بين الجذر والجدار: تأملات في القبلية السودانية

دكتور محمد عبدالله
في السودان، نادراً ما يُسأل المرء مباشرة: “ما هي قبيلتك؟”.
السؤال الذي يتردد في المجالس والأسواق والطرقات أكثر دهاءاً وبساطة في آن: “أنت من وين في السودان؟”.
خلف هذه العبارة العادية، التي تبدو كأنها مجرد استفسار عابر، تختبئ رغبة أعمق: البحث عن موقعك على خريطة غير مرئية، خريطة الدم والذاكرة والتوقعات.
لم تكن القبيلة في أصلها مشكلة، بل كانت، لعقود طويلة، وسيلة عملية لتنظيم العيش: اقتسام الماء، حماية الماشية، ومعرفة من سيقف إلى جانبك حين تشتد العواصف. كانت أشبه بجدار قوي غير مرئي—لكن ليس جداراً من الحجارة.
لكن شيئاً ما تغيّر.
ربما بدأ الأمر حين قرر بعض الناس أن يكتبوا لأنفسهم تاريخاً أطول من أعمارهم، فمدّوا أنسابهم حتى تلامس أسماء مثل العباس بن عبد المطلب. لم يكونوا بالضرورة يكذبون، لكنهم كانوا يبحثون عن درجة أعلى على سلّم لا يُرى. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل النسب من حكايات تُروى إلى سلطة تُمارَس.
في القرى السودانية، ظلت العلاقات بسيطة إلى حد بعيد. كان الناس يعرفون بعضهم بأسمائهم ووجوههم قبل أن يعرفوهم بأنسابهم. لكن السياسة غيّرت كل شيء. خلال فترة الحكم الثنائي في السودان، اكتشف المستعمر حيلة بارعة: بدلاً من حكم الناس مباشرة، يمكن حكمهم عبر شيوخهم. وهكذا تحولت القبيلة من ذاكرة حية إلى إدارة، ومن رابطة اجتماعية إلى مؤسسة. ومنذ ذلك الحين، تعلّمت الدولة السودانية—دون أن تنتبه—أن تتكئ على القبيلة بدلاً من أن تتجاوزها.
ثم جاءت سنوات لاحقة لم تكتفِ فيها السلطة باستخدام القبيلة، بل أعادت تشكيلها وفق حاجتها. في عهد حكومة الإنقاذ، لم تعد القبيلة مجرد وسيط، بل أصبحت أداة بيد الحكم: تُستدعى عند اللزوم، وتُسلَّح عند الضرورة، وتُترك لتدير فوضاها وحدها.
في دارفور، لم يكن الناس بحاجة إلى دروس نظرية ليفهموا ما حدث. رأوا بأعينهم كيف يمكن لهوية ناعمة أن تتحول إلى سيف مسلط، وكيف يصبح الجار القديم فجأة “آخر” يجب الحذر منه—أو محاربته.
وحين اندلعت حرب السودان أبريل 2023، لم تكن قبائل السودان هي من أعلنت الحرب، لكنها وجدت نفسها، مرة بعد أخرى، اللغة التي يُخاض بها الصراع. فجأة، صار على الناس أن يختاروا: ليس فقط بين طرفين عسكريين، بل بين روايتين عن أنفسهم. من نحن؟ وإلى أي جهة نقف؟ وكأن الوطن، في لحظة ما، انكمش حتى صار أضيق من أن يتسع للجميع.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجاً : أن معظم السودانيين ليسوا تماماً ما يظنون أنهم عليه. العربي يحمل في ملامحه أثر النيل القديم، والإفريقي يتحدث العربية كأنها وُلدت معه. والقبيلة نفسها، إذا دققت فيها، لن تجد سوى شبكة من المصاهرات والانضمامات والقصص التي أُعيدت صياغتها حتى صدّقها الجميع.
نحن، ببساطة، خليط.
لكننا نخاف من هذه الكلمة.
نخاف لأن الخليط لا يمنح يقيناً ، واليقين—حتى لو كان وهماً —مريح.
فهل الحل أن ننسى قبائلنا؟
بالطبع لا.
القبيلة ليست خطأ يجب تصحيحه، بل حقيقة ينبغي وضعها في حجمها الطبيعي: أن تبقى كذاكرة، لا كسلاح؛ كجذر، لا كجدار. فالجذر يغذّي الشجرة، لكن الجدار يمنعها من رؤية الغابة.
ربما لا يحتاج السودانيون اليوم إلى الاختيار بين القبيلة والوطن،
بل إلى أن يتعلموا كيف يضعون كلًّا منهما في موضعه.
أن تكون من قبيلة ما ، فهذا أمر عادي.
لكن أن تختزل نفسك فيها—
فهنا تبدأ الحكاية التي لا تنتهي.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

بين حرب بلا نهاية وتسوية بلا ضمانات: إلى أين يمضي السودان؟

دكتور محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.ukليس من السهل قراءة المشهد السوداني هذه الأيام وكأنه مجرد حرب أهلية عابرة، …