السيد علي الميرغني كان موسوعة علمية شهد بذلك العقاد وكان سياسيا محنكا من غير دعاية واعلان !!.. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي


في العام ١٩٦٨ وقبل حلول امتحانات الشهادة المدرسية السودانية التي كانت تجري في مارس الذي كان يحلو للطلاب تسميته بشهر الكوارث نسبة الجلوس للشهادة في ذاك الزمان مثل الجلوس علي الجمر وقد كانت الامتحانات جد جد ليس فيها هظار مثلما يحدث اليوم وقد تراجعت الشهادة الثانوية حتي كاد يطويها النسيان بل تراجع التعليم نفسه وصار نسيا منسيا !!..
كنا في حنتوب أسري الداخليات والمدرسة مغلقة بالضبة والمفتاح والمعلمون في إضراب مفتوح حتي يستجاب لمطالبهم ومن بينها زيادة الرواتب وللحقيقة والتاريخ فإن المعلم الوحيد الذي لم يشارك في الإضراب ووقف بجانب الطلاب في ذاك الوقت العصيب كان رئيس شعبة التربية الإسلامية الأستاذ المهذب الراقي محمود يوسف وبذل جهدا في تدريس الفصول الستة مادته المتخصص فيها مع اللغة العربية والتاريخ !!..
ونحن نترقب الامتحان ولا نستطيع مبارحة المدرسة الي اهلنا لأنهم اول من يستنكر تركنا لساحة المعركة ويرون أنه لا بد من النضال لآخر رمق رغم أن المعلمين نفذوا إضرابهم في وقت حرج وتركونا نهبا للوساوس والخوف من المجهول !!..
ونحن في هذا الهم الكبير والشر المستطير وردت الأنباء الصاعقة برحيل ( ابو الوطنية ) السيد علي الميرغني الي دار الخلود وبما اني من بيت ختمي عريق فقد حزمت امري وحقيبتي ويممت شطر مسقط رأسي وقلت لابي وقد كان في أشد الحزن لرحيل شيخه نعم منحونا إجازة ليوم واحد للمشاركة في مواراة الراحل الثري والترحم عليه !!..
التحق الميرغني بالأزهر الشريف في سن باكرة وأظهر نبوغا بارزا مما اذهل أساتذته وحاز على شهادة ( العالمية ) بتفوق عال وهمة وطموح كبيرين وقفل راجعا لبلاده الحبيبة السودان وجاءه الدور ليكون مسؤولا عن الطائفة الختمية وراعيا للحزب الوطني الاتحادي الذي كان مكتبه السياسي يضم الافذاذ علي رأسهم الزعيم الأزهري الذي اشتهرت مقولته في حق الميرغني :
( كان عندما يشكل علينا شيء نتجه الي الأسد الرابض في حلة خوجلي ) !!..
بالمناسبة السيد يحيي الفضلي أحد دهاقنة الحزب لم تكن علاقته حميمة مع الميرغني وكان يتفوه بما لا يليق بهذا الرمز الاسطورة والميرغني بما يحمله من قلب ابوي ظل صامتا علي شطحات يحيي الفضلي الملقب بالدينمو لانه كانت كتلة من النشاط والحيوية الي أن لمس هذا الدينمو المتمرد علي زعيم الختمية وراعي الحزب الوطني الاتحادي وقال قولته التي أصبحت مثلا :
( مولانا السيد علي الميرغني كالشجرة نرميه بالحجر فيرمينا بالثمر ) !!..
عرف عن الزعيم الختمي الكبير أنه كان يمارس السياسة من غير دعاية واعلان ومن وراء حجاب ولم يكن يدلي باي تصريحات وكان يبعث برسائله لمن يهمهم الأمر مباشرة وفي وضوح تام ، وقد حكي صاحب الروزنامة القانوني الشاعر الأديب المثقف كمال الجزولي أن الميرغني بعث يحيي الفضلي للخواجة كمبوني ليبلغه أن أبنائه سيلتحقون بمؤسسته التعليمية الشهيرة وكان الفضلي ينتظر مزيدا من التوضيح لكن صاحب الرسالةامره أن يبلغ ماسمعه وكفي !!..
واستمع الخواجة الحصيف للرسالة المقتضبة بتمعن شديد وقال في رده :
( إذن هذا الزعيم يريدني أن أدخل تدريس الدين الاسلامي في كمبوني ورجاء ياسيد الفضلي أن تنقل له رغبتنا في أن تكون الديانة المسيحية من ضمن مناهج وزارة التربية عندكم ) !!..
هكذا عرف عن السيد علي بأنه يختصر الوقت ولا يلجأ للدعاية والاعلان ويحب المختصر المفيد وفي السياسة يمارس هذا الفن بأناقة زائدة ومعرفة وعلمية وبعد نظر ولا ينجر الي التهريج وسفاسف الأمور !!..
جاء العقاد هاربا من جحافل الألمان التي باتت علي تخوم مصر وكان كثير الانتقاد لهم واحتضنته الخرطوم بين نيليها وهدات من روعه وكان أول شيء عمله زيارته لقبر فلتة زمانه الراحل الموسوعة معاوية محمد نور وبعدها انكب علي مكتبة السيد علي الميرغني ينهل منها الدرر واللاليء وصرح بأنه بحث عن كتاب نادر في كل أركان المعمورة ولم يجده إلا في مكتبة سليل المراغنة هذا الموسوعة الذي يجلس مع كبار الساسة والرؤساء في العالم من غير مترجم هذا العالم النحرير الاريب الندس المطلع علي مجريات السياسة العالمية بعين الناقد الحصيف والمحلل اللماح الذي كان أول من أشار بأنه لن يطول الوقت ليدخل رئيس أسود البيت الابيض وكان أن ظهر أوباما واحتل مكانه في ثقة عالية واحترمه الجميع بعد أن كان هذا المنصب الرفيع حكرا لذوي البشرة البيضاء والعيون الزرقاء !!.
نختم بأن السيد علي الميرغني رغم أن الإنجليز أرادوا أن ينصبوه ملكا على السودان لكنه رفض في اباء وشمم وكانت حياته بسيطة يشرب من القلة بجوار عنقريبه البسيط ( الهبابي ) وياكل الكسرة بملاح الروب !!..
رحم الله تعالي زعيم الختمية الميرغني الذي ستحل ذكراه العطرة غدا الخميس الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤٣ بمسجده الكبير في الخرطوم بحري وأيضاً سيحتفل بذكري نجله السيد احمد الميرغني الذي سنتحدث عنه لاحقا أسبغ الله سبحانه وتعالي علي قبريهما الرضوان والغفران واسكنهما فسيح جناته آمين يارب العالمين و ( انا لله وانا اليه راجعون ) .

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات