في الذكرى العاشرة لرحيل القائد النقابي المناضل كمرات (2): اجمل الذكريات فى سيرة عبداللطيف كمرات .. بقلم: أمير شاهين


” ان تكون انصاريا او اتحاديا او شيوعيا او اسلاميا فكل هذا هو شانك و اختيارك الخاص بك , المهم قبل كل ذلك ان تكون انسانا متصالحا مع نفسك ومع الجميع ”
الاستاذ عبداللطيف كمرات
أول ممثل لاتحاد نقابات عمال السودان في اتحاد نقابات العمال العالمي .

مواصلة لسلسلة المقالات بمناسبة الذكرى العاشرة ( 8 يونيو2012- 8يونيو2022م) لوفاة الاستاذ عبداللطيف كمرات احد القادة التاريخيين لنقابات عمال السودان ومن مؤسسيها وأول ممثل لاتحاد نقابات عمال السودان في اتحاد نقابات العمال العالمي . ومن الرعيل الاول لمؤسسى الحزب الشيوعى السودانى مع رفيقه وصديقه محمد ابراهيم نقد , و فى الحلقة رقم 1 السابقة تحدثنا عن رفض الاستاذ كمرات لقبول وظيفة مديرعام شركة انتاج الملح ( الملاحة) فى بورتسودان وبامتيازات و مخصصات يسيل لها اللعاب فقد كان يرى فى قبوله للوظيفة انه يندرج تحت مسمى الانتهازية واستغلال النفوذ وهو ما كان يرفضه جملا و تفصيلا بحكم مبادئه و قناعاته التى لم يتخلى عنها طول حياته ! وكان الرفض بعد ان عرض عليه اصحابها عقب اعادتها اليهم مرة اخرى من الحكومة والتى كانت انتزعتها منهم من قبل فيما كان يسمى بسياسة التاميم وذلك تقديرا واعجابا بادارته لها فى فى تلك الفترة التى تولى فيها الاشراف على الملاحة , فتحت ادارته حافظت الملاحة على انتاجها و ازدهرت اعمالها وذلك على عكس بقية المنظمات والشركات الت خضعت للتأميم فصارت يبابا و خرابا واثرا بعد عين , وفقدت البلد بسب التاميم سئ الذكر وقتها الكثير من الشركات والاعمال التجارية التى كانت تعمل بكفاءة وتخدم اقتصاد البلد وتسهم فى توظيف عدد ليس بالقليل من ابناء الوطن , وبعد تراجع النميرى عن سياسة التاميم كان ذلك Too late كما يقولون فان الفاس قد وقعت فى الراس وان اللبن قد انسكب على الارض ولم يبق منه شيئا ! وكانت ظاهرة اتخاذ القرارات و التراجع عنها سمة من سمات حكم النميرى فقد كان يصدر اخطر القرارات التى ترتبط بمصير الامة كردود افعال او تحت تاثير نوبات الغضب والانفعال التى كانت تعتريه ولذلك فان النتائج كانت كارثية ومدمرة , وهنالك الكثير من الامثلة على ذلك ومنها قرار الغاء الاندية الرياضية فى ابريل 1967 وحصر ممارسة كرة القدم فى الاحياء فقط فيما كان يسمى بالرياضة الجماهيرية وكان ذلك بسبب غضبه من هتاف جماهير الهلال ” ابوكم مين ……..؟؟؟ على قاقرين !) بعد انتصار فريقهم على غريمه التقليدى المريخ فى المباراة التى اقيمت بين بينهما وكان النميرى ومعه ضيفه شيخ زايد يحضرونها وقد غضب النميرى جدا من هذا الهتاف لانه كان متعودا ان تهتف له الجماهير ( ابوكم مين نميرى) على كاس ما يسمى بالثورة الصحية وكانت تلك المباراة قد شهدت احداث شغب بين اللاعبين فى الناديين الكبيرين وعندما تراجع عن ذلك القرار فى يناير 1977 بعد مضى حوالى ال9 شهور من تنفيذه , كان الفاس وقع فى الراس و الضرر الذى حدث لايمكن اصلاحه فقد هاجر اللاعبون المميزون الى دول الخليج فحدثت فجوة بين اجيال لاعبى كرة القدم السودانية تسببت فى تقهقر الكرة السودانية من القمة التى كانت فيها على مستوى المنطقة الى القاع ويعتقد الكثير من المختصين بانه لولا هذه الفجوة التى احدثها نميرى لكانت كرة القدم السودانية قد وصلت الى اعلى المراتب بسبب قانون تراكم الخبرات والتواصل الطبيعى بين الاجيال .
ذكرنا من قبل بان الاستاذ كمرات كان قد عاد الى الخرطوم فى منتصف السبعينات من القرن الماضى واشترى بالمال القليل الذى كان يدخره قطعة ارض فى منطقة الدروشاب فى ضواحى مدينة الخرطوم بحرى والتى اختارها بسبب ان اسعار الاراضى السكنية فيها كانت فى متناول اليد كما انها تتيح لزوجته الزيارات المتواصلة لمنزل عائلتها الذى يقع فى حى الختمية فى قلب مدينة بحرى . وبعدها كان لابد للاستاذ كمرات من اقتناء سيارة لتقله من الدروشاب الى مكان عمله وبالعكس , واذكر بانه قد (جازف) كما يقول شباب اليوم اشترى سيارة فورد انجليزية ( مكعكعة) قديمة الطراز واعتقد بانها كانت من بقايا السيارات الحكومية التى كان يستخدمها البريطانيون فى فترة حكمهم للسودان واذكر بان احد اصدقاء الاستاذ كمرات قد علق ساخرا بان هذه السيارة كانت ملك للسير كتشنر باشا شخصيا اول حاكم بريطانى للسودان , والسيارة كانت وللحق يقال تندرج تحت ما يصنفونها بال ” كانون” وافضل ما فيها كان لونها الابيض وما عدا ذلك فحدث ولا حرج ! وكان الاستاذ كمرات يعتمد عليها اعتمادا تاما فى تنقلاته بين الدروشاب وبحرى لعدم وجود مواصلات منتظمة فى ذلك الزمن من منطقة الدروشاب اذ كان الطريق اغلبه ترابى وغير مسفلت . وكانت زيارات الاستاذ لنا فى بحرى ننتظرها بفارغ الصبر فقد كان عليه الرحمة يدخل البهجة والفرح ويخلق جو من المرح فى كل مكان يوجد به وخصوصا اذا اجتمع فى مكان واحد مع صديقه القائد النقابى سعودى دراج الذى كان ايضا عليه الرحمة مشهورا بخفة الدم وسماحة الروح ! ولكن سيارة كمرات كان لها راى اخر فكانت تفسد فرحة وبهجة زيارة كمرات وعادة تحرن و ” تعصلج” عندما يراد تشغيلها مرة اخرى للعودة الى الدروشاب وذلك بالرغم من حرص كمرات عند وصوله الى ايقافها فى مكان مرتفع لكى يسهل دفعها ( دفرها) بسبب مشكلة فى كهرباء السيارة , وفى بعض المرات فان الدفرة نفسها لم تكن تجدى وتواصل السيارة رفضها للتدوير بعناد يحسده عليها اشد انواع البغال ا ! وفى هذه الحالة كانت تتم الاستعانة بجارنا الباشمهندس محمد عمر عليه الرحمة والذى كان مرجعا و خبيرا لا مثيل له فى التعامل مع السيارات المعصلجة ! وعند حضور الباشمهندس محمد عمر وقبل ان يبدأ فى معالجة السيارة فانه وكمرات يتعانقا بحرارة و يبدان بالتحدث “باللغة ” الدنقلاوية وطبعا اياك ان تقول ” رطانة” فعندها فسوف يتم توبيخك و اتهامك بالجهل والتخلف لعدم معرفتك بعظمة وشموخ الحضارة النوبية اقدم الحضارات فى العالم , وكان كمرات يستمتع وهو يتحدث بهذه اللغة والتى كان يجيدها تماما وذلك كان واضحا من خلال السرعة التى يتحدث بها بدون توقف او تأتأة , وكان يجد متعة وهو يرى الدهشة وعدم الفهم لدى الاخرين وهم يسمعون الحديث ولا يفهمونه , وفى مرة من المرات كنت استمع لهذه الونسة بين الرجلين فاستبد بى الفضول و عملت فيها اننى افهم عن ماذا يتحدثون لا سيما انهم فى بعض المرات كانوا يدخلون كلمات عربية ! فالتفت الى كمرات وقال لى ضاحكا باسلوبه الذى هو خليط بين الجد والمزاح :
