الخازوق .. بقلم: عزالدين صغيرون


ثلاثون عاماً من حكم التتار الإسلامويون عاثوا خلالها فساداً وتدميراً، أوصلت الدولة إلى حافة الانهيار، والوطن إلى هاوية الاندثار. تجذرت خلالها أخلاقيات وقيم في غاية الانحطاط. ورغم أن ثورة (18، 19) استطاعت أن تطيح بالبنية الفوقية لسلطة الدولة الإسلاموية، إلا أن بذور هذه الدولة لا زالت حيّة تتنفس تحت التراب وقد بدأت تطل برأسها مشرئبة، بسبب خيانة مكونها المدني لمبادئها ودم شهدائها، وتآمر العسكر بشقيهم الرسمي والمليشياوي.

(2)
وبينما فقد المكون المدني ثقة الشارع وقوى الثورة الحية صاحبة الشرعية الحقيقة كحاضنة له، ووضعته في قفص الاتهام والمساءلة مع لصوص الثورة .
يحاول العسكر “الرسمي” أن يجد بين فلول الإسلام السياسي، وطفليات الإدارة الأهلية المندثرة، ومرتزقة الفتاوي بين رجال الدين، والعنصريون الذين رفعوا قميص عثمان/ التهميش الملطخ بدم القتلى والمهجرين، حاضنة شعبية تمنحهم شيئاً من الشرعية.
وليت المكونان اكتفيا بتفتيت وحدة الشارع الذي انتفضت جهاته الأربع في ثورة شعبية غير مسبوقة، وإن كانت في حقيقتها حلقة في سلسلة متصلة الحلقات من ملاحم الشعب السوداني لتشييد دولة الحرية والعدالة والرفاه التي تسكنه.
إن البؤر الإنقاذية التي لم تفلح السلطة الانتقالية في استئصالها من مفاصل الدولة والحياة اليومية، لم تعد تشكل خطراً على الثورة وأهدافها فقط، بل وتشكل خطراً على راهن ومستقبل السودان وأهله، وهي تزداد انتشاراً كل يوم. حتى غدا الأمر وكأننا لا نزال نعيش عصر الإنقاذ الحالك، وتحت سيطرة وحكم نفس العصابة، بل يبدو المشهد أحلك ظلاما الآنً وكأنما ورثة الإنقاذ ينتقمون من الشعب لوقاحته وجرأته، وينقمون عليه الإطاحة بأسيادهم وأولياء نعمتهم.

(3)
هذه البؤر السرطانية ظلت منذ الاستقلال هي مكمن الداء القاتل لكل الثورات والهبات الشعبية، والعقبة الكأداء التي تجهض كل محاولة لإقامة الدولة السودانية الحديثة دائماً.
وإذا كانت القوى السياسية والمؤسسة العسكرية هما القاسم المشترك في فشل التجارب الديمقراطية في ثورتي أكتوبر 1964 ومارس/ أبريل 1985، إلا أن المؤسسة العسكرية في الثورة الثالثة التي نعيش صراع تحقيق أهدافها اليوم، تقف ومكونها العسكري، تحت قيادة لجنة البشير الأمنية، وراء خطر فشل الثورة، بل تُعتبر المهدد الوجودي الأول والأكبر للدولة ذاتها، بعد أن تمت أخونة المؤسسة وتفكيكها ثم إعادة هيكلته، حتى صارت أقرب إلى ميليشيا خاصة بعصابة ما، أو تحديداً باتنظيم الإسلاموي منها إلى مؤسسة قومية ذات ولاء وطني.
إنه “الخابور” أو الخازوق الذي يخترق الكيان السوداني فلا يستطيع معه الحركة لإخراجه، كما لا يحتمل بقاءه ليهتك أحشاء الدولة الداخلية. وفي معجم المعاني الجامع يقال “أخذ خازوقاً” أي غُبِن، أوقف موقفاً حرجاً. وقريب من ذلك في اللسان السوداني يقال في وصف حالة الجيش التي نعنيها بأنه “شوكة حوت، لا بتنبلع ولا بتفوت”.
ذلك أن النظام السياسي القائم اليوم في السودان بعد الثورة هو نظام عسكري، يشكِّل المكون العسكري في مجلس السيادة سلطته السيادية والتنفيذية، بينما تقبع في الظل لجنة البشير الأمنية كسلطة تشريعية غير مرئية.
لذا لا تعجب حين تقول السيدة عائشة موسى في رسالة استقالتها بأن امكون العسكري في مجلس السيادة يمارس التنمر على المدنيين وأن “الأحزاب متحاربة مع بعضها ويتآلفون مع المكون العسكري ويزورون أعضاء المكون العسكري في مجلس السيادة وأشاهدهم يوميًا في القصر الجمهوري ولا يزوروننا”(1).
ويزيد الأمر وضوحاً أكثر من ذلك القيادي بقوى الحرية والتغيير ورئيس الحزب الاتحادي الموحد، محمد عصمت، بقوله بأن هناك: ” أربعة أحزاب ظلت تتماهى وترتمي في أحضان المكون العسكري وتفعل ما تريد باسم قوى الحرية والتغيير لتحكمها في كل مفاصل الدولة” (2).
هو يحدد العدد بأربعة أحزاب، ولكن من يعلم ما هو العدد الفعلي من وجهة نظر حزب آخر؟!.

