإسلاميين أو تضخيم قوتهم، بل في بناء مشروع وطني مدني قادر على إنهاء الحرب واستعادة الدولة. عندها فقط ستذبل كل المشاريع الأيديولوجية التي عاشت على ضعف الدولة، سواء كانت ميليشيات مسلحة أو حركات دينية مسيسة. فالسودان، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي، بل إلى شجاعة الاعتراف بالحقيقة، مهما كانت مؤلمة. في النهاية، ليست المسألة سجالاً شخصياً بين أصدقاء قدامى، ولا خلافاً عابراً في تقدير موقف. المسألة أكبر من ذلك بكثير؛ إنها معركة الوعي في بلدٍ أنهكته الحروب وأثقلته الأكاذيب السياسية. فالسودان لم يدفع هذا الثمن الباهظ ليعود مرة أخرى إلى الحلقة الجهنمية ذاتها؛ عسكر يحكمون باسم الضرورة، وإسلاميون يعودون عبر أبواب الحرب، ومدنيون يُطلب منهم الصمت باسم الوطنية. إن الحركة الإسلامية ليست بالجبروت الذي صُوِّر به السودان لعقود، لكنها أيضاً ليست شبحاً خيالياً كما يحاول البعض تصويرها اليوم. قوتها الحقيقية لم تكن يوماً في شعبيتها، بل في قدرتها على التسلل إلى مفاصل الدولة حين يضعف المجال المدني. ولهذا فإن أخطر خدمة يمكن أن تُقدَّم لها الآن ليست دعمها الصريح، بل إنكار وجودها أصلاً.
والحقيقة التي يعرفها السودانيون جيداً أن هذه الحركة لم تستعد أنفاسها لأنها أصبحت فجأة أقوى، بل لأنها وجدت في الحرب فرصة ذهبية للعودة من تحت الركام. ولو توقفت الحرب، ولو استعاد المجتمع المدني صوته وتنظيمه، ولو فُتح المجال السياسي الحقيقي، لذبلت هذه الحركة سريعاً كما تذبل كل المشاريع التي تعيش على ظل السلطة لا على ثقة الناس.
لهذا فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس في تبرئة العسكر أو شيطنة خصومهم، بل في إعادة الاعتبار لمطلبٍ بسيط دفع السودانيون ثمنه دماً ودموعاً، دولة مدنية لا يحتكرها جنرال ولا يحتكرها شيخ.
فالسودان لن يُنقذه سلاح أكثر، ولا خطابات أكثر، بل شجاعة الاعتراف بالحقيقة. والحقيقة المؤلمة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن كل محاولة لتزيين الواقع أو إنكار جذور الأزمة لن تطيل عمر الدولة… بل ستطيل فقط عمر المأساة.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم