شورى الوطنى والمعضل الاقتصادى !؟ .. بقلم: آدم خاطر


adam abakar [adamo56@hotmail.com]
المشهد الاقتصادى بالبلاد اكتنفه الغموض والحيرة فى الآونة الأخيرة أحدثت حالة من الارباك والتوقع لدى المواطن وأضرت بشئون حياته اليومية ومعاشه حتى قبل أن تقع وتحدث الاصلاحات الاقتصادية التى يتحدث عنها ، وما تزال الانفاس منقبضة تنتظر ما يمكن فعله من جراحة ستطاله لا محالة !. وقد كثر الحديث من ثلاثة أسابيع فى الأوساط السياسية والصحفية عن اصلاحات اقتصادية ستقدم الدولة على اتخاذها فى الايام القادمة  ، وذلك من وحى الغلاء الطاحن الذى طال كل شى وارتفاع معدلات التضخم  وانخفاض قيمة الجنيه السودانى وبالمقابل ارتفاع سعر العملات الأجنبية ، وتراجع حركة الاقتصاد الكلى بالبلاد نتيجة عوامل كثيرة داخلية وخارجية فى تفاعل مستمر كل يوم !. لا أحد ينكر الأزمة المالية العالمية التى امتدت لسنوات وأثرت على كل اقتصاديات الدول بما فيها الدول الكبرى ، وقادت فى بعض البلدان الى الافلاس واللجوء الى الاستندانة والسندات الائتمانية كما هو الحال فى الكثير من البلدان الأوربية اليونان – بلغاريا ورومانيا وايطاليا !. ولكن فى حالة السودان فان الأمر لا شك مختلف بعض الشىء، رغم تأثره بالوضع العالمى من ناحية ، ولكن جملة عوامل داخلية تتعلق بالسياسات الاقتصادية والمالية التى اتخذت خلال العامين الأخيرين  لم تكن دقيقة ، وبصفة خاصة عندما جرى حساب عائدات نقل نفط الجنوب عبر السودان فى موازنة العام 2012 ، والتأخر فى  البدء فى اجراء هذه الاصلاحات  منذ وقت مبكر بحجة أن الوقت لم يكن مناسبا فى 1994 ثم الدخول فى عملية السلام وما تطلبته من اعادة لهيكلة الدولة وزيادة الوظائف الدستورية  لمقابلة التزامات السلام قادت جميعها الى ترهل كبير فى جسم الحكومة على المستوى الاتحادى والولائى ،  وزيادة الانفاق الحكومى على نحو قاد الى اشكالات بنيوية شوهت تركيبة الدولة وأعاقت تقدم قطاعات أساسية فى اقتصادنا !. ولاشك أن حادثة احتلال هجليج وما تبعها من تطورات ، وماسبقها على مسرح العمليات العسكرية فى ولايتى النيل الأزرق وجنوب كردفان صعدت من حالة التراجع الاقتصادى فضلا عن برامج التنمية والاعمار التى تمضى بالبلاد وما تحتاجه من التزامات مالية فى ظل الحالة المفروضة علينا من حصار وعقوبات اقتصادية وتجميد لمبالغ كبيرة طرف الاتحاد الأوربى وتوقف كافة أشكال الدعم الا فى قطاعات غير أساسية ولسقوف محدودة ، كل هذه الحلقات قادت الى هذه الحالة التى يعيشها المواطن السودانى ، الأمر الذى حمل الدولة للتنبه لذلك والعودة لمؤسسات الحزب لمراجعة الوضع الاقتصادى وما يمكن أن يفعل لكبح جماح هذا التراجع ، مما طلب اعمال سياسة تقشف واسعة وسريعة تلزمها تغيير فى بنية الدولة وهيكاكل الحكومة وضبط الانفاق الحكومى وترشيده ، ومن هنا جاءت اجتماعات مجلس شورى المؤتمر الوطنى ، والتى سبقها المجلس القيادى ثم تنتقل المداولات وفق ما أقر من سياسات الى البرلمان لاجازتها ثم تنفيذ ما جرى اقراره !.
ونحن ننظر فى أمر الشورى القائمة والتى خيم عليها الشأن الاقتصادى ومترتباته ، علينا أن نتأمل فى ماضى السياسات المالية والاقتصادية والتدابير التى أعملت فى الفترة الماضية ، والنجاحات التى تحققت فى مقابل السياسة المعلنة للتحريرالاقتصادى  والفشل الذى لازمها أيضا والتحول الى التقييد ومضاره المستقبلية !. هنالك من يقول بفشل القطاع الاقتصادى بالحزب والدولة وعدم عقلانية وواقعية الخيارات التى وضعها لمسارنا الاقتصادى وقدرته على التنبؤ الواقعى وهى التى قادت الى ما نحن فيه الآن من ضوائق !. وآخر يقول بفشله فى وضع خيارات بديلة وداعمة للفجوات التى يقدر لها أن تحدث وفق المؤشرات وقد كان بالامكان فعل ذلك على عهد تدفقات النقد الأجنبى قبل الانفصال ، وكذلك عدم قدرته على مخاطبة جوانب المحاسبة والشفافية والحد من الفساد وقبوله المسايرة بمؤسسات اقتصادية عاطلة بالقطاع العام أو وهمية فى معظمها  !. الأمر الذى نحتاج معه لاستدعاء قرارات رئيس الجمهورية التى قضت بحل بعض المؤسسات ومراجعة الوضع القائم للبقية بصفة أكثر جدية !. وبمثل ما هنالك من دعوات للاصلاح الاقتصادى واجراء جراحة غير رحيمة ، يبقى مطلوبا أن ينظر فى الأشخاص الذين ينهضون بهذه المسئولية من مختصين وخبراء وفنيين على كسبهم وعطائهم ومواقفهم ، لابد من أن تطالهم يد التغيير فى ظل الضوائق المستشرية وعدم نجاعة المعالجات التى تمت !. فالتعمق فى النظر الى الحالة الاقتصادية الكلية لا ينفك عن اعمال  النظر فى من هم داخل هذا الاطار ، وأن التغيير لا نقصد به مجرد تغيير فى الشخوص بقدر ما هو البحث الجدى عن كفاءات وقدرا أكثر مواكبة لأجل تنوع الرؤية وابتكار المعالجات المتعمقة لاقتصاد أزمات  وطوارىء تحيط ب البلاد من كل اتجاه !. يحمد لقيادة الحزب والدولة أنها سارعت لتدارك ما يمكن تداركه عبر هذا الائتمار الشورى بأبعاده المتعددة فى المدى الحالى والمنظور  ، والقيادة تدرك بوعيها أنه ان كان من سياسات لازمة ستطال المواطن فمن  باب أولى أن تطال الدولة أولا على نحو ما أشار النائب الأول فى حديثه أن هيكة الدولة ستتم خلال 72 ساعة ثم يصار الى رفع الدعم عن المحروقات ، وهو أمر ان ابرم سيؤثر على كافة السلع والخدمات !. ومعلوم أن اجراء كهذا سيكون عصى على الدولة اللجوء اليه فى هذا الظرف ما لم تكن الحالة بلغت مرحلة لا يمكن معها استخدام تدابير جزئية ، لما له من أبعاد سياسية وأمنية مرجوة ربما تستغلها المعارضة فى النيل من الحكومة وهى تعمل ليل نهار وتصرح بأنها تعمل لأجل اسقاط النظام ولن تتوانى فى الافادة من هكذا خطوة تلزمها تدابير استثنائية  !.
حسنا أن أقدمت الدولة على مخاطبة هذه المعضلات بنفس جديد ومواجهة التحديات الماثلة ، وما تستدعيه من تقليص فى هياكل الدولة التشريعية والتنفيذية ، فضلا عن التقشف وخفض الانفاق وايجاد البدائل ، واستمرار الخفض والتعديل ليشمل كل المؤسسات دون استثناء حتى ما يتعلق بالمرأة والشباب والطلاب !. مبادءة الدولة بنفسها وحزبها باعمال نسبة أكبر هو المسوق الكبير والمقبول لدى فئات المجتمع عندما تيقن أن القيادة بدأت بما يليها وضربت النموذج والقدوة !. عندما يصار الى قرارات كبيرة بالسرعة المطلوبة وتنزل الى أرض الواقع سيكون الشعب أكثر تفهما لتبعاتها ، وهو الذى بادر بالأمس ووقف مع الانقاذ وناصرها وضحى لأجلها بتحمل وصبر كبيرين !. عندما يحس الشعب بالتضحيات على صعيد المناصب والمال تقدم من قيادة الحزب والدولة دون غيرهم من الشركاء ، سيجد القائد من المواقف ما يعضد وجهته ويجعله أكثر التصاقا بمواطنيه ويحمل التيارات الأخرى المشاركة فى الحكم من تقديم تضحيات مماثلة !. أى تعويل على المواطن دون أن تسبقه تنازلات تقدمها قيادة الدولة والوزراء والمستشارين وكل الدستوريين والتشريعيين ، ستكون بمثابة القفزة فى الظلام لا نريد لها أن تضع مصير البلاد الى مصير مجهول !. هنالك من عارض باعتبار أن التوقيت غير مناسب الآن وبحلول سبتمبر القادم ستبدأ الدولة فى اعداد موازنة العام 2013 وكان بالامكان وضع كل هذه التدابير والسياسات الحالية ضمن الموازنة الجديدة ، ربما كانت المبررات عندها ستكن أكثر مقبولية ، ولكن الاصرار عليها الآن رغم تفهمنا له به من المحاذير والمطبات ما يستوجب التحسب له  خاصة وأن ما سيصدر يحتاج الى موافقة البرلمان حتى نعزز ممارستنا الديمقراطية عبر مواعين شورى الحزب ومؤسسات الدولة !. ما يجرى له دلالات كبيرة ، ولعلنا نقر بخطورة الوضع الماثل وضرورة التعاطى الحصيف مع الحالة بما يتطلبها من حسم وحزم ، ويتضح مما رشح من معلومات عن صدقية توجه الدولة ازاء اعمال حزمة التدابير الاقتصادية للانتقال من حافة الهاوية ، ولكن هذا الاجراء لوحده دون تتابع لما يلزمه من ضوابط وآليات بالبدء فى الهيكلة أفقيا ورأسيا والدفع بكفاءات ودماء جديدة من الخبراء والمختصين والبلاد تكتنز بالكفاءات ، ربما فتح شهية المعارضين بالداخل والخارج ، واستدعى تكثيف الضغوط وحملات التآمر الخارجى وتوسيع حلقاتها وما أكثرها ، وهذا أخطر ما نخشاه فى ظل البيئة غير المؤاتية والمشهد السياسى الكلى الذى يريد لمفاوضاتنا مع الجنوب أن يتمخض الجمل ليلد فأرا هى بعض محطة غادرة تنتظر صافرة مجلس الأمن بحلول الثانى من أغسطس لربيع جديد ينتظرونه !!! اللهم حكمتك ولطفك ببلادنا !!.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات