التسليح العالي، طريق مسدود

 


 

 

Herbert Wulf هربرت وولف
تقديم وترجمة حامد فضل الله / برلين

منذُ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022، لاتزال وسائل الاِعلام المختلفة ومراكز الأبحاث، تواصلُ التعرّض بكثافة لهذه الحرب المدمرة. وتتباين التحليلات، فهناك ما يشير إلى فشل الحملة الروسية، بسبب الدعم الحربي والمالي واللوجستي الغربي لأوكرانيا، والخسائر الكبيرة وسط الجيش الروسي في العتاد والجنود، وهناك من يرى بأنّ روسيا، لن تستلم بسهولة، وسوف تظل في حرب استنزاف طويلة الأمد.
لقد قدمنا في مقال سابق بعنوان " موقع ألمانيا في النّظام العالمي الجديد لأمريكا" للكاتب الاقتصاديّ الأمريكي والأستاذ في جامعة ميسوري - كنساس سيتي، مايكل هدسون.
ونعرض الآن وجهة نظر هربت وولف، الأستاذ في معهد التنمية والسلام في جامعة إيسن / دويسبورغ \ ألمانيا، والمدير السابق لمركز بون الدولي لدراسات النزاع.
نُشر المقال بتاريخ 3 يناير 2023 في المجلة الاِلكترونية "السياسة الدولية والمجتمع" التي تصدرها مؤسسة فريدريش ايبرت \ المانيا.
ــ هل هناك مخرج من التصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري؟
يجب أن يحتوي زمن التحول على أكثر من مجرّد التسليح.
ما الذي تريد البشرية التضحية به؟
لم تؤد حرب بوتين ضدّ أوكرانيا إلى تدمير بنية الأمن التعاوني فحسب، بل دمرته بشكل دائم. أنشأ قانون هلسنكي لعام 1975، وميثاق باريس لعام 1990، والقانون التأسيسي لحلف الناتو وروسيا لعام 1997 أساساً للتعاون الأمني في أوروبا - بل حتى "حقبة جديدة من الديمقراطية والسلام والوحدة"، كما تم وصفها بابتهاج على رأس ميثاق باريس. على الأقل هكذا رأى ذلك قادة الدول في العقد الذي تلا نهاية الحرب الباردة.
تلقي الحرب في أوكرانيا اليوم، بظلالها على الأمن الأوروبي والعالمي. وحلّت المواجهة العسكرية مكان العمل المشترك. لقد تمّ تدمير التعاون الاقتصادي، وأدّى الخوف من التبعية في قطاع الطاقة إلى زمن تحول، ولم يثبت مفهوم الآثار الإيجابية للاعتماد الاقتصادي المُتبادل "التغيير من خلال التجارة"
إنه ليس مجرّد تصور خاطئ في حالة روسيا فحسب، بل في مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الآسيويين والأوروبيين للصين أيضاً. على العكس من ذلك: فإن الاتجاه نحو سياسة دفاعية تصادميّة قائمة أساساً على أساس عسكري يمكن ملاحظته عالمياً.
ــ لقد أصبحت الحدود بين الحرب والسلام غير واضحة.
بلغ الإنفاق العسكري العالمي أعلى مستوياته على الإطلاق بأكثر من 2 تريليون دولار. وعلى ضوء إعلان الميزانيات للسنوات القليلة القادمة، سيستمر هذا المبلغ في الزيادة بسرعة، سنة بعد أخرى. كما عادت الأسلحة النووية إلى المقدمة. بعد الهجوم المفاجئ الذي شنّته روسيا، وبالكاد أعتقد إمكانية حدوثه، يمكن الآن فهم ردّة الفعل الأولي: يجب التقليل من التبعية الاقتصادية، وأنّ هناك مخاوف بشأن البنية التحتية الحيوية. لا يتعلّق الأمر بالتهديدات العسكرية التقليدية فحسب، بل أصبحت الخطوط الفاصلة بين الحرب والسلام غير واضحة.
أصبحت الحرب المختلطة، واستخدام المرتزقة، والحرب الإلكترونية، وتدمير البنية التحتية الحيوية، وتقويض التماسك الاجتماعي عن طريق حملات التضليل والتدخل والتأثير الانتخابي، والعقوبات وغيرها من تدابير الحرب الاقتصادية، أصبحت هي المعيار في النزاعات الدولية.
هل هناك مخرج من التصعيد السياسي والاقتصادي المستمر وقبل كلّ شيء العسكري؟ على رغم اليأس الواضح من إنهاء الصراع مع سلطة بوتين، وعلى رغم تفاقم الوضع في شرق آسيا، وفي العديد من الحروب والصراعات التي لا تحظى باهتمام كبير - سواء كانت في اليمن أو سوريا أو أفغانستان أو مالي - من الضروري التفكير حول النهاية المحتملة لهذه الحروب. يجب أن يحدث هذا بالتوازي على ثلاثة مستويات: السياسة الأمنية، والدبلوماسية، والاقتصادية.
