أبو العواتِك وأدب الرسائل: شيء من فَهمِ الدين، السياسة، والتمتّع بالفنِّ والطربِ وكرمِ الضيافةِ! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي


الصديق العزيز محمد الأمين التجاني “أبو العواتِك”، كاتِب مُرهف الحِس الإنساني والوطني، يجوِّد ما يسطِّر ويكتب لفِكرة، ومشاركاتِه في وسائل التواصل الاجتماعي تقوم على فكرة وتدعو لفكرة حتى عندما يكتب في الرياضة حول هلاله الذي يعشقه، تكون الفِكرة موجودة، فتعجِب كتاباتِه وتعليقاتِه أصدقائه المريخابية فيبادله الذوّاَقة منهم الرسالة بما تستحِق فيجري تسجيل السجال ضِمن أدب الرسائل ويصبح أداة من أدوات التعافي والتصافي الجميل لتصير الهزيمة صنو الانتصار بمعنى حافز له في دنيا المُستديرة.
ولصديقي محمد الأمين الكثير من المُبادرات الخلَّاقة، ولا ادري لماذا لمْ تلتفِت قناة تليفزيونية سودانية لإبداعاته وتمنحه مساحة من الزمن ليقدِّم برنامِجاً أسبوعيّاً، أو شهريّاً حتّى لا يتفرغ لذلك وتتضرّر أعماله، وأراهن أنّه سيدُخل فوراً في سجِل البرامج الناجِحة ذات المُشاهدة الواسِعة، وهذه دعوة منّي لكل القنوات لتتنافس في ضمِّ أبو العواتك لتيمها وفريقها الذي تلعب به دوري (الريتينق – نسبة المشاهدة). الخوف أنْ تستجيب قناة تليفزيونية لدعوتي ويجِد صديقي محمد الأمين نفسه في موقف لا يستطيع معه إلّا القبول وعندها اخشى ما اخشى أنْ تتأثّر أعماله التجارية ونشاطه في دنيا المال والإنتاج لخلق القيمة المُضافة والتي لو تفرّغ لها محمد لوحدها لعمّت فوائدها الأركان والمحيط الصغير والكبير حوله.
دعوني أتصوّر أنْ يستضيف محمد الأمين صديقه مصعب الصاوي، فعندها ستتعرّفون على مصعب الآخر، وكذا مع طارق كبلو وسترتفع حواجِب دهشة المشاهدين مع المحبوب عبد السلام أو رجل “الإعجاز في الإنجاز” احمد كارمن ليكتشِف المُشاهِد تجارُباً لمْ تَخْطُر له على بال، أمّا إذا حمل محمد الكاميرا وسافر بها إنْ كان للدويم أو الأبيِّض أو خارج السودان، للإسكندرية مثلاً أو دبي أو لندن وبالطبع بوخارست، فانتظروا المفاجأة والاستمتاع الحقيقي. سيكون برنامِجاً فيه جبر الخاطر وستتخلله مشاهد واحاديث عفو الخاطر.. وعليه اقترح له اسم “صيد الخاطر” وهي الزاوية التي يكتب تحتها محمد بعض أفكاره وإبداعاته ومداخلاته في المجتمع والسياسة والدين والتصوّف والفنون والطرب، وتلك ستكون المساحات التي يتحرك فيها البرنامج وينقّب فيها ليختار الدُرر واللآلئ فما بالكم والحديث حتماً سيغطي أمس واليوم وغداً، في إطار التطلُع لمستقبلٍ أفضل وأجمل.

* بادِرْ ما دُمْتَ قَادِرْ.. شَيِّر للخير:
ولإثبات ما أقول، أسمحوا لي أن أشرككم في الحكاية التالية: كتب محمد الأمين على حائط صفحته بفيسبوك يوم 26 مارس 2020 (البوست) أدناه:
توقّفت في التقاطع عند الإشارة الضوئية…
اقبلوا نحوي بابتسامتهم الوضيئة يحملون صندوقاً عليه ما يوضِّح الغرض وبادروني بسلام وتحية.. بلُطْفٍ بائنٍ.. وكنت وقتها اضغط على زِرِ زجاج السيارة نزولاً فسمِعت آخر كلمات التِحيّة وبدوري بادرتهم سائلاً:
– انتو منو
فأجابني أقربهم:
– نحن الوطن..
حينها………
؛؛؛…؛؛؛
(ثُمّ رفع محمد الأمين فيديو قصير مُدّته دقيقتين وثانيتين.. جرى فيه حواراً بينه وشابين كان احدهما يحمل كرتونة مكتوب عليها بخط جميل وواضِح “مُبادرة عشانك يا وطن.. بادِرْ ما دُمْتَ قَادِرْ.. شَيِّر للخير”؛ أنقُله أدناه بالدارجي كما جرى، مع تعديل طفيف اقتضته ضرورة كِتابة الفِكرة وفهمها):
– محمد الأمين: مرحب.. إنتو منو؟
+ احدهما أو معا: أنا الوطن.
– يا سلاااام.. الوطن؟ ده كلام جميل وكلام كبير.
+ نعم كبير.. عندما نكون كلنا يد واحدة، نِعْم الوطن، وحا نبني وطن.
– طيب انتو بتسوو في شنو؟ واقفين في الشارع بالليل وحظر التجول قرّب.. بتعملو في شنو؟
+ نحن نجمع (شير) وعندنا برنامج اسمه “إفطار صائم” في رمضان.
– وحا تعملوه وين؟
+ الأسر المتعفِّفة.. والمستشفيات.
– الأسر المتعفِّفة هي كلمة السِر. هنالك من سبقكم وعمل إفطارات بمُسمّيات مُخْتلِفة، وتجِدهم يقِفون عند الإشارات الضوئية التي تتوقّف عِندها السيارات فيقدمون افطارات للسائقين، عِلماً بأنّ أصحاب السيارات وحتى السائقين أصلاً غير محتاجين. وعليه، يبقى مُهِم جِدّاً اختيار الجِهة المُسْتهدفة ببرنامِجكم وبالافطارات.. يعني إذا انتم مشيتوا للِجان الأحياء حا يعرِّفوكُم بالأسر المُتعفِّفة وهي كلمة السِر لمشروعكم الجميل.. هناك ناس قاعدين في بيوتهم ويقال عنهم تحسبهم أغنياء…..
+ تحسبهم أغنياء من التعفُّف….
– يبقى ديل إنّكم تصلوهم.. دوركم تصلوهم..
+ إنْ شاء الله..
– توجّهوا للناس الصابرين وقاعدين في بيوتهم ولا يمرقون ولا يقولون لزول ما ينقُصهم وما يحتاجونه.. ولذلك فمشروعكم الجميل يجب إنْ يمشي لمُسْتحِقيه بس. والسؤال هو مَن هُم المُسْتحِقين؟ مثلاً شخص كما قلتم تلقاه قاعد في المستشفى مُمارِض أخر.. ناس جايين من الأقاليم وقاعدين مع أهلهم المرضانين وما لاقين فعلا ما يفطِّرهم بعد صيامهم وربّما يكون عندهم فلوس ولكنهم لا يجدون ما يفطرون به فيستحقون الافطارات التي تقدمونها.. واذهبوا للِجان الأحياء ولِجان المساجد فانهم يعرفون الناس المحتاجين في الحِلَّة والحي ويمنحونهم زكاة بالسِر، فأمثالهم يجب أنْ تصلوهم.
+ فعلا هذا ما سنقوم به..
– ونحن نيابة عن أهل السودان كلهم نشكُر مبادرتكم هذه.. وانتم شباب تطمئنوننا بأنْ الوطن بخير حقيقة، وشكرا لكم فرداً فردا.. وتَسْلَموا يا غالين تَسْلَموا.
؛؛؛…؛؛؛؛

* بوست بعنوان “اكبر من الحروف”:
* علّقت في صفحة محمد بفيسبوك على الفيديو وعلى ما جرى بينه والشابين.
– فكتب محمد:
مرحباً دكتور عصام.. كما كتبت في (بوست) سابق في هذه الصفحة بعنوان “دعوة علي العشاء مع دكتور عصام محجوب الماحي”.. إنّ المثاقفات معك تحتاج أنْ يُفْرَد لها مساحات ومساحات لذا نفعل.. محبتي وسلامي لكم جميعا..
