حينما يزهر الحب في الأرض الخطأ

محمد صالح محمد
يقولون إن الحب أعمى لكن الحقيقة أن الحب يُبصر بقلبٍ يرى النور في عتمة المستحيل. في دروب الحياة الملتوية قد نلتقي بأرواحٍ نظنها الملاذ ونبني فوق رمالها قصوراً من الوعود لنتعلم لاحقاً أننا لم نحب الشخص الخطأ فحسب بل استثمرنا أطهر مشاعرنا في “التوقيت الغلط” ومع “القدر الذي لم يُكتب لنا”.

سكرات البداية وعمى القلوب …
تبدأ الحكاية دائماً ببريقٍ خاطف و بكلمةٍ لم تُقال أو نظرةٍ اخترقت حصون المنطق. في تلك اللحظةلا يسأل القلب عن الهوية أو العواقب؛ هو فقط يندفع كفراشةٍ أضناها الشوق لنورِ شمعة غير مدركةٍ أن هذا الضياء هو نصلُ احتراقها.

إن الحب “الغلط” لا يأتي بإنذار بل يتسلل كخيوط الحرير و يلتف حول العنق برقة حتى يخنق فينا صوت العقل ويقنعنا أن هذا الألم هو ضريبة العشق السامي.

ضجيج الغياب وصمت الانتظار …
كم هو مؤلم أن تدرك بأنك كنت تعطي من روحك لمن لا يملك حتى مكاناً شاغراً في يومه لك. الذين أحبوا “غلط” يدركون تماماً معنى أن تكون وحيداً وأنت في قمة القرب و أن تكتب رسائل طويلة لا تصل أبداً وأن تفتش عن عذرك في عيونٍ لا تراك إلا عابراً.

هذا الحب يترك غصةً في الحلق لا يمحوها زمن لأنك لم تخسر حبيباً فحسب بل خسرت الثقة في بوصلة مشاعرك.

الدرس القاسي …
الاستيقاظ من وهم الحب الخاطئ يشبه التعافي من سمٍّ لذيذ. تكتشف أنك كنت تبني مدناً لمن لا يملك ثمن لبنة وأنك كنت تمنح الأمان لمن كان يخطط للرحيل منذ البداية. لكن وعلى الرغم من الوجع الذي يعتصر الروح يظل هذا الحب “الخطأ” هو المعلم الأكبر؛ هو الذي يصقل الروح ويعلمنا كيف نميز بين البريق الزائف ونور الصدق وكيف نحمي قلوبنا في المرات القادمة بأسوارٍ من النضج.

إن الذين أحبوا خطأً ليسوا ضعفاء بل هم أنبل من خاض حروباً خاسرة. هم الذين غامروا بكل شيء في سبيل “لا شيء” وخرجوا بقلوبٍ ممتلئة بالندوب لكنها تظل قلوباً حية.

فسلاماً على كل من أضاع بوصلته في بحر العشق وسلاماً على تلك العبرات التي سقطت في ليلٍ طويل ففي نهاية كل حب خاطئ هناك بداية لنفسٍ جديدة تعرف أخيراً قيمتها وتدرك أن الحب الحقيقي لا يكسرنا بل يبنينا من جديد.

وداعاً لما لم يكن لنا …
يظل ذاك الحب “الغلط” قصيدةً ناقصة كُتبت بمداد الروح على ورقٍ لا يحتمل حرارة الصدق و ربما لم يكن نصيباً وربما كان مجرد عاصفةٍ عبرت لتعلمنا أن القلوب الرقيقة تحتاج إلى من يحميها لا من يستهلكها.

سنحزم حقائب الذكريات ونغادر تلك المحطة بسلام ممتنين للألم الذي جعلنا أنضج وللدموع التي غسلت رؤيتنا للواقع. سنترك خلفنا عطر من أحببنا ونمضي وفي صدورنا يقينٌ هادئ بأننا استنزفنا الحب في المكان الخطأ لنوفره يوماً ما لمن يستحق أن يكون لنا وطناً وأماناً.

فليس كل ما نتمناه هو الخير لنا وأحياناً يكون أعظم انتصار للقلب هو أن يختار الرحيل حين يدرك أن “الحبيب” ليس سوى سرابٍ جميل في صحراء الأوهام.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

أقوليك يا زولة طلقة ما تقتلك … لكن كلمة تدفنك

محمد صالح محمدفي دروب الحنين الممتدة بين النيل والنخيل وفي عتمة المسافات التي لا يقطعها …