(4)
– وبما أن المكون العسكري (الانتقالي !) احتكر لنفسه السلطة التنفيذية، فإنه من قام باختيار وتعيين وزيري الدفاع والداخلية، مجرداً رئيس الوزراء من سلطته !.
– وهم الذين يتحكمون في إنفاذ العدالة وتعطيلها، وقد اعترف رئيس الوزراء بهذا قائلاً بأن “العلاقة المعقدة مع الأجهزة الأمنية المتعددة، والتي وضعتها الوثيقة الدستورية تحت مسؤولية المكون العسكري، تلعب دوراً أحياناً في إبطاء عجلة العدالة وتأخير تقديم المعلومات المطلوبة للجان التحقيق والنيابة” (3).
– كما يتولى المكون العسكري ملف علاقات السودان الخارجية، وتحديد أطراف التحالفات الخارجية دون الرجوع إلى أي سلطة في الدولة. فيسافر رئيس مجلس السيادة (الشرفي) إلى عنتيبي بليل ويعقد اجتماعاً مع رئيس وزراء دولة عدوة، ويبرم معه اتفاقاً لا أحد (عدا لجنة البشير الأمنية بالطبع) يعرف تفاصيله !.
– ثم يستقبل العسكر وحدهم ضباطاً ومسؤولي استخبارات دولة العدو الصهيوني في جولة تفقدية اقتصرت على المرافق العسكرية !.
– ويوقع اتفاقاً مع روسيا التي ساهمت بفعالية في تدمير سوريا ودعم بقاء بشار الأسد في السلطة رغم أنف الشعب السوري، وأرسلت مرتزقتها يقاتلون إلى جانب حفتر في ليبيا، ويمنحها بموجب اتفاق – لا يسمح للسلطات السودانية الحق في معرفة أي شيء عنها – قاعدة عسكرية تستقبل حاملة أسلحة نووية، تطل على البحر الأحمر.
– بل ويقود البلاد إلى مواجهات عسكرية مع دولة جارة وصديقة، ضارباً عرض الحائط بكل الطرق الدبلوماسية والتفاوضية السلمية بإصرار غريب !.
– ويذهب أبعد من ذلك، ليسمح لجيش دولة تحتل أراضٍ سودانية ترفض مجرد التفاوض حول حقوق بلده فيها، ليجري مناورات عسكرية في السودان و(يسرح ويمرح) طيرانها الحربي في سماءه !.
– وعندما يمارس رئيس الوزراء سلطاته التنفيذية بالتفاوض مع قائد إحدى أهم حركات الكفاح المسلح إنفاذاً للوثيقة الدستورية، يخرج عضو المجلس السيادي الجنرال كباشي ليطلق تصريحاً وقحاً يصف فيه ما توصلا إليه بأنه: عطاء من لا يملك لمن لا يستحق !.
– يحتفظ الجيش والأجهزة الأمنية التي يسيطر عليها بـ أكثر من 80% من أموال الدولة، وتقوم شركاته بعقد صفقات استثمارية مع جهات أجنبية، بعضها حكومية تتبع لتلك الدول، (من وراء ظهر) مؤسسات الدولة الرقابية المالية والتجارية. وحين يصرح رئيس الوزراء بذلك يخرج (رئيس مجلس السيادة) ليهدد بين جنود الجيش ومندداً، ويؤكد بأن (الحكومة) تريد أن تعلق فشلها على شماعة الجيش !.

(5)
– إنهم يحكمون السودان بشكل مطلق – بعد أن قاموا باختطاف الدولة ذاتها – وهم يفعلون ذلك بالطريقة التي تربوا مهنيَّاً بها في الجيش: (أوامر وتنفيذ)، ثم لك أن تتظلم بعد تنفيذ الأوامر، دون ذلك أنت “متمرد” على القوانين العسكرية، وهذه تتدرج عقوبتها من التجريد من الرتبة إلى الفصل من الخدمة، إلى الإعدام.
– ومنذ أن إرتقى جنرالات المجلس العسكري رتبهم العسكرية لم يهدأ لهم المقام في مكان واحد، فما أن يعود أحدهم من زيارة لدولة أجنبية دون إعلان مسبق، حتى ينهض الآخر دون أي ذكر لمناسبة الزيارة وما الغرض منها وما الذي تم الاتفاق عليه مع قادة تلك الدول. وكأنهم موظفون عاديون في القطاع الخاص يقضون إجازاتهم السنوية في رحلات سياحية !.
إنهم يتصرفون في شأن الدولة (على كيفهم) وكأنهم يملكون السلطات المطلقة كما لو كانوا يتصرفون في أملاكهم.
وعلى كل حالٍ فإن من يرغب في معرفة تفاصيل هذه الفوضى التي يحدثونها في إدارة الدولة بعقلية (الكناتين) يستطع أن يرصد من الشواهد ما يجعلك تظن بأن هؤلاء الناس تم جمعهم من الشارع عشوائياً وكلفوا بإدارة الدولة دون سابق معرفة بأبسط قواعد الحكم والمعرفة والذوق واللياقة والكياسة.
ولكن السؤال هو: هل جنرالات المجلس العسكري في مجلس السيادة الانتقالي ولجنة البشير الأمنية الغامضة التي تديرهم من وراء ستار وحدهم من يديرون السودان بعد اختطافه من يد قيادة القوى المدنية التي انتدبت نفسها للإنابة عن الشابات والشباب وقوى الثورة الحية التي فجرت هذه الثورة، ودفعوا مهرها الغالي بأرواحهم وجراحهم؟. أم أن لهم شركاء في القوى المسلحة الأخرى.
بمعنى هل حلفاء السلاح هم من يتحكمون اليوم في إدارة الحكم ؟.
هذا ما سنراه لاحقاً.
صوت من القاع
وكأنه يتحدث عن الثورة وأهدافها ومدنيتها، قال حميد، كما غناها مصطفى سيد أحمد:
من الأبرول أبت تطلع
من الواسوق أبت تطلع
من المدفع طلع خازوق
خوازيق البلد زادت

مصادر وهوامش
(1) نقلاً: في مقابلة مع إذاعة هلا، عن موقع صحيفة الراكوبة الإلكترونية بتاريخ 2 يونيو 2021.
(2) موقع صحيفة الراكوبة، بتاريخ 3 يونيو، 2021
(3) موقع صحيفة الراكوبة، بتاريخ 3 يونيو 2021.

izzeddin9@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!