* ثُمّ وضع محمد على حائط صفحته (البوست) القصير التالي:
اكبر من الحروف
مع د. عصام محجوب الماحي
ما بيني ودكتور عصام ابتدأ مُنْذ عقد من الزمان عندما استضافنا في داره في بوخارست، فكانت سعادة المعرفة في اكتساب معرفة فضاءات فكر وثقافة جديدة كانت مقرونة كذلك بدهشة المائدة والأصناف السودانية التقليدية في قلب بوخارست والتي أعدّتها صنو روحه وأمّ عادل ويسري، مدام ماريانا..
ومن يومها دارات بِنَا الأيام وتعمّق رباط الإخاء والألفة والمودة..
والاهم الوجدان والفِكر قبل مداد الحروف والكلمات..
دائما ما أضعه في الأجواء لعلمي بتفضيلاته وهذه إحداها وما خطه عصام.
(ونشر محمد على حائط صفحته صورة ركّبها لتجْمعنا، وتعليقي على الفيديو بذات العنوان، “اكبر من الحروف”، ومنحه رقم (2) وبعده ردّه عليه بنفس العنوان بالرقم (3) وفاجأني بنشر رسالة كنت قد كتبتها في قروب (ضُلّ النيمة) بمنصة (واتساب) ومنحها العنوان ذاته والرقم (1).
؛؛؛…؛؛؛
– أعيد ترتيب النشر أدناه مُبْتدئاً بتعليقي على الفيديو (2) ثم ردّه عليه (3) لأعود وأخْتِم بالرسالة المُرقّمة (1) لأنّ لها قِصّة أخرى! فإلى تعليقي الذي نشره صديقي محمد تحت عنوان “اكبر من الحروف 2” وقد كتبت فيه:
جميل جداً يا جميل هذه اللفتة والمُحاضرة البارِعة.
مثل هذه اللّقطة، اللقطة، يجب أن تبثها كل قنوات التلفزة السودانية، توعيةً وتحقيقاً للتغيير المنشود.
بارك الله لك فيها صديقي محمد الأمين التجاني (أبو العواتِك) وفيما قدمته، مِمّا لا نَعْلَمه ويعلمه ربي، لمشروع أولئك الشباب وفي كلِ طيب تفعله يا طيب يا ابن طيب يتوسّد الطمأنينة وهو بين يدي رَبّه يسْنِده ابن تركه خلفه يفعل ما كان يفعل، فيستمر الفِعل الطيب وتتواصل عبادته إنْ شاء الله إلى يوم الدين.
هذا هو الدين الحنيف في حديث هو القرآن في أسْمَى معانيه وآياته المحفوظة عقلاً وقلباً، ونُطْقها بكلام الناس لأولاد الناس في شارع الله اكبر الذي جعلته يا صديقي مسجِداً صعدّت على منبره في صلاة جماعة اختار لك الله زمانها ومكانها وموعدها وتأصيل حركاتها، فقدّمت لنا خُطبة النُصح والتناصُح والشُكر أيضاً، فمَن لا يشْكُر الناس لا يَشْكُر رَبّه ولا يَشْكُرَه رَبّه فيوفقه، بعد أنْ ألقيته أمام أولي العزم والإرادة في صُنع التغيير.
وفق الله الشباب “من تلاتين سنة لتحت” وسدّد خُطاهم فإنّهم يقدِّمون لنا كل يوم درساً من كراسةِ ثورتهم المُسْتَمِرَّة والمحروسة والمُنْتَصِرَة دائماً وأبداً بإذن الله. عصام محجوب.
؛؛؛…؛؛؛
– وتحت عنوان “اكبر من الحروف (3) مع د. عصام محجوب الماحي” كتب محمد الأمين:
شُكراً علي كلماتك التي هي من فتي مُعلِّم، مؤدب، حفيّ بالناسِ والتجاربِ وليس بذلك غريب علي بيت الرمز الوالد محجوب الماحي عليه رضوان الله. بوركت وأسرتك وأهلك..
هي واحدة من محطات التشابه والالتقاء بيننا يا صديقي فهكذا كانت التربية من رجال بذلوا ما يَصْنع الفرق وما ادّخروا ليحدِثوا الفرق في الامتدادات الزمنية اللاحقة، لذا كان الهدي والاستمرارية بعدم انقطاع عملهم بسعي الأبناء.
وفي ضرورة الإضافة وإهداء اللمسة التي تصنع الفرق في الناس والأشياء..
حتي وإنْ كانت حروفاً مكتوبة أو منطوقة..
حتي ولو توجيهاً بسيطاً في ما يفيد.
تعرَف اني كتبت من قبل عن مأساة أهل السودان في البصارة وتواضع أدواتها وهو يؤثر بلا شك في الارتقاء إلى الأمام وهو امر مع الأيام صار شديد الوضوح ويؤشر إلى احتياج التدريب والتوجيه والقدوة..
سنوات الانتقال هي اصعب فترات الأمم وأكثرها هشاشة، ويزيد الأمر صُعوبة فيها عندما تُبْتلى بمعوِّقات الماضي التي لاتزال تشدّك للوراء رافضة التخلي عن تأثيرها أو الإفلات عن سيطرتها ويزيد الأمر سوء عندما تتواضع بعض أدوات الانتقال!
في السابق، عندما نكتب محللين الواقع ونستعرض بعض العوامل الكونية، يُنظر إلى ما نكتب بغربة وعدم اكتراث لولع الناس بالمادية أو المحسوس أو شغفهم فقط بأفة العصور (السياسة) والتي اسميها السلطان ولا يوقِّرون سواها وعدم فهمهم أو تقبلهم إيراد المعاني الكُبرى وكأنها خارج السياق والحسابات والتي عندي لها الحاكمية، فلا تزال أقدار الله ترُد الناس إليه وإلى مرجعية الغيب الكُبرى وهكذا هو الحال علي الدوام عندما ينفذ الله قدره في الأشياء يسلب أهل الحجا عقولهم فتتواضع مرجعيات العلوم البشرية وإمكانيات القوي العظمي الأرضيّة البشرية كما هو الحال اليوم!
نحن بلا شك أمام استحقاق كبير دخلنا زمانه وابتدأت سلسلة التغيير الذي لا يخضع لقانون أو منطق أو معرفة بشرية محدودة، كتبت عنه في داخل عدد من المقالات وفي مداخلات بهذه المجموعة (ضُل النيمة) التي ضمّتنا سنوات عددا، وإمامنا الكثير من الأحداث المتنوعة بمثل ما نشهد واكثر، فالإنسان ينسي أو يتناسى أحداث الاستخلاف علي الأرض وقصة السير الرئيسة في الحياة ولحظات تحولاتها الكُبرى في مجتمعات الإنسان المختلفة علي مراحل نموها وتشكُّلها ونذكِّر بها دائماً، فعندما بلغ السحر ما بلغ بين العالمين كانت “عصا موسي” لرِدِّ الناس إلى ما هو اعظم واكبر، وأيضاً عندما بلغ الطِب ما بلغ كانت قدرته في مَن “يحيي الموتى وإبراء الأكمّه والأبرص” والخاتمة الشاملة عندما برعوا في اللغة والفصاحة والبلاغة كانت معجزة “القرآن” مصحوباً بالأخلاق العظيمة لقوم أشد كُفراً ونِفاقاً… كتاب شامل ما فرّط الله فيه من شيء والذي فيه الطريق للمجتمع الفاضل مقصد الاستخلاف الإلهي والذي بشّرت به كل الرسالات بلا كهنوتية أو سلطوية، بل بالأخلاق التي مدح المحبوب الأعظم بعظيمها.
هي حيرة كبري تاهت فيها كل الأمم لأنّها تنكّبت طُرق الهدي المختلفة التي كان فيها البيان والتبيان وبوضوح وتفصيل وفضلت دروبا أخرى مليئة بما هو ادني علي الذي هو خير، وتلك هي المشيئة الإلهية العُظمى التي تتقاصر دونها ويتقزّم أمامها اليوم الإنسان الخليفة وما بلغه من مرجعيات علوم ومعارف وتطور. محبتي. محمد أمين أبو العواتِك.
؛؛؛…؛؛؛
أعود لاختِم برسالتي التي وضعها محمد الأمين على حائط صفحته تحت عنوان “أكبر من الحروف 1″، وقد قلت أنّها كانت عن قصّة أخرى، أرويها وأسرد تفاصيلها أدناه:

* هادية طلسم وحُبّ ما منظور مثيله:
رفعت لقروب (ضُل النيمة) فيديو لجلسة في صالون الصديق العزيز محمد الأمين (أبو العواتِك) ضمّت العديد من الأصدقاء، وبرغم أنّ (فنانها) كان المُطرب مبارك الشيخ فقد كانت لقطة الفيديو للصديق عادل سيد احمد يغنّي ….، وكتبت للقروب:
الفيديو أعلاه رفعه لِيَّ في الخاص الصديق العزيز محمد الأمين (أبو العواتِك) ظهر يوم الجمعة 17 يناير الجاري (2020)، وكتب معه الرسالة التالية: يا حبيب… والله كانت روحك معنا حضوراً بالأمس.. وعادل سيد احمد (ضرب) الحَمَام.
ليسمح لِيَّ صديقي أبو العواتِك أن أشْرِكَكُم بمتابعة الفيديو والاستمتاع به، كما أرجو أنْ يسمح لِيَّ بتعليقي التالي عليه:
ضمن الأشياء المُحبّبة لنفسي والتي تسِعد عيناي فاستمتع بالمشهدِ، منظر المكان الجميل وبالأخص النظيف، مثل صالون منزل أسْرَة صديقي محمد الأمين وحرمه المصون.
أتخيّل أنّ منزل ومكتب أبو العواتِك لا تغشاه الأترِبة و(الهبابيب) التي تترُك أثرها في كل الأمكنة في السودان عدا بيت ومكتب محمد الأمين. هل في ذلك سِر؟ هل يحوِّط منزله ومكتبه؟
ولذلك، وكثير من غير ذلك أيضاً، من بين أحب الأمكِنة التي أجِد نفسي فيها في السودان هي مكتبه، وبالأخص منزله..
إنّه أحبّ مكان..
أعشق زيارته في السودان.
أعرفه.
أرتاح فيه.
مدخله. حيطانه. ستائره وكل قطعة فيه موضوعة في مكانها الصحيح. بلْ لها معنى وحكاية.
أعرف مقاعِده الوثيرة وأسترخى عليها، وحتّى عندما يجَدِدها صاحب البيت تَحِس بانك صديق لكل جديد أتى به، فكل شيء يأخذ من باب الصالون الواسع، مِساحته المُخصّصة له. لا يترهّل فتضيع فيه، ولا يضيِّق عليك خاطِر.
أتذوّق بمُتْعة طيِّبات موائد المكان وتنوّعها، ففيها نَفَس وروح سِت البيت في طهي أشهاها. موضوعة ومرصوصة في مائدةٍ مُمْتدّةٍ بامْتِدادِ كرمِ أهل البيت لننتقِل إليها ونحيط بها. وطاولات و(طقطوقات) خشبية وزجاجية، عديدات قصيرات تجاوِر مقعدك، تجعل الأشياء قريبة إليك وكل الخيارات موضوعة غير مرفوعة ومُتاحة في “حاتمية” موروثة رِحْماً برِحمٍ، أباً عن جِدٍّ. طوبي لِمَن وضع بذرتها الأولى فأعادت إنتاج نفسها.
أعرف كل ذلك وأشتاق إليه ولعزف الفنان مبارك الشيخ على العودِ وهو يُغني فيطرَب ويطرِب، باختياراته واستجابته لما يطلبه ضيوف صديقي أبو العواتِك.
لذلك كنت حضوراً للجلسة العامِرة بأصدقاءٍ جُدُدٍ في صالونِ أبي العواتِك.. باعتبار ذكريات ما كان، وإعْمال الخيال حول ما سيكون، فاحضر من البُعْدِ مُشارِكاً (بشريحتين) وفي ذهني جلسة سابقة وأخرى قادمة إنْ شاء الله، وعيوني وسمعي في تبادل لحالة اندهاش، تارة بالنَظرِ وأخرى بالسَمعِ، أطبقتا عَلَيّ لتكتمِل مُتْعَة متابعة بعض مِمّا جرى في جًلْسَة غِبْت عنها جسداً.
تَنَقَلْت بين الحضور.. لَدَيّ مع كل منهم حديث لمْ يكتمِل بعد، وذكريات باقية لا تموت. كيف لا وقد جَمَعَت الجلسة أعزاء أحتاج فعلاً لأنْ يقول لِيَّ كل منهم “شيئاً من حتَّى” لتركيز فَهْم ما يجري، لا في السودان لوحده، فإحاطتهم بالقضايا أوسع وأعمق.
عندما يكون الحضور أنيقاً، حقيقةً ومجازاً، كيف لا تجلس بقرب (هذا) ليهمس لك بحديثٍ تطمئن به على رصانةِ طرح الفِكْرَة، وقبل أنْ تنتقِل لأخرى يكون قد منحك كل الثقة في نفسك بطاقةٍ إيجابيةٍ تحيط به، فما عليك إلّا أنْ تكون في مُحيطه لتأخُذ منها.
وكيف لا تقترِب من مقعد (ذاك) وكلما تَقْرَأ له يزيد إعجابك به وتسْعِدَك محادثته هاتفياً، فماذا إذا توفرت لك فرصة مجالسته؟ حتماً ستنتقِل لمُجاورته مُستمِعاً صامتاً ومُسْتمْتِعاً.
وعن (تلك) التي سأخُصّها بذكر اسمها، حَدِّث بفرحٍ وإعجاب، ويكفي أنّ صاحب البيت العامر استقبلها بطلاوة وحلاوة وعذوبة “نَوَّر بيتنا”، ومثل ذلك الاحتفاء في ذلك المكان لا يصير إلَّا لهادية طلسم.. حتماً تركت البُلْبُلة عِطْر حديثها في صالون الأخ العزيز محمد الأمين.
وفيما يتعلق بصديقي عادل سيد احمد، لا أقول إلّا أنّه أطرَبني مُغنيّاً كما يقنِعني كاتِباً. يكتُب وكأنّه يغنّي فيقْنِع، ويغنّي وكأنّه يكتُب فيطرِب.. ياااااه كيف يفعل ذلك؟
مِن “هنا ورايح” سيصبح كلما يفعله عادل مقروناً بذلك المشهد الذي برع في التقاطه نجم الجلسة القابع خلف عدسة التصوير، عُمَر محمد الأمين.. وأسْعَدَني انّه فاز بلقطةٍ مع هادية.
عندما كنت في عُمْره، كنت أهيم بحُبِّ البلابل، ولم يكن حينها مُتاحاً أنْ أسجِّل حُبّي لهادية بمِثلِ تلك اللقطةِ.
هنيئاً لهادية بها.
في عُمَر محمد الأمين وفي عُمْرِهِ، نجِد أنفُسنا نحن الجيل الذي أحْبَبْنا هادية. كل فَرْدٍ مِنَّا كانت هادية حبيبته.
لَمْ نَكُنْ نغِير من بعض أو على بعض، كنا واثقين أنّ قلبها يسِعُنا جميعاً. كانت هادية وطن.
كيف استطاعت هادية أنْ تقَسِّم علينا الحُب، فتحبّني ذات حبّها لأبي العواتِك وشقيقه الأكبر محمد المرضي ومصعب الصاوي وطارق كبلو والأخوين يوسف وعادل سيد احمد والمحبوب عبد السلام ود. احمد عبد الحليم الذي حدَّث الحضور عن الراحلَين المقيمَين طلسم ومحمد وردي بكلامِ العارفين حقّاً، ومحمد عبد القادر ومنتصر والفنان مبارك الشيخ ومَن صاحَبَه على الكمانِ والطبلةِ؟ وأخيراً وليس آخراً نحمد الله أنْ عِشنا ليتقاسم معنا حبّ هادية أجيال جديدة يمَثِّلُها علاء يوسف وقريبه مازن وقد تمتّعا بالمُشاركة في مجلِسٍ ما منظور مثيله، حديثاً وطرباً، فهل سمح لهما صديقي عادل ليتقاسما صدر حمَامَة من وجبتي المُفضّلة التي علمت أنّه (كوَّش) عليها؟
كانت جلسة حلوة. جميلة. مُمْتِعة.. أسْعَدْتّني بها أخي محمد الأمين، بطَيِّ المسافات بما رفعته ليّ من فيديوهات لمتابعتها والإحساس بحضورها.. والأجمل قادِم إنْ شاء الله.
شكراً محمد الأمين.
شكراً لزوجتك والأبناء الأعزاء لكرمِ الضيافة والحُبّ الذي يحيطوننا به دائماً.
عصام محجوب الماحي
بوخارست – رومانيا،
الثلاثاء 21 يناير 2020
؛؛؛…؛؛؛
نقلاً عن صحيفة (السوداني) السبت 23 ابريل 2022
isammahgoub@gmail.com
/////////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات