غصة في جوف الفرح كيف أصافح العيد في غياب القمر والنجوم؟

محمد صالح محمد
يأتي العيد ليطرق الأبواب بيده الناعمة ليوزع الضحكات في الطرقات وينشر عطر البخور في زوايا البيوت لكنه حين يصل إلى عتبة داري يغض بصره وينكس رأسه؛ فكيف له أن يدخل بيتاً انطفأت فيه المصابيح الكبرى؟ كيف للعيد أن يبتسم في وجه من فقد “قمره” الذي كان يستمد منه النور و”نجومه” التي كانت تضيء عتمة أيامه؟

وحشة اللحظة الأولى …
أصعب ما في العيد هو ذلك الاستيقاظ الباكر في العادة كان الفجر يحمل صوتاً حنوناً يناديني ويداً دافئة تمسح على رأسي لتخبرني أن الصلاة قد حانت. اليوم استيقظتُ على صمتٍ مخيف صمتٍ له صدى يمزق الروح نظرتُ إلى المقعد الخالي إلى الثوب المعلق الذي لن يرتديه أحد وإلى رائحة الذكريات التي باتت هي العطر الوحيد المتبقي في أرجاء المكان.

إنني لا أفتقد شخصاً فحسب بل أفتقد الكون الذي كان يدور حولي كيف أصافح العيد ويدي ترتجف شوقاً لمصافحة يدٍ غابت ؟ وكيف أقول “كل عام وأنتم بخير” وقلبي يردد “كل عام وأنا يتيم هذا الغياب”؟

مراسيم الفقد تحت أضواء الزينة …
الناس في الخارج يتبادلون التهاني والأطفال يركضون بملابسهم الجديدة كأنهم فراشات ملونة وأنا هنا أقف خلف النافذة أراقب الفرح ولا ألمسه يبدو العالم من حولي وكأنه مسرحية صاخبة بينما أنا المشاهد الوحيد الذي يجلس في الظلام.

“ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن أمن الوعيد ولكن كيف يؤمن الوعيد من سكن الحزنُ وريده وأصبح غياب أحبابه هو عيده الوحيد؟”

لقد غاب “القمر” الذي كان يوجه خطاي وتوارت “النجوم” التي كنتُ أستأنس بها و الآن السماء فوق خيالي سوداء لا يكسر حدتها شيء، والبهجة تبدو إهانةً لذكراهم والضحكة تبدو خيانةً لدموعي.

مصافحة السراب …
سأخرج اليوم سألبس ثياباً تشبه ثياب العيد وسأرسم على وجهي قناعاً من الرضا كي لا أفسد على الآخرين فرحتهم. سأصافح الجميع لكن قلبي سيظل معلقاً هناك في تلك الزاوية البعيدة أو في تلك الصور القديمة التي بهتت ألوانها من كثرة التقبيل
سأقول “عيد مبارك” لكل عابر وفي داخلي غصة تقول: “ليت العيد لم يأتِ أو ليتكم كنتم هنا لنحتفل به سوياً” فالعيد في غيابكم ليس إلا تقويماً نعدّ فيه الأيام التي مرت من دونكم ووجعاً يتجدد مع كل تكبيرة صلاة.

يا من رحلتم وتركتموني في ليلة عيدٍ بلا قمر اعلموا أن العيد الحقيقي انتهى يوم رحلتم و سأصافح العيد بكسرة خاطر وبدمعةٍ أحبسها في محجري لئلا تسقط فتفضح شدة افتقاري إليكم سأظل أنتظر “عيداً” آخر عيداً لا يُقاس بالشهور والأعوام بل بلقاءٍ لا فراق بعده .

لقد انطفأت النجومُ التي كانت تُرشد قلبي وحلّ عتمٌ لا ينيرهُ قنديلٌ ولا زينة فأنا اليومَ لا أحتفلُ بمقدمك بل أرثي فيك عمراً كان أجمل حين كانوا هنا.

عذراً يا عيد ففي زوايا قلبي جنازةٌ لا تقبلُ التعازي وفي عيني دمعةٌ تأبى أن تجف حتى يجمعني بهم قدرٌ لا فراق فيه.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

خريف الوفاء… وتنكّر القلوب

محمد صالح محمديقولون إنّ الموت ليس أصعب ما يواجهنا بل الفقد وأنت على قيد الحياة …