د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
أجمل الأيام كانت تلك التي عشناها بقلوب خفيفة، حيث كانت الدنيا أبسط ما نحمل، والضحكات أصدق، واللقاءات أطول. أيام لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.
“ليت الماضي الجميل يعود”.. ووجهه المشرق الضاحك الجميل، ولكن الماضي بطبيعته لا يعود. الحياة تمضي، ولا يمكن العودة إلى نقطة زمنية مضت.
لكن السؤال الموجع: ماذا لو ضاع المفتاح وانكسر الباب الخشبي المتوارث عبر السنين؟
ماذا لو كان هذا الباب يحكي عن عوالم وشخوص كانت ملائكة على الأرض، كلها ضاعت معه؟ ماذا لو أن البيت نفسه لم يعد بيتاً، أو تحول وصار ليس لنا؟ ماذا لو تهدمت معظم البيوت، وتغيرت خريطة المدينة القديمة، فصارت مدينة أشباح؟
حتماً، كل لحظة تمضي لا تعود، ولا تتكرر بهجتها ولا ألوانها. فقط تعود الذكريات، شريط سينمائي يثير الشجون، وربما تدمع له العيون.
يبقى بصيص الأمل في عتمة الطريق، لكن الآمال تموت بظهور قبح وجه الزمن الجديد. بقبح مناخه المضطرب، ولغته الجافة، وتعامله الخشن، وألوانه التي لا تطاق.
هذه هي الحقيقة المرة التي نواجهها، ونجاهد أنفسنا لمعالجتها: الماضي بكل تفاصيله الحسية لن يعود. الذكريات مجرد شريط، ونحن فيه سياح غرباء، أو كأشباح تطارد زمناً رحل.
ويبقى الحزن حقيبة ثقيلة.
نحملها معنا أينما ذهبنا، نتجول بها في شوارع وأزقة أيامنا الخالية. ويظل الحزن هو الرفيق الوحيد الذي لا يفارقنا في رحلة العودة المستحيلة إلى أزمنة لم تعد موجودة إلا في داخلنا.
ربما، في النهاية، حقيبة الحزن هذه هي دليلنا الوحيد على إثبات هوية ضاعت، إذا سُئلنا ونحن على قطار الحياة. هي مرآة تتجلى فيها صور عكسية تحكي أننا عشنا حقاً حياة، كأنها كانت على كوكب آخر. هي الوعاء الذي لن يفارقنا، والذي سنظل نحتفظ فيه بكل تفاصيل ما ضاع منا.
لكن.. في لحظة صفاء نادرة، بين ومضة ذكرى وأخرى،
قد نكتشف أن أجمل الأيام لم تكن تلك التي مضت فقط برونقها، بل كانت أيضاً تلك التي جرحنا فيها يوماً وشفينا، ثم جرحنا مجدداً، ثم مشينا.
لأننا مشينا.
فإننا ما زلنا هنا.
نحمل حقائبنا، ونحن أحياء.
© Alarabi AA March 2026 Sudanile
aa76@me.com
Abdelmoneim Alarabi
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم