“عرض وقراءة” في نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون) (18- 18) .. بقلم: بدر موسى


عرض وقراءة في نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون) وتعقيب مؤلف الكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير عليها (18- 18)

بقلم بدر موسى

شهادة عالم أنحنى للحق وهو يجسد التواضع
يقول المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه: “التواضع هو أصل الخلق الرصين، الذي يسوق إليه العلم الصحيح”.

جاء في صدر الطبعة الثالثة من كتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، التي صدرت عن دار بدوي للنشر (ألمانيا)، 2022، والكتاب هو موضوع سلسلة حلقاتنا هذه، شهادة قدمها البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، عميد كلية الآداب (الأسبق)، وأستاذ كرسي تاريخ السودان بجامعة الخرطوم، في حق الكتاب وفي حق المقالات الثلاث لمؤلفه الدكتور عبد الله الفكي البشير، والتي جاءت تعقيباً على نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذة تاريخ السودان الحديث والمعاصر، ومديرة جامعة الخرطوم (السابقة)، كتب البروفيسور حسن أحمد إبراهيم لعبدالله الفكي البشير، قائلاً: “أخي الأستاذ عبد الله.. تحياتي اطلعت بِحرصٍ شديد على المقالات الثلاث التي أجدها محقة في ما ذهبت إليه من قُصور في الدراسات السُّودانيَّة وفجوة لابد من الاعتراف بِها والتداعي لسدها بدلاً من دفن رؤُوسنا في الرمال. ولا أدري لماذا يُكابِر الناس حيث أن ما قلته في سفرِك القيَّم عين الحقيقَة. أشكرك على لفت نظَرِنا جميعاً لهذا الأمر المهم. لك الود والتقدير”. حسن.

علَّق الأستاذ عصام عبد الرحمن البوشي، مدير جامعة ود مدني الأهلية، على شهادة البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، مخاطباً عبدالله الفكي البشير فكتب، قائلاً: “قلادة شرف لك واعتراف عالم انحنى للحق”.

السجين الأول والوحيد في العهد الاستعماري من أجل مسألة جنوب السودان

هل كان المعنى أعلاه، والمؤكد بالوثائق والبراهين في الأرشيف القومي، حاضراً في ذهن البروفيسور فدوى حينما تناولت مشكلة جنوب السودان في ندوة طيبة برس في العام 2019؟ كانت البروفيسور فدوى قد شاركت في ندوة في منبر (طيبة برس) تحت عنوان (حتى لا نفقد جنوبا آخر)، بتاريخ 13 يونيو 2019، وقد جاءت الندوة بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على نشر تعقيب عبدالله على نقدها لكتابه، الذي تناولناه في الحلقات السابقة، ففي الندوة تناولت فدوى نهاية حكم نظام نميري، وإعلانه تطبيق قوانين سبتمبر، سنة ١٩٨٣، ثم قفزت من هذه النقطة مباشرة لبداية حكومة الفترة الديمقراطية الثالثة، ١٩٨٦، ولم تذكر شيئاً عن الأستاذ محمود الذي قاد معارضة قوانين سبتمبر، واستشهد مبتسمًا على منصة الإعدام، مجسدًا لمعارفه، وقد سمي يوم اعدامه، 18 يناير، يومًا لحقوق الإنسان العربي، الذي يحتفل به كل عام.. وقبل ذاك تحدثت فدوى في تلك الندوة باستفاضة عن ملابسات ومنشأ مشكلة جنوب السودان، واسباب انفصال الجنوب، وفصلت فدوى في الحديث عن احتجاجات قيادات الجنوبيين القوية ورفضهم لنقض العهود التي قطعها لهم قادة الأحزاب السياسية الشمالية، قبل اعلان الاستقلال، والتنكر لالتزامهم للجنوبيين بتطبيق النظام الفيدرالي وتأمين الحكم الذاتي لهم، لكنها، وكعادتها، لم تشر ولا بكلمة واحدة للأستاذ محمود، الذي كان أول رئيس حزب سياسي يسجن في سبيل الدفاع عن قضية جنوب السودان، والذي قاد حزبه الجمهوري نشاطًا مكثفًا، رافضًا بالتحديد لإنشاء المستعمر للمجلس الاستشاري لشمال السودان، لكونه يمثل فصلًا مبكرًا لجنوب السودان، وهو الذي كتب ونشر في عام ١٩٥٥ كتابه الشهير: (أسس دستور السودان
لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية)، داعيًا للحكم الفيدرالي، والذي قال عنه الدكتور الراحل العظيم منصور خالد: (… في عودته للأصول لم ينحُ طه للتجريد وإنما تقفى كل القضايا الحياتية التي شغلت، أو ينبغي أن تشغل، الناس، وعلى رأسهم قياداتهم السياسية. ففي السياسة الحكمية كتب محمود في عام 1955م عن الفيدرالية كأصلح المناهج لنظام الحكم في السودان، في الوقت الذي كان غيرُه يصفُ الفيدراليةَ بأنها ذريعةٌ استعمارية لتفتيت وحدة السودان وكأنا بهؤلاء لم يكونوا يعرفون كيف وحدتْ الفيدراليةُ دولاً مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، وكندا، والبرازيل، وألمانيا…).
ولكن فدوى قالت عند تناولها في المشاركة بتلك الندوة لاتفاقية أديس أبابا عام 1972 أن الحزب الشيوعي كان أول حزب سوداني دعا للحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان عام 1955!
تجدر الإشارة هنا إلى أن عبارة (الأستاذ محمود هو أول سجين سياسي) ليس مصدرها الجمهوريين، وإنما مصدرها الصحف السودانية في الأربعينات. الصحف السودانية هي أول من أطلق تعبير أن الأستاذ محمود محمد طه أول سجين سياسي في البلاد وكان ذلك في 18 يونيو 1946. (للمزيد أنظر كتاب د. عبد الله الفكي البشير، “صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ”، دار رؤية للنشر، 2013، ص 383- 388).
وكان عبدالله قد تناول دور الأستاذ محمود محمد طه الكبير في مسألة جنوب السودان، والذي كان بلا بمثيل، وتوسع في تتبع دوره مع توثيق صارم مع كم هائل من الأخبار والمعلومات عن ذلك الدور. يقول عبدالله: “لقد خلا سجل الحركة الوطنية منذ قيام مؤتمر الخريجين عام 1938 من التضحية والمواجهة للاستعمار في سبيل قضية جنوب السودان، ولم يكن هناك سوى محمود محمد طه فهو السجين الأول بل والوحيد في العهد الاستعماري في سبيل مسألة جنوب السودان. كانت الإدارة الاستعمارية قد اتخذت تجاه جنوب السودان سلسلة من السياسات المتعسفة، والقرارات بإنشاء المؤسسات الدستورية والإدارية، التي كانت تنطوي على تعميق الفوارق بينه وبين الشمال، وتحمل في داخلها بذور الانفصال، بل منها ما يكاد يُعلن عن الانفصال. لم يكن إنشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان، في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، سوى اعلان سافر عن الفصل المبكر لجنوب السودان، إلا أنه لم يجد المناهضة بالمستوى المطلوب. يقول محمود محمد طه: إن الإنجليز نواياهم مبيتة لفصل الجنوب، ولذلك أنشأوا المجلس الاستشاري لشمال السودان، فنواياهم كلها كانت من أجل فصل الجنوب. فوراً قرر الحزب الجمهوري برئاسة محمود محمد طه مواجهة الإدارة الاستعمارية في سبيل مسألة جنوب السودان. يصف محمود محمد طه المواجهة، فيقول: “وبقت مواجهتنا للاستعمار البريطاني عنيفة جداً إلى حدود أسطورية”.
وأضاف عبدالله بأن محمود محمد طه ظل يدعو أعضاء المجلس الاستشاري، مخاطباً حسهم الوطني بأن يكفوا عن التعاون مع المجلس الاستشاري. ولمَّا آثر البعض التعاون وأصبحوا أعضاء في المجلس، جدد دعوته لهم لتكون مواقفهم مواقف مشرفة تجاه ما يقدم لهم من مشروعات وقوانين. فقد نشرت صحيفة الرأى العام في 4 مارس 1946، قائلة: “علمنا أن الحزب الجمهوري قد أرسل خطابات خاصة لأعضاء المجلس الاستشاري مستصرخاً فيهم الضمير الوطني ليقفوا موقفاً مشرفاً في ما سيقدم إليهم من مشروعات وقوانين”. وعندما أشتد نشاط الحزب الجمهوري عبر المناشير، والخطب في الأماكن العامة ضد المستعمر. تم اعتقال الأستاذ محمود فى يونيو من عام 1946م، وتم تقديمه الى المحاكمة، حيث خُيّر بين السجن لمدة عام ، أو إمضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسي فاختار السجن دون تردد. وما أن دخل الأستاذ محمود السجن إلا وغطت الصحف المحلية في الخرطوم خبر محاكمة الأستاذ محمود ورفضه توقيع التعهد وتفضيله للسجن. (للمزيد أنظر: عبدالله الفكي البشير، صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، دار رؤية للنشر، 2013؛ عبدالله الفكي البشير، محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان، 2021).
لقد ظل الأستاذ محمود محمد طه مشغولاً بمسألة جنوب السودان منذ الأربعينات وحتى يوم تجسيده لمعارفه على منصة الإعدام في 18 يناير 1985. سجن في سبيل مسألة جنوب السودان، وكتب عنها الكثير من المقالات وأصدر بشأنها كم كبير من البيانات، وكانت حاضرة بقوة ومثلت موضوعاً مركزياً في البيان الأخير “هذا… أو الطوفان!!”، في 25 ديسمبر 1984.

تحرير الحزب الجمهوري من سجن المؤرخ وبعض الأكاديميين السودانيين

في تقديري، وبعد هذا التعقيب الكبير للدكتور عبدالله على نقد البروفيسور فدوى، وبعد اكتشافنا بأنها لم تستفد شيئاً من كل هذا التعقيب النبيل والقائم على كم هائل من المعلومات الجديدة والتوثيق الصارم، وأمام هذه المكابرة من فدوى فإننا في حاجة للكثير من العمل من أجل تحرير الحزب الجمهوري من هذا التنميط الذي وضعه فيه المؤرخ والأكاديمي. هذا التنميط للحزب الجمهوري جاز على الكثير من المثقفين للأسف واقتنعوا بأن الحزب الجمهوري حزب صغير. لقد غاب الحزب الجمهوري عند فدوى وهي تتحدث في التلفزيون عن الأحزاب السودانية والنضال ضد الاستعمار، وغاب عندها وهي تتحدث عن مسألة جنوب السودان في ندوة عامة، وهذا يعني أنها لم تستفد شيئاً سواء من التعقيب على نقدها أو من كتاب عبد الله نفسه، أو أن حالة من المكابرة قد تمكنت منها. فما تجاوزته فدوى ولم تستفد منه كان عند أستاذنا وأستاذها البروفيسور حسن أحمد إبراهيم موضع احتفاء واحترام وموضع تجسيد للتواضع، عندما كتب لعبد الله، كما ورد في صدر هذا المقال، قائلاً: “اطلعت بِحرصٍ شديد على المقالات الثلاث المقالات الثلاث التي أجدها محقة في ما ذهبت إليه من قُصور في الدراسات السُّودانيَّة وفجوة لابد من الاعتراف بِها والتداعي لسدها بدلاً من دفن رؤُوسنا في الرمال. ولا أدري لماذا يُكابِر الناس حيث أن ما قلته في سفرِك القيَّم عين الحقيقَة. أشكرك على لفت نظَرِنا جميعاً لهذا الأمر المهم”.
في الواقع وكما كتب الدكتور عبدالله الفكي البشير، فإن أداء الأكاديميا السودانية عمل تراكمي، وإرث مؤرخي السودان، قد تحكمت فيه عوامل عديدة ومتداخلة، لهذا فمن الواجب أن نبدأ بالتصحيح عبر الحوار والنقد واستنهاض المروءة الأكاديمية. فالتغييب والتهميش وبتر المعارف في عقول الطلاب، في تقديري، هو أحد أسباب بتر الأراضي، ولا يمكن قراءة ما حدث لجنوب السودان، وما يعيشه السودان اليوم من حروب ومن مناخ تشظي، بمعزل عن بتر المعارف في عقول الطلاب، وسجل وأداء الأكاديميا السودانية.
ختاماً أتقدم بخالص الشكر لأسرة صحيفة التيار، على اهتمامها وحرصها، وهي تسعى لترفيع مستوى الحوار في السوح الثقافية وفي شأن الوطن. كما أشكر القراء الذين تفاعلوا وعبروا عن احتفائهم. وعن تساءل الكثير منهم عن الطبعة الثالثة من الكتاب: (محمود محمد طه والمثقفون) فإنها سيكون متاحة قريباً بدار باركود للنشر، بحي الرياض، الخرطوم.

bederelddin@yahoo.com
////////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات