يتقاتلون … والجوارح تحلق انتظاراً !!. .. بقلم: عزالدين صغيرون


سواء كانت محاولة الانقلاب حقيقية كما قال حمدوك، ومن تدبير فلول نظام القتلة واللصوص الهاربين.
أو كان مسرحية سيئة الإخراج من المكون العسكري كما يقول البعض ويشاع في الفضاء العام.
أو كان مجرد مغامرة لبعض الحالمين بالسلطة من الضباط في الجيش، كما قد يظن البعض.
أو حتى لو كان محاولة لضباط حسني النوايا دفعتهم عاطفة وطنية صادقة لوضع حد لتدهور الدولة.
أياً كانت الجهة أو الأفراد الفاعلين، وأياً كانت الدوافع والأسباب، فإن الانقلاب بحد ذاته مؤشر – ضمن مؤشرات أكثر منه وضوحاً – على أن الدولة تقف على حافة الانهيار والتفكك. وليس إجهاض الثورة وحده ما يمثل التحدي الذي نواجهه. فما سبتمبر سوى ثورة قد خلت من قبلها الثورات في كتاب تاريخ السودان. ولكن الخطر الأكبر يتمثل في ضياع الوطن كله وانهياره وتفكيكه. وثمة سيناريوهات وخطط رسمتها قوى دولية وإقليمية منذ عقود بعيدة تنفذ من حينها وإلى اليوم. وما فصل الجنوب (وليس انفصاله) سوى حلقة في هذا المخطط الشيطاني
(2)
وإذن فإن هذه المراثي والبكائيات التي تُدبج في بلاط ثورة سبتمبر، لا تليق بها، ولن تفيد شيئاً.
نعم، يُحمد لمن يرصدون شذرات من مشاهد تداعي الدولة، سواء حدث الهد والتخريب بمعول قيادة الجيش والأمن والشرطة، أو بيد المليشيات التي كانت تسمى في العهد البائد حركات مقاومة مسلحة، أو على يد ما يطلق عليه زوراً حكومة الثورة المدنية، أو بانشقاقات وصراعات أحزاب ومنظمات الحاضنة السياسية.
نعم يجد رصد وفضح وكشف هذه الممارسات من مختلف القوى التي تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي كل الاحترام والتقدير.. ولكنه لا يكفي ولن يقود سوى إلى سرادق اليأس والإحباط .
حسناً كلنا ( والعالم معنا) شهود على ما يجري من تفكيك للوطن بلا مسؤولية. بل وكأن هؤلاء الناس يكنون غبناً وحقداً ويسعون للثأر من السودان وشعبه، أو كأن في تاريخه ما يجعلهم يسعون لمحوه من جغرافيا دول العالم.
ولكن هل رصد مشاهد التفكيك وفضح من يقومون به يكفي لعلاج جراحات الوطن؟.
هذا لا يكفي ، ولن يفيد الوطن وشعبه في شيء.
فالمطلوب الآن – وعلى نحو عاجل وملح – هو أن ننتقل إلى السؤال:
ثم ماذا بعد؟.
ما العمل المطلوب الآن للخروج من هذا النفق المظلم والانطلاق لتشييد الدولة البديلة الجديدة ؟.
(3)
الإجابة على هذا السؤال تتطلب أن نجيب على سؤال: أين كان الخطأ؟.
ولماذا ظلت كل ثورة تقودنا إلى الوراء؟.
لماذا كانت تفشل كل محاولاتنا السابقة وتؤد أحلامنا في التغيير ؟.
ويكفي لتأكيد هذا السير إلى الوراء، مقارنة عجلى لنوعية القيادات العسكرية والسياسية الحزبية الذين تداولوا سلطة الحكم منذ الاستقلال إلى اليوم من حيث التحلي والالتزام بقيم الوطنية، ومستوى المسؤولية، والأخلاق والسلوك الفردي، ومستويات الخطاب السياسي والاجتماعي، بل حتى على المستوى الثقافي العام. لتكشف لك عن التدني الذي كان ينحدر إليه كل لاحق على سابقه.
حتى أنه تستحيل المقارنة اليوم بين واقع وخطاب وسلوك قيادات القوى السياسية والاجتماعية، ما بين البدايات مع الاستقلال، وما بين النهايات في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. ويكشف لك عن عمق الهوة – على كل الأصعدة – بين بديات تأسيس الدولة السودانية الوطنية الحديثة، وما وصلت إليه من تدهور وتدنٍ وضعفٍ وانحطاط.
(4)
ولكن مهلاً.
إذ لا يمكن أن يؤخذ هذا ليس مدحاً وتقريظاً للمتقدمين على المتأخرين بأية حال.
وإنما هو تفاضل بينهما في الفشل والسوء والإخفاق. كأن تسأل: أيهما في السوء أفضل من الآخر ؟!.
لأن دوران ساقية الفشل بدأ مع أول حكومة ومعارضة حزبيتان، أعقبه أول فشل لحكومة ديكتاتورية عسكرية. ومن ثم توالى الفشل مع أول ثورة شعبية، فشلت في تحقيق شعاراتها، رغم نجاحها في الإطاحة بالحكم القائم.
فلماذا هذا الدوران العبثي؟.
في الإجابة على هذا السؤال تتعدد وتختلف اتجاهات التفسير.
– من هذه التفسيرات ما اكتفى منها بتوجيه سهام النقد لزعامات الأحزاب التقليدية الطائفية والجهوية، وسلوكهم الانتهازي واستثمارهم في رأس المال الديني والاجتماعي لترسيخ مصالحهم الخاصة.
– ومنها ما لجأ إلى التفسير العرقي وصراع الثقافات مكتفياً بذلك لتفسير الظاهرة. وليتحدث عن هامش لمركز هلاميِّان، دون أن يعرفك بهما على نحو واضح.
– ومنها ما دار في حلقة التفسير السياسوي، مفسراً الظاهرة بنتائجها وأعراضها، فتجده يتحدث عن غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك. دون أن يجيبك على السؤال عن أسباب غيابها.
– وفريق يريحنا من هذا العبء، ويحمِّل الأطراف الخارجية وزر فشلنا وخيبتنا، ليعلقهما على شماعة الاستعمار الغربي والشيوعية والصهيونية العالمية ..الخ.
– ولعل الحزب الشيوعي هو الوحيد بين الأحزاب الذي حاول أن يقدم تفسيراً موضوعياً ومنهجياً لهذه الظاهرة السياسية، لو لا أنه اعتمد – مكتفياً – في تحليله للظاهرة على التفسير الطبقي من منظور ماركسي/ اللينيني دغمائي ضيِّق، وبلغةٍ مستعارة عالية، لم يتجاوز تأثيرها في وعي الجماهير أفق الشعارات العاطفية التي تحلق بأرواح مردديها في سماوات الحماسة.
– أما بقية القوى السياسية فلم تعبأ بمحاولة تفسير ظاهرة الفشل المتكرر.
لأنها، من ناحية، كانت من أهم عوامل وأسباب هذا الفشل والإخفاق. ولأنها من ناحية أخرى، كانت المستفيد الوحيد الذي يتغذى منه، دون وعي بأنها ومع إخفاق كل ثورة وحركة تغيير جماهيرية كانت توسع في حفر قبرها وتزيده عمقاً. (وهي الآن في قاع الجُبّ كما ترى).

(5)
في كل هذه التفسيرات دائماً كان هناك ثمة شيطان ما يتربص بنا.
وبالطبع ستختلف الشياطين باختلاف مذاهب وميول ومناهج المفسرين !.
لا أحد يجرؤ على الذهاب أبعد من هذا السطح ليسأل: ونحن ما دوورنا ؟!.
ربما يكون الوحيدون الذين تتوجه أصابع اتهامهم نحونا، هم أولئك الذين دائماً ما يعلو صوتهم في أوقات المحن والتحديات، وفي الأوقات الخطرة التي يكثر فيها ظهور المتنبئون والمهدويون، لينذروا الناس بأن ما يحل بهم إنما هو غضب من الله على كفرهم وفجورهم وعدم تقواهم، ومن ثم يقولون: “نحن الحل”.
نعم. لا بد في نهاية الأمر من شيطنة أحد أو جهة أو قوى ما تقف وراء هذا الفشل المتكرر. حتى ولو كان شيطنة الذات التي ترزح تحت نير هذا الفشل ونار نتائجه الكارثية.
(6)
ما يدعو للدهشة والغرابة أن التفسير الأعمق لأسباب هذا الفشل يقع تحت أرجلنا بينما نحن نتطلع في الأفق البعيد بحثاً عنه. وربما بسبب قربه الشديد من أعيننا هو غير مرئي. لأن أعيننا تتطلع لما وراءه.
والواقع أننا بذلك ظللنا نهدر وعياً كبيراً “في الفاضي” بلا جدوى.
ونخبنا الآن تعاني من نزيف حاد في وعيها، نتيجة إدمانها طرح الأسئلة الخطأ، وإعمال فكرها، جهد طاقته في البحث عن أجوبة لا تحل مشكلة.
لأن المشكلة في وادٍ والبحث عن حلها في وادٍ آخر.
وبالتالي فإن مخرجات البحث وإجاباته لن تتوافق مع المشكلة ولن تحل شيئاً، لأنها من الأساس لم تخاطب المشكلة.
وهذا ما يمكنك أن تسميه بهدر الوعي.
الجميع يتصارعون على الدولة كما تتداعى الأكلة على القصعة، وتكاد الدولة تموت تحت أقدامهم المتدافعة، وأنياب مطامعهم، والشهوة السلطوية التي تعتمل في صدورهم.
تضعف الدولة وتترنح، وهم في غفلة صراعهم غافلون، ولا يأبهون.
تحلق الجوارح في الفضاء تنتظر نفوق الدولة لتنقض على الجثة، وهم لا يرفعون أعينهم وهم منهمكون في الصراع: أيهم يستحوذ عليها خالصة (حتى ولو كانت جثة) ويستأثر بها. فهو على يقين بأن ما في رأسه من عقيدة ومذهب ومنظومة فكرية كفيل باستنهاضها، وبعث الروح في جسدها البارد، لتصبح من أقوى الدول في العالم !.
(7)
إذن: سؤال الدولة هو الغائب في أذهان النخب,
وقد ظلت النخب السياسية والثقافية والاجتماعية تتصارع حول “هوية” الدولة.
وكما لا يخفى فإن هوية الدولة تختلف في أذهان المتصارعين.
هل هوية الدولة في ذهن النخب العسكرية، هي ذاتها صورة الدولة في أذهان القوى السياسية والفكرية المختلفة؟.
وبين الأخيرة ذاتها هل تتطابق صورة وهوية الدولة عند القومي والليبرالي والأممي. دينياً سواء كان هذا الأممي أو علمانياً ؟.
بكل ما بين هذه النخب من تباينات واختلافات بين محمولاتها الذهنية التي تسعى لإسقاطها على هوية الدولة، يدور الصراع بينها حول الدولة ذاتها. بينما النسور التي تقتات على “الميتة” تأتي من سماوات خارجية تحلق انتظاراً. ومن يلومها إذا كانت القتيلة قضت بخناجر أبنائها ؟!!.

izzeddin9@gmail.com
/////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك