التـدحـرج داخـل الهـاويـة .. بقلـم: عمـر العمـر


من فرط إنشغالنا بالسياسة فرّطنا في الإشتغال عليها اإذ أهملنا بث الوعي حتى برزت من بينا فئة ضالة تتسلق جدار الدولة بكل المخالب غير السياسية وغيرالأخلاقية. رغم منح المفكر الإيطالي ميكيافيلي ” الأمير”
الحاكم مشروعية استخدام وسيلة العنف من أجل الحفاظ على السلطة إلا أنه اسمى تلك الوسيلة بطبيعة الحيوان. المفكر العربي ابن خلدون أبان رؤية مغايرة في السياق نفسه إذ أشار إلى ” كلما بُني الحكم على القهر أصبحت الرعية تعيش في الخوف والذل ،من ثم في فساد الأخلاق و على الحاكم توقع إنقلاب رعيته عليه.” ماكس فيبر يرى مشروعية العنف حفاظا على السلطة لكنه يقيد تلك المشروعية بعدم إنتهاك كرامة الإنسان أوالذهاب إلى ممارسة الإبادة الجماعية. لعل هذه الرؤى تؤطر مشهدنا السياسي الراهن حبيس الهاوية حيث جرفتنا الشلة الإنقلابية.
*** *** ***
من فرط توغلنا في الصراع على السلطة داخل الهاوبة أهملنا مهمة الحفاظ على الدولة نفسها حتى غدت في مرحلة التلاشي.فالدولة في أبسط تعريفاتها وفق القانون الدولي وطن ذو حدود واضحة وسكان معروفون وحكومة مهيمنة ذات كفاءة في التعاقد مع العالم من حولها. لعل هيمنة الدولة مسألة تنطوي على مفارقة بين فرض السيادة واستخدام العنف. هذه مفارقة ينبغي معالجتها عبر الفرز بين الشدة ة والقسوة. فالعمففي كل الأحوال يبقى دائما هو الخيار البائس.هو يمسي أكثر بؤسا حينما تلجأ الدولة عبره إلى تحطيم القانون بالعقوبات الجسدية ضد المواطنين.هو في الوقت نفسه أكثر بؤسا عندما يفضح عجز الحاكم أزاء توفير الحد الأدنى من سبل الحياة اليومية الكريمة أمام المواطنين.
*** *** ***
على الرغم من العنف المفرط لا نزال القوة الإنقلابية عاجزة عن تشكيل سلطة تنفيذية طوال قرابة ثلاثة شهور. أكثر كن ذلك فقرا ووهنا تشبث وزير المالية بمنصبه دون سند دستوري أو وازع اخلاقي. هو يفعل ذلك بمنطق حقٍ جهوي مزيّف مسنود بوهم ميلشيا مسلحة . كلها دعاوى تفضح التوغل الخطأ في الإنشغال بالسياسة دون الإشتغال ببث الوعي وسط المنشغلين بها من العجزة العاجزينو الهواة الجدد. تلك عاهات تعكس تآءكل قوة الإنقلابيين تجاه الحفاظ على هيبة الدولة.فممارسة وزير المالية ليست غير تعبير عن الصراع بين مراكز القوى على دولة مغيّبة.هذا هوالجانب الفاضح من صراع أشباه الساسة المتبطلين ممن امتهنوا لعبة السياسة وسيلة لكسب العيش. جانب آخر من غياب الدولة تبدى في أصطناع آلية سياسية محل مجلس الوزراء من وكلاء الوزارات بغية إجازة الموازنة السنوية للدولة!
*** *** ***
في سياق المحاولات المحمومة بغية تخليق حاضنة سياسية تلجأ القوة الإنقلابية إلى الإستعانة بمظلة قبلية واهية. مقتل الفكرة يتجسد في أن الإحتماء بحضن القبيلة ليس غير ردة سيسيولوجية إذ هي نكوصٌ إلى مرحلة ما قبل الدولة.هذا لعمري هو العمى الصُراح وفقدان الرؤية على استبصار سبل الخروج من المأزق المستحكم. فالتعصّب لقبيلة أو جهة عدوان مكبوت يترجم نفسه بوسائل بدائية. في الفكرالسياسي والميزان الأخلاقي كل خطأ يلحق الأذى بالشعب هو مثابة ذنب غير القابل للغفران. هو كذلك عنادٌ ضار.
