الضمير المؤجَّل: السودان في فخّ الصراع وإخفاق الأخلاق في لحظة الحسم

د. صلاح أحمد الحبو
في الحروب المعقّدة، لا تكون المأساة في العنف وحده، بل في الطريقة التي يُعاد بها ترتيب الضمير حياله. إذ تنشأ لحظة حرجة تتحول فيها الإدانة من واجب فوري إلى قرار مؤجل، وتتحول الأخلاق من معيار حاكم إلى أداة خاضعة لحسابات القوة. في هذه المنطقة الرمادية، لا يُنفى الانتهاك، لكنه لا يُدان بوضوح؛ لا يُبرَّر، لكنه يُترك دون تسمية حاسمة. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.

في الحالة السودانية، لم يعد التعقيد محصوراً في تعدد الأطراف أو تشابك المصالح، بل في انزلاق الخطاب العام نحو ما يمكن وصفه بـ”إدارة الأخلاق” بدلاً من الاحتكام إليها. فالإدانة لم تعد فعلاً أخلاقياً خالصاً، بل أصبحت موضوعاً للمساومة، تُؤجَّل أو تُخفف أو تُعاد صياغتها وفق موقع الفاعل داخل خريطة الصراع. ومن ثم، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: متى يجوز أن نُدين ما حدث؟

هذا التحول يكشف عن “اقتصاد أخلاقي مختل”[1]، تُوزَّع فيه المواقف وفق الانتماء لا الفعل. فتُضخَّم بعض الجرائم، وتُهمَّش أخرى، لا لفرق في فداحتها، بل لاختلاف موقع مرتكبيها. وفي هذا السياق، تتراجع إنسانية الضحية أمام هوية الفاعل، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي على قاعدة انتقائية، تُضعف قدرته على الحكم المتوازن.

أحد أبرز تجليات هذا الاختلال يتمثل في ما يمكن تسميته بـ”توازنات الإدانة”، حيث يُشترط على الخطاب أن يُدين الجميع أو يصمت عن الجميع. هذه الصيغة، رغم ظاهرها العادل، تُعطّل الإدانة بدل أن تُنصفها، لأنها تربط الحقيقة بالتماثل لا بالوقائع. فالعدالة الأخلاقية لا تُبنى على التزامن، بل على الشهادة الواضحة.

كما يتجلى الخلل في “التحييد اللغوي”[2]، حيث تُستبدل المفردات الحاسمة بتعابير مخففة، فتتحول “الجرائم” إلى “تجاوزات”، و”الانتهاكات” إلى “تعقيدات”. وهنا، تفقد اللغة دورها في كشف الحقيقة، وتصبح أداة لإدارة التوتر، لا لإنصاف الضحايا.

هذا التأجيل الأخلاقي لا يقف عند حدود الخطاب، بل يُسهم في إعادة إنتاج الصراع ذاته. فكل انتهاك لا يُدان في حينه، يُمنح فرصة ضمنية للتكرار، وكل صمت يُراكم شرعية غير معلنة للعنف. وهكذا، تتحول الأخلاق المؤجلة إلى أحد أوزار الحرب غير المرئية.

في موازاة ذلك، يتقاطع التأجيل الأخلاقي مع ما يمكن وصفه بـ”الضباب المعرفي”[3]، حيث تُوصَف الحرب تارة بالعبثية، وتارة بالمنسية، وتارة بالتعقيد المفرط. هذه التوصيفات، على اختلافها، تؤدي وظيفة واحدة: تأجيل الفهم، ومن ثم تأجيل الموقف. وهنا، لا يصبح الغموض وصفاً للواقع، بل ذريعة لتعليق الحكم.

في مواجهة هذا الانسداد، تبرز الحاجة إلى استعادة “الخيال الأخلاقي المُحرَّر”[4]، بوصفه أداة نقدية لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والسياسة. إنه ليس خيالاً حالماً، بل قدرة على رؤية الضحية خارج الاصطفاف، وعلى إنتاج موقف لا يُساوم على الكرامة. من خلاله، يمكن إعادة بناء خطاب يُبادر إلى الإدانة، لا ينتظرها، ويُسمي الانتهاك باسمه، لا يلتف حوله.

وفي السياق السوداني، يصبح هذا الخيال مدخلاً لتفكيك “فخ الصراع المركّب”[5]، حيث يتداخل العسكري بالسياسي والاجتماعي، وتُعاد إنتاج الأزمة عبر شبكة معقدة من المصالح والخطابات. الخروج من هذا الفخ لا يتحقق بإدارة التوازنات، بل بإعادة تعريفها، عبر نقل مركز الاهتمام من سؤال: من يربح؟ إلى سؤال: ما الذي يجب ألا يُخسر؟

إن استعادة المعنى الأخلاقي للصراع تتطلب كسر الانتقائية، وتحرير اللغة، وبناء سردية جامعة لا تُساوم على إنسانية الضحايا. وهي مهمة لا تحتمل التأجيل، لأن ما يُؤجَّل أخلاقياً، يتراكم تاريخياً.

في المحصلة، لا يمكن للسودان أن يخرج من حربه وهو يحمل معه نفس أنماط التفكير التي أسهمت في إطالتها. فالتأجيل الأخلاقي ليس عرضاً، بل جزء من البنية. والخيال الأخلاقي، إن لم يُفعَّل، سيظل مجرد شعار. وحدها الجرأة على الحكم، والقدرة على التخيّل، يمكن أن تفتح أفقاً لوطنٍ لم يعد يحتمل الانتظار.

ختامًا:

حين يُؤجَّل الحكم على الألم، يُعاد إنتاجه؛ وحين يُستعاد الضمير، يبدأ الوطن في التعافي.

هامش بسط المفاهيم

[1] اقتصاد أخلاقي مختل: توزيع غير عادل للمواقف القيمية وفق الانتماء لا الفعل.

[2] التحييد اللغوي: استخدام لغة مخففة لتقليل حدة الانتهاكات.

[3] الضباب المعرفي: توصيف مُربك للواقع يُؤدي إلى تعليق الفهم.

[4] الخيال الأخلاقي المُحرَّر: قدرة نقدية على إنتاج مواقف أخلاقية غير خاضعة للاصطفاف.

[5] فخ الصراع المركّب: تشابك مستويات الصراع بما يُعيد إنتاجه باستمرار.

المراجع والمصادر

[1] جون بول ليدراخ، بناء السلام.

[2] حنة آرندت، في العنف.

[3] زيغمونت باومان، الأخلاق في الحداثة السائلة.

[4] أمارتيا سن، فكرة العدالة.

[5] عبد الله علي إبراهيم، دراسات في الشأن السوداني

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

كيّ الوعي في السودان: حين تُعاد هندسة الإدراك تحت النار

د. صلاح أحمد الحبوفي مستهلّ هذا المشهد السوداني المربك، يمكن استدعاء حكاية رمزية لا بوصفها …