– ياخى الاسراائيون بكل امكانياتهم وجبروتهم لم يستطيعوا فهم اللغة النوبية , جاى انت بكل بساطة تقول بتعرفها !! ؟؟ وعندما ابديت دهشتى لما ذكره , عن اسرائيل واللغة النوبية , روى لى ان اللغة النوبية كانت واحدة من اسباب انتصار الجيش المصرى فى حرب اكتوبر 1973م وذلك فى انه وفى طور التجهيز للمعركة كان الخوف لدى القيادة المصرية من تسرب معلومات الخطة العسكرية للاسرائليين وذلك من خلال قدرتهم الاستخباراتية الكبيرة فى التصنت على اتصالات و محادثات القيادة العسكرية المصرية وفك الشفرات التى يستخدمها المصريون , فتفتقت فكرة لاستخدام لغة لا يعرفها الاسرائليوا ولا يستطيعون سبر اغوارها ولا فك اسرارها , وبوجود عدد وافر من ابناء النوبة المصرية فى الجيش فقد تم الاستعانة بهم فى استخدام اللغة النوبية فى الاتصالات العسكرة وبالفعل كانت الاتصالات باللغة النوبية قد اربكت الاسرائليين و حرمتهم من معرفة ماذا يخطط له المصريين حتى تفاجأوا بهجوم المصريين و اختراقهم لخط بارليف فى الساعات الاولى لبدء المعركة التى حطمت اسطورة الجيش الاسرائيلى الذى لا يقهر . وبالعودة مرة اخرى لسيارته فقد كانت تستجيب لمعالجة الباشمهندس محمد عمر وتعود مرة اخرى للعمل ولذلك فان كمرات كان يقول عنها انها اذا دورت فلن تتوقف واذا وقفت فلن تدور ومن طرائف هذه السيارة انها كانت تستهلك كميات كبيرة من البنزين وذلك يعود غالبا الى انه فى سنوات تصنيعها لم يكن عامل الاستهلاك الاقتصادى للوقود ذا اهمية كما هو اليوم , بجانب استهلاك الوقود فقد كانت تستهلك كميات كبيرة جدا من المياه وذلك بسبب السخانة التى كانت تنبعث من محركها صاحب الصوت المزعج ولذلك فقد كنا نقوم بصب كميات هائلة من المياه ( كم جردل كدة) فى فى جوفها حتى تبرد وتستكين !
قصدت من حديثى عن سيارة كمرات القديمة الاشارة الى زهده عن الدنيا و نزاهته فقد كان راضيا بحياته متكيفا معها وفى ذلك الزمن كان بامكانه ان يصبح من الاثرياء يسكن فى القصور و يقود افخم السيارات اذ هو اراد , وكان يقول لى ” ماذا نريد من الحياة ؟ ان السعادة فى الحياة تتمثل فى خدمة الاخرين وتجنب ايذائهم , ان اعظم نعم الدنيا هى ان تنام ليلا وانت خالى البال ومرتاح الضمير لم تظلم احدا او تسئ الى الاخرين ” . هذه القناعات والسلوك واسلوب الحياة يبدو انها متفق عليها لدى الشيوعيين ! فغير بعيد عن الاستاذ كمرات فقد كان خالنا المرحوم الاستاذ فاضل ماهر ( فتحى ماهر) احد كوادر الحزب الشيوعى فى بحرى والذى كانت ايضا تربطه صداقة متينة بالاستاذ كمرات والذى توفى نتيجة لامراض مزمنة وخطيرة اصيب بها نتيجة للتعذيب وسوء المعاملة فى معتقلات الكيزان السيئة السمعة ! فقد كان الاستاذ فاضل ايضا زاهدا فى الحياة و يمتلك سيارة تاكسى يابانية قديمة ا تعمل يوم فى الاسبوع وتتعطل بقية ايام الاسبوع ولا اذكر باننى رايته يحمل ركاب فيها فحاتها الميكانيكية لم تكن تسمح بذلك فاطاراتها قديمة و متهالكة تزكرنا بتلك التى تستخدم فى عربات الكارو وابوابها لا تنفتح واذا انفتحت لا تنغلق اما اسوا ما فيها فهى ان مقاعدها لم تكن تصلح لجلوس بنى البشر !! و يقال ان الميكانيكية من شدة و تعقيد اعطالها كانوا يتهربون من صيانتها واصلاحها و يختلقون الاعذار للتهرب من هذه المهمة القاسية حتى ان احدهم قال له ممازحا ” يا استاذ افضل شئ ان تحولها الى قفص حمام على الاقل بيع الحمام شغل مربح هذه الايام ” والاستاذ فتحى كان كصديقه كمرات تماما زاهد فى الحياة يرضى بالقليل , واذكر قبل وفاته بحوالى العش سنوات فتحت له ابواب السماء واكرمه الله من حيث لا يدرى فقد ورث قطعة ارض حوالى 200 متر فى قلب ام درمان وكانت هذه الارض كفيلة بتحويل حياته ونقله من زمرة ذوى الحال المستورة الى زمرة الاثرياء ذوى العقارات و الفارهات و الحسابات البنكية الدولارية ! ولكن للعجب فقد استمر الحال فى حاله و كأن شيئا لم يكن ,بل ان القطعة جعل منها ورشة صغيرة يستخدمها اصدقاؤه الحرفيين و ارباب الاعمال الحرةو لاصلاح السيارات بدون مقابل .
قصدت من هذا السرد تبيان طريقة الحياة التى اختارها الاستاذ كمرات و ارتضاها لنفسه عن قناعة واقتناع لانه لو اراد الثراء و اكتناز الاموال لفعل , وكان ذلك بمقدوره وفى متناول يديه , فقد كان عليه الرحمة لديه علاقات كبيرة وممتدة مع اهل السلطة فى ذلك الوقت وخصوصا مع الرائد زين العابدين محمد احمد عبدالقادر رجل مايو القوى وصاحب الكلمة المسموعة , كما كانت تربطه صلة القرابة القوية مع اهله الانصار فى عائلة الامير عبدالرحمن نقدالله , وف تلك الايام ظهرت موجة المنسلخين عن الحزب الشيوعى والذين ما ان يغادروا الحزب حتى يبدأون بكيل السباب والشتائم للحزب وبمن فيه ناعتين ايامهم التى قضوها فيه بايام الضلال والضياع وطبعا كانت المناصب الهامة فى انتظارهم , وفى مرة قلت له ممازحا ” ايه رايك تودع ايام الكد و التعب و تعلن انشقاقك عن الحزب ولا باس ببعض الصاق بعض الصفات السيئة للحزب عسى ولعل ان يعينوك سفيرا فوق العادة فى احدى دول اوروبا الشرقية التى تعرفها حق المعرفة من خلال زياراتك لتلك البلاد ايام تمثيلك للسودان فى اتحاد النقابات العالمى ” واذكر بان ملامح وجهه قد تغيرت واخذ ينظر الى بنظرة خلتها قد اخترقت كل جسدى وقال ” دايرنى بعد العمر دة كلو ابيع نفسى عشان شوية مظاهر دنيا زائلة ؟؟ وواصل حديثه ولعلمك فان لدى راى سالب كبير تجاه هؤلاء المنسلخين وذلك ليس بسبب تركهم للحزب فهذا شانهم ولهم حرية التصرف لا نملك ان ننتقدهم فيها فهم احرار فيما يفكرون ولكن من العيب و العار ان تلعن و تشتم جهة ما كنت انت احد اعضائها وكانت هذه الجهة السبب فى تلهف الاخرين فى قبولك لديهم ”
وهكذا كان الاستاذ كمرات نبيلا حكبما عادلا و منصفا فى حكمه للامور , ولم اسمعه فى مرة واحدة يسئ للاخرين فى الاحزاب الاخرى وكان يقول عن نفسه ” انا نوبى دنقلاوى , انصارى , شيوعى , وفوق كل ذلك انسان سودانى اصيل عاشق للسودان لناسه و ترابه وكل ما فيه ” وهذا الجانب فى شخصيته سوف نفرد له حلقة خاصة اخرى بأذن الله
ونواصل

amirrshahin@gmail.com
////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات