الانتخابات الإنتقالية العاجلة هى المخرج من أزمة السودان الراهنة .. بقلم: د. محمد المنير أحمد صفى الدين


ملخص:
فكرة الإنتخابات الإنتقالية العاجلة ترمى لتكوين حكومة مدنية منتخبة فى ظل ظروف معقدة وغير مثالية لتقوم بإدارة الفترة الإنتقالية قصيرة المدى بتفويض من الشعب يتيح لها وضع مسودة الدستور الجديد وطرحه فى استفتاء عام، إعادة النازجين والمهجرين، والقيام بإحصاء سكانى وإعداد سجل متكامل للناخبين بغرض إجراء الإنتخابات المثالية التى ينشدها أهل السودان فى أقرب وقت.
وصف الأزمة السياسة الراهنة:
الأزمة السياسية التى يعيشها السودان حاليا تتمثل فى الصراع حول السلطة بين معسكرين: معسكر القوى المدنية ومعسكر القوى العسكرية. القوى المدنية تتمثل فى الأحزاب السياسية داخل وخارج قحت (الأم) اضافة الى الحراك المدنى المتمثل فى لجان المقاومة. بينما تتمثل القوى العسكرية فى القوات المسلحة بما فيها الدعم السريع والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا. القوى المدنية ترى أنها الأحق بحكم السودان إكمالا للتحول الديمقراطى الذى بدأ باسقاط الإنقاذ ويتجه نحو تأسيس دولة الحرية والسلام والعدالة. القوات المسلحة ترى أنها أكبر مؤسسة قومية رسمية تملك شرعية حكم السودان فى ظل غياب حكومة مدنية منتخبة. بموجب قانون القوات المسلحة، فإن الدعم السريع جزء من القوات المسلحة. أما الحركات المسلحة فإنها تتخندق مع القوات المسلحة لسببين رئيسيين: الأمل فى الإندماج فى القوات المسلحة، ومشاركة القوات المسلحة عقلية سيادة البندقية وسطوتها على أى حراك مدنى سلمى.

خطورة الوضع الحالى:
هناك شبه إجماع أن الأزمة السياسية وحالة الإحتقان والتصعيد الذى يشهده السودان هو أكبر مهدد للأمن القومى ولوحدة وتماسك السودان، ناهيك عن الشلل الذى أصاب الإقتصاد وإنعكاساته المباشرة على معيشة المواطن. إن الأرواح البريئة التى تسفك يوميا فى كل أنحاء وبقاع السودان لهى كفيلة أن تحرك من كان فى قلبه مثقال ذرة من خشية الله وحب للوطن ولأهله أن يقف موقفا تشهده له الأجيال القادمة وربما يكون له ذخرا يوم أن يلقى الله تعالى.

لماذا إنتخابات عاجلة:
فى غياب إتفاق فاعل بين القوى المدنية والعسكرية على صيغة حكومة إنتقالية سيستمر أمد الإحتقان الراهن وسيفضى الإحتقان الى مواجهة دموية. وحتى إذا لم تنزلق البلاد الى مواجهة دموية كاسحة، فإن تدهور الإقتصاد ومعيشة المواطن نتيجة توجه الطاقات الجماهيرية الى تصيعد الحراك المدنى بدلا عن انتاج السلع والخدمات سيقود الى الجوع ونقص الأنفس وارتفاع معدل الجرائم بكل أنواعها. والسودان هو الخاسر فى كل الأحوال. ومن الصعب أن نتوقع التوصل الى إتفاق فاعل ومستدام الى نهاية الفترة الإنتقالية (حسب الوثيقة الدستورية) بين القوى العسكرية والمدنية لإنعدام الثقة بين الطرفين بشكل كامل. وفى ظل هذا الوضع سيتمسك القادة الحاليون للمؤسسة العسكرية بموقفهم ولن يكون أمام القوى المدنية خيارات ناجعة لإنهاء الأزمة. وعلينا كسودانيين ألّا ننتظر أن يهبط علينا حل من السماء أو من خارج البلاد. فى ظل هذا الوضع علينا أن نُفعّل مبدأ “الحكم للشعب” بأن نتيح للشعب أن يقول كلمته من خلال انتخابات عامة تحت اشراف دولى كما هو العرف الديمقراطى.

تخوفات من الإنتخابات العاجلة:
حتما إن فكرة الإنتخابات العاجلة غير مستساقة لأى طرف من الأطراف فى الوقت الحالى. القادة الحاليون للمؤسسة العسكرية سيخسرون الهيمنة السياسية بحجة أنهم الأحق بالحكم فى غياب حكومة منتخبة أو توافق يرضون عنه. الأحزاب السياسة كل منها يطمع فى الإنفراد بحكومة منتخبة لذا يرغب فى المزيد من الوقت لتنظيم صفوف حزبه وقواعده الجماهيرية. لجان المقاومة تمثل حراكا جماهيريا على مستوى قواعد جغرافية (أحياء سكنية) ضيقة النطاق وتفتقر الى قيادة توحد هذا الأرخبيل من اللجان. أيضا، الكثير من الفاعلين فى الساحة وضعوا سقفا عاليا من الشروط الواجب توافرها وتحقيقها قبل إجراء الإنتخابات العامة مثل التعداد السكانى وعودة النازحين والمهجرين الى قراهم. ربما تكون هذه الشروط مهمة لتحيقيق وضع ومناخ مثاليين لإجراء الإنتخابات. ولكن تحقيق هذه الشروط يتاخر ويتباعد يوما بعد يوم فى ظل الوضع السياسى المتأزم ومن المستحيل أن يتحقق هذان الشرطان حتى فى عام 2025، ناهيك عن تحققهما فى عام 2023. ومن ناحية أخرى، فإن الخروج من المأزق السياسى والأمنى الذى يواجهه السودان حاليا لا يحتمل إنتظار تحقق الشروط المثلى، نحن أمام أن يكون السودان أو لايكون. لذا فإن فكرة الإنتخابات “الإنتقالية” العاجلة ترمى لتكوين حكومة مدنية منتخبة قصيرة المدى تقوم بإدارة الفترة الإنتقالية بتفويض من الشعب يتيح لها وضع مسودة الدستور الجديد وطرحها فى استفتاء عام، إعادة النازجين والمهجرين، والقيام بإحصاء سكانى وإعداد سجل متكامل للناخبين بغرض إجراء إنتخابات مثالية ينشدها أهل السودان فى أقرب وقت. لا شك فى أن إجراء إنتخابات إنتقالية عاجلة له تكلفة مالية عالية، ولكنها فى تقديرى تكلفة مالية وثمن لابد منه لإنقاذ البلاد من الضياع.

كيف يكون الإعداد لإنتخابات “إنتقالية” عاجلة:
على القوى المدنية أن تتبنى عقلية واستراتيجية جديدة فيما يتعلق بالإنتخابات الإنتقالية العاجلة، لن يكون فى مقدور أيٍ من مكونات القوى المدنية أن تكتسح هذه الإنتخابات وتنفرد بالحكم، ولن يكون إنفراد أى منها بالحكم فى مصلحة السودان. لذا فإن عليها أن تتفق على قائمة او قوائم موحدة قبل النزول للإنتخابات بناءا على إتساع أو ضيق التحالفات التى يمكنها أن تتوصل اليها. وعلى لجان المقاومة أن تتحرك فى نفس هذا الإتجاه لتكوين تكتلات إنتخابية حسب نطاق الأحياء السكنية والدوائر الإنتخابية التى تنتمى لها.
فى ظل الحراك الجماهيرى الثورى الذى يقوده الشباب والذى إنتظم كل السودان ليس لدى شك فى أن هذا الشعب قادر على حماية ثورته وانتخاباته من التزوير أو الإختطاف من قبل أعداء هذه الثورة. شباب السودان اليوم يشهد وعيا وإرادة سياسة وقدرة على التداعى والعمل الجماعى لم يعرف له مثيل من قبل، وهذا هو صمام الأمان.

رسالة الى البرهان وحمدوك وقحت:
آمل أن تجدوا فى مقترح الانتخابات الإنتقالية العاجلة رؤية تجمعون بها الشمل وتجنبون بها السودان مزالق الهلاك، السودان أكبر من أشخاص أى قيادة سياسة وعسكرية مهما عظمت. إجراء إنتخابات إنتقالية عاجلة قد تصبح هى مهمة حمدوك المتوافق عليها وليس تكوين وإدارة حكومة إنتقالية إنقطع الأمل فى التوافق عليها.

24 ديسمبر 2021
msafieldin@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات