أولاد حمدان – أولاد برهان .. بقلم: اسماعيل عبد الله


الساحة السياسية ضجّت باخبار تداولها الناشطون حول دمج قوات (قُدس) في مؤسسة الجيش، هذه القدس التي شغلت الرأي العام منذ تأسيسها في عهد المخلوع وحتى اليوم، فلم يسلم قائدها الذي شهدت له الناس بوقفته الجريئة والشجاعة مع الخط الثوري المسقط للنظام، بل ذهبت الاقلام الناقدة والأفواه النابذة لأبعد من ذلك بأن جرّدت زعيم قدس من انتمائه للوطن فنسبته لجنسية دولة جارة عزيزة علينا، حملات منظمة قادها كتاب وصحفيون ومسرحيون ورسّامو كاراكاتير ومؤلفو النكتة العنصرية الموجّهة، فالمتأمل لتلك الأعاصير الهوجاء والرياح العاتية يرى من بين تياراتها الثقافية والفكرية والسياسية ملامح نزعات جهوية واضحة تجاه شخصية رجل السلام الأول الذي شغل دنيا الحياة العامة السودانية، من المعلوم أنه في خواتيم تسعينيات القرن الماضي اندلعت صراعات ومعارك محمومة فيما بين مناصري الحزب الحاكم آنذاك، كان أساسها الاستقطاب الجهوي والعرقي والقبلي بعد وفاة النائب الأول للرئيس – المرحوم اللواء الزبير محمد صالح، وجيء بالدكتور علي الحاج محمد نائباً أولاً للرئيس مختاراً عبر آلية المجلس الأربعيني للحزب، فثارت ثائرة النخبة النيلية داخل ذلك الكيان الاسلاموي وشقّت صفي الحزب والحكومة معاً، وناب علي عثمان محمد طه النيلي الهوى والهويّة رئيس الجمهورية سليل ضفتي نهر النيل، في رسالة واضحة بأن إرث حكم دويلة كتشنر لا يجب أن يخرج من قبضة أفراد أسرة هذا البيت الواحد.
احداث التاريخ تتكرر بذات الطريقة التي هوجم فيها خليفة المهدي بعد أن آل إليه السلطان ديمقراطياً، حين نكصت الجماعة النيلية بالعهد ورفضت خلافة (الفلاتي) القادم من غرب افريقيا بحسب زعمها، وهي ذات المبررات التي يسوقها احفاد ذات الجماعة اليوم تجاه قائد قدس (التشادي)، من أجل ابعاده من المشهد السلطوي، بنفس السيناريو الذي رسموه في نهاية القرن التاسع عشر بحق عبد الله ولد تورشين، فلمّا لم يستطيعوا هزيمة خليفة المهدي دعائياً وتلفيقياً وتزويرياً استنجدوا بكتشنر وقالوها دون حياء (الخواجة الألقف خير لنا من هذا الفلاتي المشعوذ القادم الينا من دول غرب افريقيا)، مشكلة النخبة النيليلة أنها لا تروق لها نخبة الغرب ولا صفوتي الشرق والجنوب في حال اصبحت هذه النُخب قاب قوسين او أدنى من قمة الهرم، حارب النيليون قرنق وفصلوا الجنوب ومايزالون على أهبة الاستعداد لكي يفصلوا دارفور، حتى لا يجلس على رأسهم واحد من المنبوذين، وقد قالها من قبل المرحوم خليل ابراهيم (هؤلاء سيكتفون بحكم جزيرة توتي بشرط أن لا يشاركهم في السلطة أحد) أو كما قال، يفزعهم التفكيك الحقيقي لسلطانهم الحصري الموروث، ومن اجل الحفاظ عليه يستعينون بالمستوطن الاجنبي في تفكيك ممسكات الهويّات الداخلية المكوّنة للشعوب السودانية، لا يتورعون، يستبيحون الدماء من أجل تمكين الغرباء، يحدث هذا منذ حملات الزبير باشا الخادم المطيع لأسرة محمد علي باشا.
المبنوذون يصلون قمة الهرم للمرة الثالثة بالمال والرجال والسلطان، والخياليون الرومانسيون يمتعضون ويعاودهم حنين سلوك المسالك التآمرية القديمة، فتبدأ التحرشات بين طائفة المسحوقين ومترفي السلطان المتوارث، ويتجمع المسحوقون بعدتهم وعتادهم حول نقطة تجمع خلية العسل لا يعيرون انتباهاً لعويل الممتعضين، مبدؤهم أن الحق مشترك وأن الأفضلية للكل، وأن عهد التفاضل قد ولّى وجاء عصر التكامل، ولكن للأسف لاتوجد أذن ممتعضة تصغي لموجهات العقل الراشد الرشيد، فضوضاء العبث تملأ دهاليز الآذان الصغرى والوسطى والكبرى، والقلوب تطفح بالبغض العرقي والجهوي غير المبرر لمستنيرين ينشدون أقامة دولة المواطنة والعدالة والقانون، مستنيرون ممتعضون لا تتسق دعواتهم للحرية والسلام والعدالة مع سلوكهم المخالف لهذه القيم الثلاث عندما يلجون باب قصر غردون، لقد قام هؤلاء المستنيرون المتناقضون بسوق الشعوب المقهورة لانتفاضات شعبية عارمة ثلاث مرات، لكن المضغة الفاسدة داخل اقفاص صدورهم تخذلهم كل مرة من هذه المرات الثلاث، فلا يقدرون على تحقيق طموح المقهورين بتفكيك بنية الفشل التراكمي المستوطن والمستمر.
التحدي الماثل أمام جميع نخب البلاد هو الحفاظ على كيان الدولة التشاركية، التي صنعها كل من المهدي والخليفة وعثمان دقنة على هذه الرقعة الجغرافية الكبيرة المسماة بالسودان، والتي فرّطنا فيها بذهاب ربع مساحتها وثلث سكانها لحال سبيلهم، وهذه آخر فرصة لبقاء ما تبقى منها كقطر واحد، ولو لم يتعظ اولاد برهان من عبر التاريخ ودروسه وسيروراته سوف يحقق المتربصون الاقليميون ببورتسودان حلمهم، وستكون دارفور واحدة من دول وسط افريقيا، وكردفان االكبرى سيصبح مصيرها التكامل مع جنوب السودان، أما الممتعضون فلا سبيل لهم غير القبول بفلاحة ارض جنوب الوادي الآيلة الى ملكية احفاد محمد علي باشا، فان الشريطين النيليين ونهرهما الكبير وسكانهم لن يفلتوا من قبضة الدفتردار الجديد، وواجهة البحر الأحمر لن يتركها العرب والفرس والتركمان، فهل ينجح مثلث الغرب والشرق والشمال في صناعة حلم الثلاثي المهدوي؟ أم تفوز رؤية أولاد برهان الواصفة لهذه الأبعاد الثلاثية بالنظرية الشعوذية الحالمة والقادمة مع فقيه دجال جاء من غرب افريقيا؟.

اسماعيل عبد الله
ismeel1@hotmail.com
9 يونيو 2021


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك