افتراء العسـكر وبهـم على السيـاسـيين  .. بقـلم: عمـر العمـر


 رهن الانقلابات العسكرية إلى إخفاق القوى السياسية ي إدارة الشأن العام لمصلحة الشب ولوطن تبرير مخل لا يجسد سوى  رأس جبل الجليد. فالمؤسسة العسكرية موبوءة أصلا بفيروس شهوة السلطة  حداً شبّعها بنهم الإنقضاض على التجارب الديمقراطية. فالتاريخ يحفل بتواتر المحاولات الإنقلابية الناجحة كما الفاشلة ضد الأنظمة الديمقراطية والشمولية. تلك ظاهرة تؤكد توطّن الثقافة الإنقلابية داخل المؤسسة لعسكرية. هي ظاهرةٌ حملتها رياح التأثير الوافدة دوماً من الشمال. فمثلما غمست القاهرة أياديها في لجة السياسة وربما الثقافة السودانية فعلت في اوساط العسكر نشاط الصاغ صلاح سالم المبكر في المشهد السوداني استهدف ثلة من الضباط. ربما من منطلق الرهان على حسم رهانات الثورة المصرية في السودان من داخل الجيش إذا لم تفلح الوسائط السياسية.
***   ***   ***
   الصاغ سالم استدرج ثلة من العسكر شكلوا فيما بعد نواة للتيار العروبي داخل الجيش .  بين أولئك الضابط البكباشي يعقوب كبيدة ،زميله محمود حسيب .كلاهما تزوجا مصريتين. وثالثهما محمد عيسى. الأول تم عدامه بعد مشاركته حركة إنقلابية إبان نظام عبود. الثاني شارك في إنقلاب مايو ضمن غالبية من العروبيين  المشاركين في ذلك الإنقلاب إلى جانب عدد من الضباط الشيوعيين. من الواضح تنامي النواة البكر في صيغة الضباط الأحرار على نسق التجربة المصرية. على المنوال ذاته نسج التيار الإسلامي تنظيما داخل المؤسسة العسكرية. قياداته ساهمت في الإنقضاض على التجربة الديمقراطية الثالثة. من داخل التنظيم نفسه بدأ مبكرا مخطط إجهاض ديسمبر البازخة . عدد من الإسلاميين يعزون إنهيار النظام إلى خيانة من داخل التنظيم .
***    ** *        ***
لعل هذا السرد التاريخي المقتضب يبرئ الحزبين التقليديين من المساهمة في تعشيش العمل السياسي داخل المؤسسة العسكرية. ربما لانهما يتمتعان بثقل في الشارع السياسي لم يحوجهما إلى محاولة إختراق الجيش. أو ربما لقناعاتهما برفض تسييس الجيش أو لعل مرد ذلك إلى ضعف قدراتهما التنظيمية لكن حزب الأمة لم يتورع عن محاولة مقارعة الجيش نفسه عندما رأى لابد مما ليس منه بد فركب مغامرة الإنقلاب من وراء الحدود  عبر مغامرة محمد نور سعد  ” الغزو”. أما الحزب الإتحادي فاستكان إلى ظهيره المصري مراهنا على ثقل طائفة الختمية غير النزاعة إلى العنف . فعقلية صنعة القرار السياسي في القاهرة لم تكن على قناعة ببدع الصاغ صلاح سالم  في السودان. بل سبق الرهان المصري على الخيار السياسي الثورة الناصرية.
***   ***   ***
  ففي سياق جهود القاهرة من أجل إبقاء السودان تحت المظلة المصرية عمد الأمير عمر طوسون إلى إيفاد ثلة من السودانيين للدراسات العايا في فرنسا بغية استثمارهم في  العمل السياسي بغية تحقيق غايات  القاهرة تلك. من بين تلك النخبة المنتقاة أحمد السيد حمد، عقيل أحمد عقيل ومحي الدين صابر.
عقب عودتهم إلى الخرطوم إنخرط ” الدكاترة الثلاثة ” كما بات يسميهم منافسوهم في صفوف الحركة الإتحادية كتابة وخطابة . للمفارقة أطلق عددٌ من الساسة  على الدكاترة الثلاثة لقب” أولاد طوسون” . ربما ليس على ذلك المنوال أمست نخبة من الدبلوماسيين تحمل لقب” أولاد منصور”. غالبيتهم إن لم يكن كلهم ممن تلقى دراساتهم في فرنسا. عمر طوسون سليل العائلة المالكة في مصر تميّز بتعليم عالٍ  وثقافة غزيرة. البريطانيون عرضوا عليه عرش مصر لكنه لم يتجاوب مع العرض.
***   ***   ***
   إدانة القوى السياسية بالإخفاق الوطني  حداَ يبيح للعسكر القفز إلى السلطة يقفز فوق السياق السياسي التاريخي. كما أن هذا الحكم يُبنى على حيثيات غير متكاملة وفرضيات ليست متماسكة منطقيا فهناك تباين في الروايات عمّا إذا كان إنقلاب عبود جرى بموجب إتفاق بين رئيس الوزراء – عبدالله خليل – والقائد العام للجيش – الفريق إبراهيم عبود-   من وراء ظهر حزب الأمة أم   جرى بناء على موقف الحزب . فبغض النظر عما إذا تمت العملية بمبادرة ذات طابع شخصي أو حزبي فالثابت في الوثائق وفقا لدراسة أعدها المرجع القانوني الضليع والمؤرخ السياسي البحاثة  أستاذنا الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه فإن أيدِ خارجية كانت تعبث خفية بهدف ما أسمته الوثائق “زعزعة استقرار الوطن”.
***   ***   ***
 تلك ليست هي الحجة الداحضة الوحيدة للفرضية غير الناضجة. ففي السياق الدستوري ماكان للقائد العام للجيش حق البت في مسألة على تلك الدرجة من الأهمية دون الرجوع إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة المتمثل في رأس الدولة – مجلس السيادة – وفق دستور 1957.لكن تلك المغامرة وجدت ترحابا من قيادات الجيش المشبع بالثقافة الإنقلابية حداَ أفقد كبار الجنرالات ميزة الإنضباط المعروف عنهم .لنا حق التصور فيما لو لم يقبل عبود العرض أو تلقى أمرا من القائد الأعلى بالرفض. فرغم تعدد الرواة والروايات لم يذكر مصدر مدى علم مجلس السيادة بتلك المغامرة ذات التأثير العميق في تكريس النهج الإنقلابي بدعوى إخفاق القوى السياسية وحجج إنقاذ البلاد.تلك الغفلة جعلتنا نرحب بالإنقلاب مرددين “هبّ الشعب طرد جلاده. انظام عبود تعرض إلى سلسة من المحاولات الإنقلابية كلها بدافع الثقافة الإنقلابية دونما اسهداف إصلاح الحال العام.ذلك النظام فتح الأفق أمام جلادي الشعب يعيقون بناء منظومته الديمقراطية.
***   ***   ***
   أكثر من سابقه يعري إنقلاب مايو إنتشار ثقافة الإنقلاب خارج الثكنات العسكرية صحيح إالشهد السياسي اتسم بقدر من التخثر الحزبي لكن مداواة تلك الآفة بواسطة الجنرالات أفضى إلى استفحال دوائر التخثر. فثقافة الإنقلاب  لم تعد سراً عسكريا. قطاع شعبي عريض تعرّف على جعفر النميري قائدا مرتقباً لإنقلاب متوقعِ قبل تنفيذه  بفترة ليست وجيزة. فاستشراء تلك الثقافة داخل المؤسسة العسكرية وخارجها ألبس عددا من الضباط لباس البطولات الشعبية المشوهة صورة عبد الناصر في الذهنية الشعبية على اتساع  الوطن العربي شحذت روح وطموحات الضباط الذاتية. ذلك الزيف صم الآذان فلم تعد تصغي لحكمة رجل دولة بقامة المحجوب حينما قال علاج اخطاء الديمقراطية في المزيد من الديمقراطية. لنا حق التصور لو أننا اهتدينا بمقولة السياسي البارع .فكم كنا سنختزل من الجهد المعطل  والوقت المهدر على درب البناء الوطني.
***   ***   ***
استشراء الثقافة نفسها  جعل ضباطا من انتماءات متباينة في سباق محموم بغية قطع الطريق أمام الصبر على معالجة أخطائنا بالديمقراطية. ذلك السباق المحموم حمل الجبهة الإسلامية لتنفيذ إنقلاب مستعينة بعناصر من خارج الثكنات العسكرية. هذه بدعة فتحت الباب أمام  تنفيذ إنقلاب عل النسق من داخل النظام ضد عرابه. هكذا تفشت ثقافة الإنقلاب في المشهد السياسي حتى توالت إنقلابات داخل الإنقلاب الواحد. حدث ذلك ذلك إبان مايو ثم تكاثر تحت الإنقاذ لذلك لم نستبن حقيقة الإنقلاب على ثورتنا المجيدة ليلة تنصيب سلطتها تحت تأثير القراءة الخاطئة و التبرير الساذج لدور الجنرالات السياسي الموهوم . هي العقلية السائدة  نفسها منذ ليلة 17 نوفمبر1958.
***    ***   ***
ما يحدث حاليا يشكل صورة حيّة لإستفحال الثقافة الإنقلابية وتشبع الضباط بها . فالجنرال القابض على مفاصل السلطة يتوغل في الدم غير آبه بجموع الشعب الهادرة بالرفض في الشوارع. مع ذلك لا نزال نتوغل في الغفلة دون أدنى محاولة من أجل معالجة جذور الأزمة داخل المؤسسة العسكرية فالسير على ذلك الدرب يزيد حتما تكريس ثقافة الإنقلاب على نحو أكثر حدة وأشد خطورة. فالكلام عن تسريع دمج الميلشيات داخل القوات المسلحة في ظل التشرزم الراهن والإنغلاق الفكري السائد يزيد لامحالة من تفشي الثقافة الإنقلابية داخل المؤسسة العسكرية على نحو لن يعود  السباق فيه  بين تيارات سياسية أوأيديولوجية بل  ينهض على  تنافس مريض مشحون بنزعات جهوية قبلية. تلك هي المصيبة الكبرى في شأن السلم الإجتماعي وسلامة الوطن.
aloomar@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares

0 تعليقات