ــ السياسة الأمنية هي أكثر من الدفاع بالسلاح
مع كلّ التفهم، لجلب أسلحة جديدة، الذي يتمّ الآن بشكلٍ محمومٍ في ظلّ زمن التحول، تجدر الإشارة إلى أنّ السياسة الأمنية هي أكثر من مجرّد الدفاع بالأسلحة. حتى لو لم تكن هناك حالياً طريقة تلوح في الأفق لحلّ تفاوضي لحرب أوكرانيا، فيجب النظر في ذلك. لا يمكن في نهاية المطاف، إنهاء هذه الحرب إلاّ باتفاقات على طاولة المفاوضات. حتى لو بدأت روسيا حرب أوكرانيا بانتهاك للقانون الدولي وارتكبت بوضوح جرائم حرب، فلن يكون هناك أمن في أوروبا على المدى الطويل من دون روسيا، وبالتأكيد ليس ضدّ روسيا. إن احترام المصالح الأمنية الروسية على رغم صعوبة ذلك، بسبب العدوان الروسي وتخيلات بوتين عن روسيا، هو شرط أساس لخفض التصعيد، لإجراء مفاوضات جادّة.
من الضروري سياسياً ودبلوماسياً التفكير بتصوّر نهائيّ في التوجه الجيوسياسي الحالي لمجموعة القوى. تعتمد العديد من الدول على سياسة خارجية جيواستراتيجية مدعومة عسكرياً. يُنظر إلى سياسات الصين العسكرية والخارجية والاقتصادية الحازمة بقلق. ولكن الاتحاد الأوروبي يريد أن يصبح مستقلاً عسكرياً أيضاً.
تحاول الولايات المتحدة إيجاد شركاء لسياستها التي تتنافس مع الصين. قوى أخرى مثل أستراليا واليابان والهند تضع نفسها في منافسة مع الصين أيضاً.
ــ تؤدي الجغرافيا السياسية، التي تعظم مصالحها الخاصة، إلى طريق مسدودٍ وخطيرٍ
بدلاً من الاعتماد على الجغرافيا السياسية، من الضروري التركيز على القيم (الديمقراطية وحقوق الإنسان) والقواعد الملزمة (القانون الدولي) حتى لو كان بوتين قد انتهكه بشكلٍ صارخ، كما أنّ الديمقراطية هي مفهوم أجنبي في الصين. من الضروري تغيير المسار بشكلٍ كبير. لقد شدد "الغرب" الذي يطالب بقوة بسيادة القانون والديمقراطية، في كثير من الأحيان على هذه القيم والمبادئ بأسلوب، "العليم بكل شيء" - "الغرب ضدّ البقية". تمّ تطبيق معايير مزدوجة في كثير من الأحيان ولم يتم مراعاة هذه القيم نفسها، على سبيل المثال في ما يسمى بالحرب على الإرهاب وفي حرب العراق. إذا كانت هذه المبادئ والمشاريع المؤيدة للديمقراطية ومناهضة الاستبداد مقنعة، فيجب على المرء أن يتخلى عن مفهوم "الغرب" تماماً ومحاولة تنمية شراكة وعلاقات غير متمركزة أوروبياً أي " غير المركزية الغربية" مع الدول الديمقراطية. باختصار، فإن الجغرافيا السياسية التي لا تؤدي إلاّ إلى تعظيم مزاياها الخاصة، تؤدي إلى مأزق خطير: فإذن الصدام أمر لا مفرّ منه.
هل الجواب الوحيد لـ "الغرب" هو إبقاء اليد العليا في المنافسة الجيوسياسية بالوسائل العسكرية؟ صحيح و منطقياً، من الناحية الاقتصادية تقليل التبعيات وتنويع سلاسل التوريد. ولكن لا يمكن تحقيق ذلك من خلال الفصل الجذري، وإنما يجب القيام بذلك خطوة بخطوة.
يبدو، بأن صدمة الوباء، وقبل كلّ شيء، قدرة روسيا على الابتزاز بقطع إمدادات الطاقة، قد غيرت الأولويات قليلاً. لم يكن العبء العسكري على الدخل العالمي مرتفعاً في أيّ وقت منذُ أوائل التسعينيات كما هو عليه اليوم، إذ تجاوز 2 في المائة ويتجه نحو الأعلى.
ــ لا يتمّ حالياً الحدّ من التسلح.
هل ينبغي أن يكون زمن التحول، العودة إلى الأنماط التقليدية لاستخدام القوة، بدعم عسكري فقط؟ الحدّ من التسلح لا يتمّ حالياً. لقد تم تهميش الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات التي تدعوا إلى الحد من التسلح. ويجب مع ذلك الآن أخذ الحد من التسلح ووقف التصعيد في الاعتبار، وحتى لو كانت قيادة الكرملين لا تزال تعرقلها، والقيادة الصينية بالكاد تستجيب لذلك حالياً.
يؤدي استمرار المسار الحالي، عالمياً إلى حالة تصبح أكثر خطورة من المواجهة التي كانت في ذروة الحرب الباردة، حيث أصبح العالم الآن في خطر إضافي جسيم بسبب أزمة المناخ.
على الرغم من أن مخاطر تغير المناخ والتسلح معروفة جيداً، فلا يوجد في الوقت الحالي أي اتجاه يلوح في الأفق لتغير هذا الوضع.. تتجه الأزمتان على ما يبدو، نحو كارثة لا مفرّ منها. بعد النظام العالمي القديم - مع تعدديته، الذي استخدم إلى حد ما، عن طريق، تنازلات، عطا وأخذ - تمّ استبداله، بمطامع وطنية، والتي أدّت في حالة روسيا بعد ذلك إلى انتهاك القانون الدولي، ومن خلال التركيز على الأسلحة النووية و السعي وراء المصالح الذاتية المفترضة، وإهدار اتفاقية المناخ التي لم يتم تحقيقها، ومعاهدات الحدّ من التسلح.
تتحمّل الدول الأعضاء في مجموعة العشرين مسؤولية 82٪ من الإنفاق العسكري العالمي.
يجب أن تشارك القوى الطموحة جيوسياسية مثل الصين والهند وتركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، أو المملكة العربية السعودية في جهود الحدّ من التسلح. تقدم اجتماعات قمّة مجموعة العشرين نفسها كنوع من المنتدى "الطبيعي". ركّزت مجموعة العشرين في البداية محادثاتها بشكل أساسي على قضايا الاقتصاد الكلي، وكذلك تركز الآن حول التنمية المستدامة والطاقة والبيئة وتغير المناخ أيضاً، ولكن ليس بجديّة، بشأن سياسة الأمن العالمي. رغم أن الدول الأعضاء في مجموعة العشرين مسؤولة عن 82 في المائة من الإنفاق العسكري العالمي. تعود جميع صادرات الأسلحة تقريباً إلى مجموعة العشرين ويتم تخزين 98 بالمائة من الرؤوس الحربية النووية في ترساناتها. وتتركز فيها اليوم جهود التسليح العسكري.
هناك ترابط بين سياسة المناخ والتسلح أيضاً، والتي تنعكس بأوضح صورة في الحروب والصراعات العنيفة في العقود الأخيرة، وتحركات اللاجئين، وتدفقات المهاجرين، وردود الفعل المضادة. إذا أريد لمجتمعاتنا أن تصبح أكثر مرونة واستدامة من الناحية الاِيكولوجية، فيجب عندئذ تغيير الأولويات، فلا يمكن استثمار مثل هذه النسبة الكبيرة من الموارد بشكلٍ دائمٍ دون احتمال خفض التصعيد. لذا يجب أن يحتوي زمن التحول على أكثر من التسليح الحالي.
نظراً لأن أعضاء مجموعة العشرين حصراً، هم الجناة الرئيسيون في أزمة المناخ أيضاً، فإنهم يتحملون المسؤولية الرئيسة عن اتجاهي الكارثة الحاليين. لذا حان الوقت لتذكيرهم بمسؤولياتهم وحثهم على التراجع. وبما أن الهند تترأس مجموعة العشرين هذا العام، ربما يمكن وضع السياسة الأمنية في مكان بارز على أجندة مجموعة العشرين. حيث أن الهند رفضت قبول العقوبات الغربية ضدّ روسيا، مع الإشارة إلى حماية مصالحها الخاصة. وهكذا أبقت الحكومة في دلهي - مثل بعض الدول الأخرى في مجموعة العشرين (البرازيل وجنوب إفريقيا وتركيا) - الباب مفتوحاً للمحادثات. من أجل تمكين زمن تحول نحو نظام أمني عالمي والتعاون في أزمة المناخ، يتطلب الأمر أكثر من التموضع العسكري الواضح الحالي للغرب في المواجهة مع روسيا.
من المرغوب فيه أن تناضل القوى الرائدة في الجنوب العالمي في إطار محادثات مجموعة العشرين، من أجل نظام عالمي قائم على التعدد. يشير وزير الخارجية الهندي جايشانكار إلى أن هناك احتمالات لنظام أمني يبدو خارج الأفق الأوروبي، عندما يقول بثقة: "مشاكل أوروبا هي مشاكل العالم، لكن مشاكل العالم ليست أوروبية.
ــ حاشية:
اتسم تحليل هربرت وولف بكثير من الموضوعية والعقلانية والنبرة الهادئة، بعيداً عن التشنج، الذي يسيطر الآن على غالبية المقالات، التي تشيطن بوتين، وتدعو للمزيد من الامدادات العسكرية لأوكرانيا، ليتواصل القتل والدمار. يذكرنا مقاله بالسياسة الواعية والحصيفة، التي اتخذها المستشار الألماني المخضرم الأسبق فيلي براندت، والتي عرفت "بسياسة الشرق" الانفتاح على أوروبا الشرقية، متخذاً شعار "التغير من خلال التقارب" من أجل التصالح، بدءاً ببولندا وقادت في النهاية إلى توحيد الألمانيتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- Herbert Wulf, Hochgerüstet in die Sackgasse, LPG, 03. 01. 2023

hamidfadlalla1936@gmail.com
////////////////////////

 

 

آراء