فالعناد كما يقول منصور خالد – عطّر اله مرقده- هو رد الحق رغم معرفتك إياه. كما أن إخضاع الشأن العام للمزاج الذاتي بمثابة فجور بيّنٌ فشخصنة الأمورعند أستاذنا الراحل تنبئ عن فجور عن الحق.
*** *** ***
من حق المواطنين على الدولة تأمين سلامة الوطن ووحدته ، ضمان حقوقهم وتوقير كرامتهم.وضع سلطة الإنقلابيين في كفة الميزان المقابلة يكشف خسرانها المبين. فمابالك إذا زدنا على الميزان وضع المصالح العليا للشعب والوطن فوق رغبات الحاكم البلهاء في تكريس السلطة بين يديه؟.فمهوم بسط الأمن يرتبط بأمن الشعب ليس بأمن الحكومة كما قال الحكيم الأفريقي نيلسون مانديلا. لكن الإنقلابيين عندنا لا يرعون عن ممارسة غطرسة العنف ضد الشباب السلميين . هم لم يسمعوا- وا إسلاماه- قولة ابي بكرالصديق” لا اريد أن ألقى الله ويداي ملطخة بدماء المسلمين ” مع أن أبا بكر كان في مكانة المدافع عن الحق ليس عن السلطة المغتصبة!
*** *** ***
جوهر السياسة وغايتها إدارة المجتمع ومصالحه.لكنها في الوقت نفسه أضحت علما “يستلزم استشراف نتائج القرارات “.حينما تغيب الرؤية الإستراتيجية ويصبح القرار عملا عشوائيا كما هو الحال فإن المرء يساوره القلق على حال الشعب بعد اسبوعين على الأكثر. فهذه الدولة المتهالكة من الداخل ستعجز لامحالة عن توفير أساسيات مقومات الحياة اليومية لهذا الشعب.سيتدحرج الشعب حتما داخل هاوية ظلت تتدحرج فيها الدولة والوطن منذ بدء الحركة الإنقلابية في الخامس والعشرين من أكتوبر الأخير.مؤشرات سوق الدولار يتكلم بفصاحة بليغة في هذا الصدد. في هذا الوطن خيارات وفيرة تكفي لتامين حاجات كل الشعب لكن يبدو أن أطماع قيادات الميلشيات العابرة أكبر من إشباعها. غداً ستخرج كل العائلات إلى الشوارع ضد الإستبداد وحملة الأجندة القديمة وخناقات الأزمات .آلية القمع العمياء ستصبح بدورها عاجزة حتما وربما يصيبها عطبّ ذاتي داخلي عالبا.فكل سلطة لأ تؤمن للمواطن كرامته، عيشه، وحقه في التعلم والتطبب إلى زوال لامحالة.
*** *** ***
وقتئذٍ لن تعودوا إلى السطح إذ ستنهار عليكم بئر الهاوية. فالتوافق لم يعد مصطلحا هلامياً كما داب الراحل عمر نور الدائم – نور الله قبره- على توصيفه بل انتم ابتذلتموه حتى تخطت الحركة الجماهيرية دلالته فلم يعد له مضمون في واقعنا السياسي.أنتم أغلقتم أفقا أمام ثورة تحررت من أسورة الأيديولوجيا وتحلت بقلائد القيم والأخلاق. كل طموحات الثوار لم تتجاوزحقوقهم في العمل، حرية الرأي وسيادة القانون. من اجل ذلك قدموا تنازلات وتضحيات. فوراجهتموهم بالقمع خوفا من الحرية والرأي المغايرفعلتم ذلك لأنكم تنشأتم على التفكير بالإنابة عنكم فارتضيتم آلية غير مشروعة ترفع الجاهل وتحط من قدر العالم. تلك الهاوية الكبرى وعمقها ثلاثون عاما .

*** *** ***
aloomar@gmail.com
////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات