السِر والجَهر في البيتِ الأبيضِ: بايدن يتسبَّب في عاصِفةٍ عالميّةٍ ببضْعِ كلماتٍ مُرْتجلة عن بوتين .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي


* بايدن يتسبَّب في عاصِفةٍ عالميّةٍ ببضْعِ كلماتٍ مُرْتجلة عن بوتين
* قاطرة الاتحاد الأوربي، ألمانيا، تبدأ في جرد خسائرها الاقتصادية
؛؛؛…؛؛؛
خلال حملته الرئاسية، كان جو بايدن كثيراً ما يحدِّث مؤيديه عن “ثِقل كلمات الرئيس”. قال عُدّة مرّات “كلام الرئيس مُهم، يُمكِنه تحريك الأسواق، يرسل رجالنا ونسائنا الشجعان إلى الحرب، ويؤدي لإحلال السلام!”. فهل اكتشف بايدن في وارسو، انّ كلمة الرئيس يُمكِن أيضاً أنْ تَخُضّ العالم وتسبِّب ضجّة دولية في خِضَمِ حربٍ ساهم في إشعالها؟
مُرْتَجِلاً عِبارة قصيرة من 10 كلمات في نهاية خطاب استمرّ 27 دقيقة، خلق الرئيس الأمريكي جو بايدن تشتيتاً غير مرغوب فيه عن خطابه القوي يوم السبت 26 مارس الجاري في العاصمة البولندية وارسو، عندما طالب بإبعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من منصبه، وقال “من أجل الربِّ، لا يُمْكِن لهذا الرجل البقاء في السُلطة”.
فوراً، حوّلت تلك العِبارة القصيرة التركيز على الدعم الكامل لأوكرانيا وحرَفته لمسائل أخرى، ويُمْكِن أنْ تغيِّر بشكل جذري السياسة الأمريكية الحالية، فهي تتناقض بشكل مباشر مع ادعاءات كبار المسؤولين في إدارة واشنطن، بقيادة رئيس الدبلوماسية الأمريكية أنتوني بلينكن، الذي أصرّ أكثر من مرّة على أنّ تغيير النظام في موسكو غير وارِد وليس من أهداف واشنطن، بينما يتّضح أنّ العقوبات لا تفعل شيء غير أنْ تضعضِع السُلطة في الكرملين وتشلّها على أمل أنْ يحدُث تغييرها. فهل كان كل ذلك يمثِّل السِرّ في تلك السياسية وعِبارة بايدن هي الجهر؟ يبدو أنّ بايدن أطلق حديث الغُرف المُغْلقة بالبيت الأبيض في الهواء الطلق بالعاصمة البولندية وارسو.
الشاهد أنّ عِبارة بايدن أقوى من أي تصريح آخر أدلى به رئيس أمريكي خلال الحرب الباردة، وهي تثير الآن جدلاً مُحْتدماً في جميع أنحاء العالم، ويحاول قادة العالم والدبلوماسيون وخبراء السياسة الخارجية فهم معنى العِبارة القصيرة ووجهتها، وما أراد بايدن نقله، ولعلّهم يتساءلون “إنْ لمْ يكُنْ جاداً، فلماذا قالها”؟ ومع ذلك، يبدو أنّ العبارة التي وردت في الخطاب تُعتبر أيضاً مرآة تعكس تفكير بايدن الحالي، فضلاً عن أنّها تكشف عينة من عقلية الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض بواشنطن تجاه زعيم الكرملين في موسكو، فلاديمير بوتين. ولذلك لم يكُن مُستبعداً أنْ يكون أوّلِ ردِّ فعل فوري صدر في موسكو، هو قول المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف “ليس من اختصاص الرئيس بايدن أنْ يقرِّر مَن يقود روسيا لأن رئيس البلاد انتخبه الروس”.

* البيت الأبيض، توضيح أمْ تلحين؟
بعد وقت قصير من الخِطاب حاول مسؤول في البيت الأبيض توضيح حديث بايدن، بما يشبه إعادة تلحينه، وقال ” فكرة الرئيس هي أنّه لا يمكن السماح لبوتين بممارسة السُلطة على جيرانه أو في المنطقة”. ونقلت الصحف الامريكية عن المسؤول قوله “انّ بايدن لمْ يتحدَّث عن سلطة بوتين في روسيا أو تغيير النظام”.
ويبدو أنّ حديث الرئيس بايدن كان مفاجأة للمسؤولين الأمريكيين، وفقاً لمصدرٍ مُطلع على الخطاب المكتوب، تحدّث لصحيفة واشنطن مُشترِطاً عدم الكشف عن هويته.
ويُذكر أنّه مباشرة بعد عبارة جو بايدن، سارع المراسلون للعثور على مستشاري الرئيس للحصول على توضيحات حول حقيقة أنّ زعيم البيت الابيض يدعم تغيير النظام في روسيا ويعمل له، فامتنع مستشارو بايدن عن التعليق، الأمر الذي يُفهم منه أنّهم لا يملكون إجابة.
بعد ذلك، خرج مسؤولو البيت الأبيض قائلين إن العبارة ليست إشارة إلى تغيير الرؤية السياسية. ومع ذلك، فقد أقرّوا بأنّ ما جرى أحدث مِثال على أنّ بايدن أصبح “يتعثّر” في رسالته، والعبارة التي صرّح بها مِثل العديد من تعليقاته غير المقصودة، لقد وصل إلى نهاية خطابه فارتجل بضع كلمات انحرف بها عن النصِ المكتوب بعناية.
وترى الصحف ووكالات الأنباء انّ العِبارة المُرتجلة جاءت في وقت تصاعدت فيه تصريحات الرئيس بايدن، حيث وصف نظيره بوتين خلال لقاء مع اللاجئين الأوكرانيين بأنّه “جزّار”.

* خروج بايدن عن الخط يتحول لسياسة:
وفي تقريره بصحيفة (جورنالول ناتسيونال) الرومانية كتب شيربان ميهاييلا، أنّ حديث بايدن عن بوتين في الأسابيع الأخيرة كان أكثر فظاظة، وقد كشف بنفسه أنّه قال له ذات مرة “لا أعتقد أنّ لديك روح!”، ووصف الرئيس الروسي بـ “الوغد” و”الديكتاتور المجرم”. وعليه، في هذا السياق يُعتبر القول بوجوب عزل بوتين من السلطة بمنزلة الخطوة المنطقية التالية التي حتماً يفكِّر فيها الرئيس بايدن.
ولعل الملاحظة تتماشى أيضاً مع حقيقة أنّ بايدن يفصح أحياناً عن اتجاه سياسي جديد قبل أن يكون مساعديه ومن حوله من المستشارين جاهزين. ففي الأسبوع الماضي، وصف بوتين بأنه “مُجْرِم حرب”، وسرعان ما قال مستشارو البيت الأبيض إنّه مُجرّد “تصريح صادق صادر من القلب” بناء على مُشاهدة الصور المروّعة لما حدث في أوكرانيا. غير أنّه وفي غضون أيام قليلة، تغيّرت السياسة الأمريكية حيث وصف بلينكن الرئيس بوتين بأنه “مُجْرِم حرب” ونشر تقييماً رسمياً لجرائم حرب زاعِماً أنّ القوات الروسية ارتكبتها في أوكرانيا.
فكيف، إذن، تُقرأ تلك العبارة عِلماً بأنّ إدارة بايدن بذلت جهوداً لتجنُّب أو حتّى الإشارة إلى أنّ تغيير نظام بوتين هو أحد أهداف الرد الغربي على العدوان الروسي؟

* رسالة مثيرة للجدلِ:
وعلى صعيد آخر، يقول لصحيفة (واشنطن بوست) آرون ديفيد ميللر، دبلوماسي وباحث أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، “كان الخطاب رائعاً…. بيد إنّه واحد من تلك الخُطب التي يخنِق فيها سطر واحد هدف الخِطاب كله، وهذا هو بالضبط ما يركِّز عليه الناس”، مضيفاً “لو لمْ يقُمْ البيت الأبيض بذلك التوضيح، فإن التعليقات كانت ستشير إلى تغيير كبير في السياسة وبأنّ الولايات المتحدة تبلغ بوتين بأنّها تعمل للإطاحة به”، ولا يدري ميلر كيف سيكون التأثير الكامل لذلك التصريح في مُقْبِل الأيام، ويعتقد في احتمال أنْ يأخذه بوتين لتأكيد ما كان يشكّ فيه بالفعل بشأن مشاعر بايدن الحقيقية تجاهه، ويجزِم بأنّ الدعاية الروسية ستستخدمه، ويختم الدبلوماسي ديفيد ميلر قائلاً “أعتقد انّ التصريح يمكن تسميته (هفوة فادحة صادِرة من القلب) وإذا أغمض بايدن عينيه غداً ولديه 10 أمنيات، فإن إحداها حتماً ستكون تغيير القيادة في روسيا.”
ومن جهته يقول لذات الصحيفة مايكل أوهانلون الباحث البارز في معهد بروكينغز “ما ينقُله لي التصريح ويقلقني، هو أنّ الفريق الأول في البيت الأبيض لا يفكِّر في نهاية معقولة للحرب”. ويضيف “لو كان الأمر كذلك، لما قال بايدن، يجب أنْ يرحل بوتين، فالطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي التفاوض مع هذا الشخص”. ونقلت الصحيفة الأمريكية عن الباحث قوله “عندما تقول إن هذا الشخص يجب أنْ يغادر، تكون قد صرحت بشكل أساسي أنك لن تتعامل معه”.

