كولونيالية الإسلام السياسي: أزمة الوطن والوطنية والمُواطنة في خطاب الإخوان .. السودان نموذجاً .. بقلم: فتح الرحمن التوم الحسن.. تقديم حامد فضل الله/ برلين


صدر عن دار المصورات بالخرطوم ــ عام 2021، كتاب بالعنوان أعلاه، للدكتور فتح الرحمن التوم الحسن، أستاذ الفلسفة ــ جامعة النيلين \ السودان. والكتاب من الحجم المتوسط و يضم 1016 صفحة (الرقم صحيح!)، و الكتاب ليس مقسماً على فصول وإنما يضمّ عناوين عديدة مسترسلة، ثم خاتمة وكلمة أخيرة.
جاء في المقدمة المقتضبة “من الشائع أن المقدمات هي صورة لما هو في المُتون…إلاّ أنّ المُقدمات تأتي خصماً على المتن ذاته، إذ يستعصي عليها اقتضاب المتن…، فليعفنني القارئ والقارئة، من عنف كتابة المقدمات… وفي المدخل يقول ” هل قلنا كولونيالية؟ نعم، وتعمّدنا صياغة عنوان هذا البحث على نحوٍ يصف ظاهرة الاِسلام السياسي، بأنها ظاهرة كولونيالية”.
ويقوم بتعريف الكولونيالية، ” بأنّها نموذج في التفكير والتواصل والتصرف والحكم، يتميز بانتهاك الكرامة الاِنسانية والتعدّي على الحرية ومصادرة الحقوق ومجانبة الأخلاق وإساءة إنتاج واستخدام السلطة السياسية وتغريب العلوم عن الاِنسان واحتكار القوة واغتيال الغيريّة لصالح الذات أو لصالح فئة معينة فقط”… وهي ليست فقط ممارسة فئويّة منزوعة العمومية والمساواة ومنزوعة الاعتراف بالإنسان الآخر اجتماعياً وحقوقياً، بل أيضاً هي ممارسة يتعذّر تأسيسها “الحقّاني” تأسيساً ابستيمولوجياً ويتمنع الدفاع عنها أخلاقياً ونقدياً، وسواء كان أهل الاِسلام السياسي يعون ذلك أم أنّهم لم يعوا بعد، فإن مشروع الاِسلام السياسي ليس ديناً، وإنما هو “مشروعٌ كولونيالي” بحكم طبيعته وخطابه وغاياته…، فمصطلح الاِسلام السياسي ليس مصطلحاً دينياً إلهياً، إنّما هو مُصطلح إنسانيّ سلطويّ تماماً يسعى وينفعل تيار به محدود من المسلمين، وله العديد من التنظيمات، ويريد أن ينشئ له عضوية سببية تكوينية بين الدين والدولة. إن الدين الذي يجمع بين الناس في أفق ووجهةٍ واحدةٍ قد جعلته العديد من السرديّات مرجعاً للفرقة بين الناس فصار اليوم مرتكزاً للعنف والعنف المُضاد. فالناس اليوم هم أحوج ما يكونوا لحيازة القدرة على التمييز الواضح بين كلّ من التجربة الدينية من جهة والنص الديني من جهة أخرى. فقد شقيت البشريةُ بالمماثلة والتحديد بينهما”. ويشير إلى النشاط الكولونيالي في فتوحات المسلمين ويتساءل:
هل نشرُ الدين يحتاج احتياجاً ماهوياً إلى شِرعة السيوف؟ ألا يملك الدين في حدّ ذاته قدراً كافياً من القوة النفسية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعيّة والحضاريّة التي يستغني بها البتة عن الاستعانة بأيّ عامل آخر سواه حتى يمكن له أن يكون مقبولاً ومقنعاً للناس؟
ويشير في فقرة أخرى، إلى الخطاب العمومي والخطاب الظرفي في النص القرآني أو النبوي وإشكالية الناسخ والمنسوخ، ووفقاً لمنهجية النسخ العقلاني للنص القرآني والنبوي الظرفي يمكن للمسلم استعادة الاتساق في الخطاب الاجتماعي الحقوقي كلّه؛ وذلك بردّه إلى الأفق العمومي.
إذن فإن فتح النص القرآني والنبوي على العموميّة سياسياً حيث تلتقي الماهيّة والنمذجة في تجربة العالم المعيش للمسلمين وغير المسلمين، يستلزم استعادة مشروع النسخ لكي يجري استئنافه عبر منهجية عقلانية نقدية تواصلية تنسخ ما هو نص ظرفي أو كولونيالي يحدّ أو يمنع من تأسيس الاجماع السياسي العمومي الذي يتعين في دولة المواطنة، سواء كانت داخل الحيّز القطريّ أم على مستوى المجتمع الدولي”.
يكتب في فقرة: خطورة التوقف العلمي عن تصنيف السرد الديني، ومشيراً إلى مبادرة المسلمون الأوائل إلى أنشاء مباحث علمية شتّى تتعلق بالقرآن والسنّة، وتلك هي مبادرة مبدعة أنتجت مثلاً علوم القرآن وعلوم الحديث وعلم أصول الفقه وعلم اللغة. ولكن تلك العلوم التي كانت استجابة مُبكرة، لأهمية تأسيس مباحث القراءة، هي نفسها لم تستغرق مباحثها ولم تستنفذ قضاياها وأسئلتها، فهي إذن علوم غير مكتملة لا من حيث المنهج ولا من حيث الشغل، ولكنه يحترز هنا بقوله، “وأنّى لعلم من العلوم أن يكتمل، فالعلم يعدل في نموذجه الاِرشادي على نحو مستمر”.
ويناقش شعار: الإسلام دين ودولة، فهو في الأصل مجرّد “فكرة ناسوتيّة”، فأنّ هذا الشعار ذاته ليس هو في الحقيقة، لا نصّاً قرآنياً، ولا حديثاً نبوياًّ، أي أنّ هذا الشعار ليس هو بالأساس جزءٌ من شرعية المسلم الدينية”. وأن دولة النبي دولة تفويضٍ بشري، وأن تسيد “النبي” سياسياً كان تسيداً تفويضياً، اجتماعياً، ولم يكن البتة تسيداً بحكم “الدين” في حدّ ذاته”. ويتعرض إلى قضية طاعة أولي الأمر، ويعتقد الإخوان بأنّ الماوردي قد قام فعلاً بإثبات ” دينية الإمامة وتأكيد المعنى السياسي للفظ “الأمة”، ويقول، ولكن ذلك اعتقاد غير صحيح.. وكذلك يتعرّض لقضية الخلافة، مشيراً إلى ابن خلدون، ويرى أن هناك تناقض في طرحه. ويعقب ذلك سرد تاريخي منذ خلافة أبي بكر الصديق … ويطرح بعض الأسئلة مثل: هل دول المسلمين دول دينية؟ هل الخلافة مسألة سياسية اتفاقية أم مسألة دينية؟ هل يوجد مؤشر فقهي بين الدين والحكومة؟ وأسطورة الدولة الدينية والانتهاك الهيرمنيوطيقي للحديث النبوي، لعل “الأثر” القائل: إنّ الأمة من قريش، هو أوّل متن بارز في تأسيس إيديولوجيا وكولونيالية الإسلام السياسي، وهكذا تشكلت إيديولوجية الاِسلام السياسي الأوّل في صورة “القبيلة”. والانتهاك الهيرمنيوطيقي للنص القرآني عبر استخدام سلطة النص. ومن ذلك الانتهاك ما تمّ ارتكابه في حقّ الآيات التي ورد فيها لفظ “حكم” في القرآن وهو كثير. ويجيب على كلّ هذه الأسئلة والنقاط بتفصيل، ومستنداً على الآيات القرآنية وعلى ما جاء في التراث والأبحاث الحديثة، مؤيداً أو معارضاً.
وفي فقرة “تقريظ خطاب الأخلاق في الاِسلام”، بقوله” انطوى كلّ من القرآن والسُنة النبوية الصحيحة، على وجود منظومة أخلاقية، تشكل نُضَيدة معيارية قياسية متناسقة مكونة من توجيهات وقيم ومبادئ كليّة عامّة ومجرّدة، وهي التي تمثل الخيط المعرفي في المؤنسن الذي يصلح لأن يكون رابطاً بين الأصول الاِنسانية ومعانيها في الدين الاِسلامي من جهة، ومجال السياسة العامة والدولة والحكومة من جهة أخرى”، وهي التي تمثل العناصر والمداخلات المعيارية الاِسلامية، التي تساهم في تكوين وتشكيل ما ندعوه “خطاب الناس”، وهو يعني خطاب معرفي نقدي سياسي حقوقي عمومي مساواتي”، وطبيعته الاِنسانية العمومية تعتمد نموذجاً تفكرياً وإطاراً نظرياً ومعرفياً له، ويستلهم ماهيته منطلقاً قياسياً لأحكامه وقراراته ونزوعه في شتّى أنشطة الفعل السياسيّ العموميّ”. ثم يشرح بإسهاب القواعد العمومية لخطاب الناس، مثل قاعدة التجريد، قاعدة تحرير المقتضي، قاعدة بناء المُحاجة …، فهم الديمقراطية، ومنطق الأغلبية، وتزيف ماهية الديمقراطية، وقاعدة تجنب الخطأ في تعريف الشريعة الاِسلامية ونقد التعريف الكلي لها، والتطابق بينها والشؤون الجنائية والأحوال الشخصية للمسلمين، والدستور والاستفتاء العام ومعضلة التمثيل المليًّ، ويعالج مفهوم المواطنة ودولة المواطنة.
ويقوم الكاتب بسرد تاريخ الحركة الاِسلامية السودانية الممتدة منذ نهاية الأربعينيات، و”مؤتمر العيد” الذي انعقد في نادي أم درمان الثقافي بتاريخ 21 أغسطس 1954 ويتابع مسيرتها وتقلباتها وتحالفاتها، ثم الانفراد بالسلطة عن طريق الانقلاب العسكري في عام 1989، رغم أنّ الحركة لم يتم استبعادها في ظلّ أي نظام ديمقراطي في السودان، بل كانت، وهذا ديدن معلوم، تنشط بأقصى قوتها في الاستفادة من الحرية التي يوفرها المناخ الديمقراطي، ورجوعاً للوراء فإنّ الحركة عاشت مكرمة في مناخ الديمقراطية وفي أرفع مؤسسات الحداثة في السودان، ولولا الحريّة المكفولة في جامعة الخرطوم لكان قد توقّف نمو الحركة الاِسلاميّة السودانيّة منذ الخمسينيات. ويناقش بدقّة كلّ الوثائق والقوانين والمشاريع التي صدرت في هذه الفترة، ويستعرض أبحاث وآراء مفكّريها (على قلتهم) نذكر منهم (مع الاحتفاظ بالألقاب) حسن عبد الله الترابي، عيسى مكي عثمان، حسن مكي، التيجاني عبد القادر حامد، عبد الوهاب الأفندي، الطيب زين العابدين، غازي صلاح الدين العتباني، أمين حسن عمر، محمد الخير عبد القادر، عبد السلام المحبوب، محمد محجوب هارون …، ويرى أنّ مشروع النهضة الشاملة، الذي يدافع عنه مثلا أمين حسن عمر، هو إذن هوية مفتعلة عابرة للجغرافيا السياسية القطرية، وليس مشروعاً وطنياً سودانياً يحتفي بالوطن والدولة الوطنية والمواطنة وبالتعدد والاختلاف السياسيّ والثقافيّ والدينيّ، ولم ينجز الاِخوان بعد الرؤية الوطنية المنشودة ولم يجعلوا بعد من المواطنة ثقافة يومية في ممارستهم المعرفية والسياسية والحقوقية، ومن المتعذر عليهم اليوم إنجاز رؤية وطنية مناسبة وفعالة وعمومية ومساواتيه حال غياب أو ضعف التفكير العقلاني النقدي في خطابهم وفي مؤسستهم، وضرورة تحمل كلفة وعبء التحرر من تراث فكريّ وأسطوريّ مديد وثقيل، لم يعد الآن مناسباً لقيادة هذه الحقبة من التاريخ الاِنساني الفلسفي السياسي والحقوقي. ويبدو واضحاً إذن أنّ سنوات الحكم والسلطة والتمكين لم تشكل لدى الاِخوان حساً معرفياً وسياسياً بأهمية مراجعة خطابهم الفكري والسياسي، مراجعة جذريّة.
وتأتي ضمن الخاتمة: سؤال مصيري، “هل آن الأوان لكي يغادر الاِخوان في السودان في جميع واجهاتهم التنظيمية المنطق السياسي الفئوي والتحول بدلاً عنه إلى المنطق السياسي العمومي المساواتي والتخلي عن وهم دولة الأمة الدينية ودولة الولاية وإعادة بناء رؤيتهم وفقاً لخطاب الأخلاق وخطاب الناس؛ من أجل تعزيز دولة “المواطنة” او الدولة “الوطنية” أو” الوطن الذي يتسع الجميع”، الذي يشملهم كلهم ومعهم جميع السودانيين والسودانيات على سوية واحدة بينهم في الواجبات والحقوق العامة، فيفتتحون بذلك سبيلاً جديداً وواقعياً وراسخاً لا يضار منه دين ولا أحد من السودانيين أو أحد من الناس الآخرين”.
ــ ما تقدم ليس مراجعة للكتاب، فكيف يتم ذلك في عدد قليل من الصفحات، وإنما فقط تقديم وتنبيه لهذا السِفر الضخم الهام، والذي صدر تواً، وجاء في الوقت الذي يخوض ويواصل فيه الشعب السوداني ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، مدفوعة بسواعد شبابه، الذين قدموا ولا يزال يقدمون أرواحهم ودماءهم في سبيل الحرية، والعدالة والكرامة والمساواة. واتمنى أن نشترك جميعاً في مراجعته، وهذا يتطلب العودة إلى الكثير من المصادر والمراجع والوثائق الحافلة في الكتاب، ومراجعة استنتاجات واستشهادات الكاتب، لنخلق حوراً فكرياً بناءً، ونحن على أبواب مناقشة قضايا مصيرية، مثل صياغة دستور جديد، وقضية الهُوية، وقضية العلمنة، وحقوق المرأة …، وقفل الطريق أمام الذين مارسوا ولا يزالون يمارسون المزايدة والنفاق، من أجل مصالح حزبية أو ذاتية.

hamidfadlalla1936@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد