مسامرة رمضانية! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون


maqamaat@hotmail.com

استعان عالم السياسة البريطاني ديفيد ميللر الأستاذ بجامعة كمبردج كمدخل للتعريف بالفلسفة السياسية أو إن شئت بالفكر السياسي ويطلق عليه آخرون النظرية السياسية، بلوحات الإيطالي أمبروقيو لورينزتي الحائطية الرمزية التي رسمها في قاعة مجلس الحكم في جمهورية سيانا الإيطالية (دولة مدينة سيانا) إحدى دول المدن الإيطالية التي تبنت نهجا ديمقراطيا ليبرالياً لا تسيطر عليه الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تسيطر علي كل شيء وكانت من أقوي وأهم المدن الإيطالية في القرن الرابع عشر الميلادي. استغرق الفنان لورينزتي في رسم لوحاته الرمزية لتبيان الفرق بين الحكومة الرشيدة والحكومة الفاسدة فيما عرف في العلوم السياسية بلوحات “رمزية الحكومة الرشيدة والحكومة الفاسدة”، مدي زمنياً من فبراير ١٣٣٨ الي مايو ١٣٣٩. وهي لوحات غاية في الجمال والإبداع الفني جعلت التباين بين الحكومتين بيناً لا تخطئه العين. وقد برع الإيطاليون في فن الرسم والنحت أكثر من غيرهم وأحد أسباب ذلك تشجيع الكنيسة للرسم فأدي ذلك للتنافس عليه ذلك أن روما عاصمة الديانة الكاثوليكية كانت تستعين به لتبيان وشرح الكتاب المقدس في مجتمعات غلبت عليها الأمية فجاءت لوحات مثل العشاء الأخير وغيرها تجسيداً لذلك. وكان بعض متطرفة الفرنجة قد اتخذوا ذلك مطية للطعن في الخيال العربي المسلم وأنه متخلف في ابتداع الفنون ونسوا أن العرب اعتمدوا الشعر في عصور الأمية في الجاهلية للتعبير الفني وغيره ثم لجأوا للكتابة بعد رسوخ الإسلام. وفي الفنون تميز المسلمون عن غيرهم بالزخارف والخط وامتنعوا عن النحت والتماثيل وتصوير الناس لاعتبارات دينية لا غير.
وللتدليل علي اعتماد المسلمين علي الكلمة في التبيان لا التصاوير في وقت مبكر من عمر الانسانية أريد أن أشرككم في سياحة في عوالم السياسة لدي المسلمين عبر كتاب “العقد الفريد ” لأحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي الذي ولد في قرطبة في العاشر من رمضان من العام ٢٤٦ هجرية أي حوالي العام ٨٦٠ ميلادي في أزهر عهود دولة بني أمية في الأندلس. وبين ابن عبد ربه وبين الإيطالي لوريزنتي راسم اللوحات الرمزية نحو سبعة قرون. وللإنصاف فالذي نحن بصدده لا يعني بحال أن الكلمة ابتدعها العرب المسلمون فقدماء الإغريق كتبوا وأكثروا فدونكم كتابات افلاطون وأرسطو في الفكر السياسي وبعض طروحاتهم أخذت طريقها للتحقق ولم تزل . لكن أوروبا غشيتها غاشية من الظلمة الحالكة امتدت لقرون طويلة فيما عرف ب القرون المظلمة أو الوسطي وهي قرون لم تكن مظلمة في كل مكان بل كانت قروناً في أمم الشرق وخاصة في حضارة المسلمين في الأندلس ساطعة الضياء تنبض بالحركة والحياة.
أورد ابن عبد ربه تحت عنوان :” كتاب اللؤلؤة في السلطان” ما يشئ بفهم عميق للحكم الرشيد وغير الرشيد لدي المسلمين في ذلك العهد البعيد ذلك رغم أن ابن عبد ربه لم يكن من التطهرييين كأبي ذر الغفاري الذي لم يكد يجد للحاكم عذراً في الوقوع في براثن الخطأ وهو ما فصل فيه محمد جلال كشك في “أبو ذر والحق المر !” بل كان نديما لسلاطين بني أمية الذين ما خلت أحكامهم من الجور والقسوة والشدة علي من نازعوهم الحكم حتي من ذويهم الأقربين، بل واستحلوا دماءهم بمقولة مبتدعة بأن “الملك أو السلطان عقيم” أي لا يعرف ابنا ولا أخا إذا طمعوا فيه. ومع ذلك فقد أورد بدقة صفات الحكم الرشيد كالمشورة كأساس للملك حتي قال قائلهم عندما فرض عليهم نظام التوريث مستنكرا ،”تريدونها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل!” وكالرفق بالمواطنين والمساواة بينهم أمام القضاء وفي الحقوق وتحقيق العدل مع مقارنة ذلك بنقيضه من الحكم الفاسد المفسد. والإيمان المجرد بذلك حتي وإن كان من حيث النظر وإن لم يصادف الكمال بالتحقق في واقع الحياة المعيشة ، يعد درجة متقدمة في سلم الحضارة اهتدت إليها مؤخراَ حضارات أخري في القرون القليلة الماضية. ذلك يحتم احترام الحضارات الأخرى واسهاماتها وأن قوة الحضارة السائدة لا يؤهلها الزعم بالتفوق علي مستوي الأخلاق والحس الإنساني ولابد للغرب أن يعترف بذلك وقد بدا للناس للأسف قصور في ذلك فيما بدر من فعل وتعليقات في حرب أوكرانيا حيث لحق التمييز المضاد في حق الملونين قاطبة حتي في الهروب من حمي الموت!
يقول ابن عبد ربه : ” السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق وقوام الحدود والقطب الذي عليه مدار الدين والدنيا وهو حمي الله في بلاده وظله الممدود علي عباده. به تمنع حريمهم وينتصر مظلومهم وينقمع ظالمهم ويأمن خائفهم.
قالت الحكماء، إمام عادل، خير من مطر وابل وإمام غشوم خير من فتنة تدوم ويزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن.”
ومعناه أن القرآن وحده لا يردع، فضعاف الإيمان لا يعملون بأوامره ونواهيه من عند أنفسهم فالسلطة الحاكمة هي التي تنفذ ذلك في الناس. وهنا ومن تعريف الحكومة الرشيدة وغير الرشيدة ينتقل ديفيد ميللر إلي السلطة السياسية ومعني الدولة وهي التي ترعي شوون الناس فيصف سلطان الدولة بأنه ظاهرة حديثة فالدولة اليوم تمسك بتلابيب رعاياها في كل صغيرة وكبيرة ، قال” كأننا من مخلوقات الدولة!” ويضيف بأن الدولة بهذا المعني بدأت في أوروبا الغربية. صحيح أن الأباطرة والملوك كانوا يملكون السلطة علي رعاياهم لكنها كانت سلطة محدودة لا يحفل الحاكم فيها بتفاصيلها إلا فيما يتعلق بتثبيت عرشه ويقوم مرؤوسوهم بما دون ذلك من شؤون محدودة بما لا يقارن بسطوة الدولة اليوم. وثار السؤال منذ نحو خمسمائة عام: بأي حق تمارس الدولة هذه السيطرة علينا فبدأ فلاسفة السياسة من لدن توماس هوبز ، جان جاك روسو وغيرهم في حوارات نتج عنها مفهوم العقد الاجتماعي وتطور الأمر لتبني الفكر الديمقراطي الذي يجعل سلطة الدولة مستمدة مباشرة من الشعب يمارسها مباشرة وحرفياً ومع تعذر ذلك عملياً، اهتدوا لفكرة التمثيل مع ما فيها من قصور وعيوب. كذلك نشأت مدارس فوضوية لا تري ضرورة لوجود الدولة ونشأت فلسفات شمولية أفضت للاستبداد.
وفي سرد العقد الفريد لمؤلفه الذي عاش في القرن التاسع الميلادي يبدو أن مفهوم واجبات السلطان ، أي واجبات الدولة كانت شبيهة بما تقوم به الدولة اليوم رغم أن المجتمع المسلم قد استقل عنها في الجوانب الاقتصادية عن طريق مؤسسة الأوقاف (الأحباس) وغيرها والتي كانت تشرف علي التعليم وعلي رعاية الفقراء والتوجيه والإرشاد.
قال:” ذكر إعرابي أميرا فقال: كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون علي عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم فالمحسن راج والمسيء خائف. ” وقال كعب الأحبار “مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأوتاد فالفسطاط الإسلام ( الفسطاط بيت أو خيمة من الشَعر) والعمود السلطان والأوتاد الناس لا يصلح بعضها إلا ببعض.”
وقال معاوية :” إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصراً إلا الله!”
وكتب إلي عمر بن عبد العزيز بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينته فكتب إليه حصنها بالعدل ،ونق طرقها من الظلم.”
ولما استخلف عمر بن عبدالعزيز أرسل إلي سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب فقال لهما أشيرا عليّ: فقال له سالم: أجعل الناس أباً وأخاً وابناً فبر أباك واحفظ أخاك وارحم ابنك. وقال محمد بن كعب : أحبب للناس ما تحب لنفسك وأكره لهم ما تكره لنفسك واعلم أنك أول خليفة تموت.”
وعن بطانة الحاكم قال الأحنف بن قيس : من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء ومن غص بالماء فلا مساغ له ومن خانه ثقاته فقد أتي من مأمنه.
وكان عمر بن الخطاب شديداً علي الولاة في المحاسبة علي الأموال وفيهم كبار الصحابة:
لما عزل عمر أبا موسي الأشعري عن البصرة شاطره ماله وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله وعزل الحارث بن كعب وشاطره ماله (أي أخذ منهم نصف ما يملكون ورد ذلك للخزانة العامة . بيت مال المسلمين). وكان حساباً عسيراً هكذا: ما جاريتان بلغني أنهما عندك؟ فما مكيالان بلغني أنهما عندك؟ وفعل ذلك مع معاوية وعمرو بن العاص وكان قد بعث إليه محمد بن مسلمة في مصر فصنع له عمرو طعاماً كثيراً فأبي محمد بن مسلمة أن يأكل منه شيئاً . فقال له عمرو : أتحرمون طعامنا فقال: لو قدمت إليّ طعام الضيف ولكنك قدمت إليّ طعاماً هو تقدمة شر! ( كأنه أحس فيه معني الرشوة لكثرته وتنوعه) والله لا أشرب عندك ماء فاكتب لي كل شيء هو لك. فشاطره ماله بأجمعه حتي بقيت نعلاه فأخذ احداهما وترك له الأخرى! فغضب عمرو وقال يا محمد قبح الله زماناً عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب فيه عامل والله إني لأعرف الخطاب يحمل فوق رأسه حزمة من الحطب وعلي ابنه مثلها وما منهما إلا نمرة (بردعة من صوف تلبسها الأعراب) لا تبلغ رسغيه . والله ما كان العاص بن وائل يرضي بلبس الديباج مزوراً بالذهب. قال له محمد : اسكت والله إن عمر لخير منك وأما أبوك وأبوه ففي النار. والله لولا الزمان الذي سبقك به لألفيت مقتعد شاة يسرها غرزك ويسوءك بكؤها. (أي لو لا أن عمر قد ولاك لكنت ترعي شاة تفرح إن كثر لبنها وتحزن إن قل). فخاف عمرو أن يبلغ ما قاله أمير المؤمنين عمر فرجاه أن يكتم ذلك .قال هي عندك أمانة الله! فلم يخبر بها محمد بن سلمة عمر!. وعمرو يعرف عظمة عمر وهو الذي قال عندما نعي إليه: ” لله در بن حنتمة، أي رجل كان!”.
وقد لخص عمر رضي الله عنه مهام الدولة تجاه الناس والحيوان حين قال لو عثرت بغلة بأرض العراق لسألك الله لم، لم تعبد لها الطريق.
وببساطة فالحكومة الغااشمة غير الرشيدة هي نقيض ما تقدم ، نقيض المشورة ، ونقيض الحلم والرفق بالناس ونقيض العدل ونقيض المساواة بين الناس واهمال عمل ما يجعل حياتهم ميسرة. ولا يحتاج الأمر لتصاوير علي الحائط والجدار تستغرق أكثر من عام! لكن الجاحظ رحمه الله وهو رجل راوية يطربه الاستطراد، لم يكتف بقاعدة معرفة الشيء بنقيضه ولم يحفل بمقولة، “وبضدها تتمايز الأشياء” ، فألف كتاباً كاملاً سماه ” المحاسن والأضداد “يذكر فيه محاسن الشئ ونقيضه في كل شأن من الشؤون، فالتمسوه من مظانه فهو طريف في مادته ومسل في عباراته الأدبية الجزلة الرنانة!
ازدهرت التجارة بعد ظهور الإسلام الداخلية منها والخارجية عبر العالم المعمور يومئذ ودونت الكتب ووضعت القوانين مستمدة من قيم الدين لضمان العدل فيها فقننت القوانين لذلك وحددت طرق ووسائل فض النزاعات بشأنها ولم يداخل الناس شك في حل الاستمتاع بالطيبات من الرزق والكسب الحلال واقتناء الحدائق والدور والقصور مع البعد عن الأثرة والاستغلال وظلم المستضعفين وبلغ ذلك قمته في الأندلس. لكن الأمر لم يكن كذلك في أوروبا كما يحدثنا روبرت هايلبرونر حتي أواخر القرن السابع عشر في أوروبا حيث كان يعد مجرد الكسب و الاكتناز والتماس الربح والاقتناء خطايا مثل الربا الذي كان محرماً هناك. ويسرد لنا الرجل في كتابه (The Wordily Philosophers
أو الفلاسفة الدنيويون وهم الأسماء الأبرز في عالم الاقتصاد الحديث والمعاصر ،آدم اسميث وجون ميرنارد كينز وديفيد ريكارد وكارل ماركس وسواهم تفاصيل ذلك. والتسمية تحمل ادانة ضمنية لمساهمة الكنيسة التي زهّد كهنتها الناس في الكسب والربح والادخار المشروع. ويقول إن بوادر الانفكاك من تلك النظرة بدأت خجولة متدرجة منذ القرن الرابع عشر. ثم انفجرت الثورة الاقتصادية بعد ذلك التدرج الخجول فجأة وكأنها قفزت قفزاً فوق المراحل .يقول إن الثورة الاقتصادية التي حدثت بعد ذلك تعتبر أعظم من كل الثورات التاريخية كالفرنسية والروسية والأمريكية حيث غيرت مسار البشرية إلي ما تنعم به اليوم من الرفاهية والرخاء. ويصف خروج العالم الأوروبي من قبضة الاقطاع المتخلف بأنه جاء فجأة في مراحله الأخيرة وبلا مقدمات كخروج الفراشة من الشرنقة ! ذلك كان في القرن الثامن عشر. وتسنمت الحضارة الغربية في أوروبا وامتداداتها في العالم الجديد قيادة العالم. و الذي لم يقله إنها وبنشوة الفجاءة ، جاءت متوجسة من قيم الدين الناهية عن الجشع والتربح غير المشروع والربا وما يتبع ذلك من الغواية بفعل الوفرة ،أو أنها جاءت كارهة بالكلية لتلك القيم راغبة في إقصائها تماماً من دنيا الاقتصاد . ولربما لذلك نعت فلاسفة الاقتصاد أولئك بالدنيويين! واستحكم ما يعرف باقتصاد السوق. تأمل هكذا اقتصاد السوق! أي الذي تتحكم فيه معايير العرض والطلب دون اعتبارات أخري وخرج آدم اسميث ببدعة “دعه يعمل دعه يمر” وأن يداً خفية كفيلة بإحقاق العدل ومعلجة جوانب القصور في مسيرة العملية الإقتصادية. إذن فقد حدثت الثورة الاقتصادية التي غيرت وجه التاريخ لا علي قاعدة صلبة من قيم فاضلة كانت موضع إيمان في أوروبا بل جاءت كالآلة الصماء لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً فلم تعم السعادة والرفاه كل أركان الدنيا بل تستأثر بها قلة بينما المرض والموت والمسغبة تلف معظم بقاع المعمورة.
قلت ماذا لو أن الحضارتين تلاقحتا باكراً ،فقامت الحضارة المعاصرة علي ساقين :ساق للقيم الإنسانية الفضيلة و الأخرى تلك الساق التي قامت عليها بالفعل من خلال التجريب والتدافع بين الناس: ساق العلم الدنيوي. إذن لقلت سوح الاستغلال ونهب وإذلال الضعفاء من الأفراد والأمم ولتناقص عدد الحروب المدمرة التي توشك أن تقضي علي الوجود البشري علي هذا الكوكب الرائع الجميل.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق

تعليق واحد