* تصعيد الضغوطات وزيادة التوتر:
ومن جهة أخرى، يعتقد عدد من المسؤولين، في كل من الولايات المتحدة وخارجها، أنّ عِبارة بايدن كانت اعترافاً صادقاً بالواقع، وعلى الأرجح، لن تكون للولايات المتحدة علاقة طبيعية مع بوتين بعد الغزو. كما تلاحظ صحيفة واشنطن بوست، وتنقل عن الدبلوماسي ريتشارد هاس رئيس مجلس الشئون الخارجية الأمريكي قوله “إنّ القلق الأكبر هو أنّه على المدى القصير، يُمْكِن أنْ يؤدي خطاب بايدن إلى تصعيد التوترات ويجعل إيجاد أي حل دبلوماسي أكثر صعوبة”، مضيفاً “يجب انْ تكون هناك أولويتان في الوقت الحالي: إنهاء الحرب بشروط يُمْكِن أنْ تقبلها أوكرانيا، وتثبيط أي تصعيد من قبل بوتين”، ويرى ريتشارد هاس أنّ عِبارة الرئيس بايدن لا تتماشى مع تحقيق هذين الهدفين، ويردِف موضحاُ “من حيث الجوهر، إنّ العِبارة التي صرّح بها الرئيس بايدن ترفع عن الرئيس الروسي بوتين حرج المساومة وتجعله حراً، فلماذا يتحلى بضبط النفس إنْ كان سيخسر كل شيء؟”.

* قاطرة أوروبا والحرب:
وفي تقرير كتبه رادو جاكوتا استعرضت صحيفة (ناتسيونال) الرومانية آثار الحرب في أوكرانيا ونزاع الدول الغربية مع روسيا على ألمانيا، قاطرة الاتحاد الأوربي، جاء فيه أنّ القاعدة الصناعية الألمانية التي خرجت لتوها من الجائحة وتتعرّض لضغوط سلاسل التوريد، تضرّرت بشِدّة من جراء الغزو الروسي لأوكرانيا.
ونظراً لأن الصراع يدفع تكاليف الطاقة إلى آفاق جديدة في ظلِ زيادة التضخم، حذرت العشرات من الشركات الكبرى، بما في ذلك (بي ام دبليو) و(باسف) و(ثيسنكرووب)، من أن أرباحها ستنخفض، في حين رفض البعض الآخر حتى التنبؤ بالتطورات التي تنتظرهم وخفّض الاقتصاديون توقعاتهم للنمو.
وقال هربرت ديس، الرئيس التنفيذي لشركة فولكسفاجن “إذا استمرت الحرب أكثر، فإنها ستهدِّد بشكل خطير النظام العالمي الذي جلب الحرية والازدهار إلى أجزاء كثيرة من العالم في العقود الأخيرة، وستعاني أوروبا أكثر من غيرها في مثل هذا السيناريو”.
وفي برلين، أقرت الحكومة بخطورة الوضع، لكن خياراتها – الاقتصادية والسياسية – مُحدّدة مُنذ عقود بسياسة الطاقة التي جعلت ألمانيا من بين أكثر دول أوروبا اعتماداً على النفط والغاز من روسيا.
حتى قبل الغزو، واجهت الصناعة الألمانية عالية الاستهلاك للطاقة تغييرات كبيرة مع التخطيط للخروج من الطاقة النووية والفحم، إلى جانب أعلى تكاليف لطاقة الكهرباء في أوروبا.
وشكل وزير الاقتصاد روبرت هابيك مجموعة عمل لجمع بيانات الصناعة عن استخدام الغاز والكهرباء والأسعار وخطط الإنتاج والاختناقات في الإمداد والاعتماد على الطاقة الروسية.
وقاد هابك مجموعة من المديرين من (باسف) و(بانك دويتش) و(كوميرزبانك) و(آر دبليو أي) إلى قطر والإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي لضمان نقل الغاز الطبيعي المسال.
بيد أنّ هذه التحركات لا يمكن أن توفر المساعدة الفورية التي تبحث عنها الشركات، وهناك دلائل على أن الحرب يمكن أن تسبب ألماً اقتصادياً دائماً للمنتجين الألمان الموجّهين نحو التصدير.
وحذّر وزير المالية الألماني كريستيان ليندنر من خطر الركود، عندما يستمرّ التضخم المُرتفِع مع التباطؤ الاقتصادي.
وقلل معهد (كييلKiel – ) من آفاق النمو لألمانيا لعام 2022 بما يقرب من النصف إلى 2.1% في ظل سُرعة ارتفاع التضخم إلى 5.8%، وهو أعلى مستوى منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990.
ووفقاً لمسح أجراه لوبي الأعمال DIHK بين 3700 شركة في ألمانيا، أفاد 78% أن الحرب أثّرت على أعمالهم واشتكى أكثر من نصفهم من ارتفاع الأسعار أو تعطيل سلاسِل التوريد.
ويُذكر أنّ روسيا تصدِّر لألمانيا نحو ثُلْثي احتياجاتها من الغاز وثُلث استهلاكها من النفط ونصف وارداتها من الفحم، ولا ريب أنّ أكبر مصدر قلق للشركات الألمانية في الوقت الحالي هو احتمال توقف إمدادات الطاقة الروسية، إمّا من قِبل الرئيس فلاديمير بوتين أو بوقف استيرادها بقرارٍ من الاتحاد الأوروبي.

isammahgoub@gmail.com
//////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات