السودان .. مسرح اللامعقول .. دار المحامين مثالاَ !

 


 

 

بلد يحتضر ، الفقر والجوع والمرض ينتشر ، نسيجه وأمنه وسلامه المجتمعي يتلاشى، ناسه بعضهم يموتون جوعاََ تعففاََ، وبعضهم يجوب الطرقات والمساجد لسد الرمق، وبعضهم يبيعون ديارهم بأبخس الأثمان ويخرجون الي غير رجعة، وملايين النازحين في دارفور والنيل الأزرق تنقصهم أساسيات الحياة وينتظرهم صقيع الشتاء ...

وحكام عسكريون إنقلابيون يجلسون على كرسي السلطة وأيديهم على الزناد لا يفكرون إلا في نجاتهم، وخلفهم متربصون يعملون ليلاََ ونهاراََ للعودة للسلطة مهما كان الثمن ورأي الشعب فيهم، ثم قوات نظامية وغير نظامية، بعض أفرادها قلوبهم كالحجارة، تخصصوا في قتل ودهس وإعتقال كل من يعبر عن أحلام الشعب برفض الإنقلاب والدعوة للمدنية ...

وداخل الدور الحزبية والمهنية، كيانات وأشخاص في اجتماعات لا نهاية لها، يلوكون الحديث والتنظير بحثاََ عن حل للأزمة، كل منهم يتمسك برؤيته ويرفض رؤية الآخر ، يمسكون طرف الخيط أحياناً ويفقدونه أحياناً، والنتيجة دخلت نملة وأخذت "حبة" وخرجت ... والناس خارج تلك الدور تخرج أرواحهم في اليوم ألف مرة، من الفقر والجوع والمرض وإنعدام الأمن .. ووسط هذا الحال يستمر إطلاق الرصاص على الشباب المسالم، وتزداد كثافة غبار البمبان ليحجب دماء الشهداء والجرحى والدموع ..

والحال كذلك، يستهين الجميع بالثورة، فتحصل نقابة المحامين التي كانت تشكل أهم واجهات المؤتمر الوطني، على "قرار" يقضي بإلغاء حلها، فيسارع السادة أعضاء النقابة المحلولة، للإستيلاء على الدار في إطار تنفيذ حلم المؤتمر الوطني للعودة للسلطة، رغم أنف الثورة التي خرجت من داخل كل البيوت لإسقاطه !

وبعيداََ عن الثورة وحديث السياسة، يشعر الإنسان بالأسف لما تناقلته الوسائط عما حدث بدار المحامين، فكيف للزملاء أن يضعوا أنفسهم في ذلك الموقف المحرج المخجل ! في وقت هم في حاجة ماسة لتغيير الصورة التي رسخت في الأذهان عن كل من ينتمي للإنقاذ، بسبب جرائمها في حق الوطن والشعب !! فإلى متى المساهمة في تعميـق الأزمة وترسيخ الصورة !؟

وبعيداََ عن تسييس القرار، ألا يعلم الزملاء وبحكم المهنة أنه يقبل الجدل والطعن ووقف التنفيذ.! ألا يعلموا أن هناك إجراءات للتسليم والتسلم، حتى بعد أن يصبح نهائياً وواجب التنفيذ !؟ وأن ذلك يتم بعيداً عن المليشيات وبعيداََ عن هتاف إراقة كل الدماء الذي مله الناس وأصبح يثير السخرية !! فالتهديد بإراقة الدماء لم يعد يخيف أحدا ! فقد أرقتم ما يكفي من الدماء، ولم يزد ذلك جذوة الثورة إلا اشتعالاََ ! متى ستحكموا صوت العقل وتتجنبوا إشعال الفتن التي لن ينجو منها أحد !؟ إلى متى التحدث والتصرف كأنكم الأعلون في الأرض!؟ إلى متى المكابرة في الحق بدلاََ عن الإعتذار والإستغفار ورد الحقوق والمظالم لأهلها !؟

ثم أن اللوم يقع على الزملاء في لجنة التسيير، فقد كونت اللجنة في ديسمبر ٢٠١٩، وفي ينائر ٢٠٢١ أكملت وزارة العدل صياغة مشروع قانون النقابات الذي اعدته وزاره العمل، لكنه توقف عند هذا الحد ولم تتم إجازته إلى أن وقع الإنقلاب !! فماذا فعلت لجنة التسيير طوال عام ٢٠٢٠ !؟ ثم طوال الفترة من يناير ٢٠٢١ حتى أكتوبر ٢٠٢١ !؟
كيف تكون هناك لجان تسيير للمهنيين والموظفين والفنيين والتقنيين والعمال، على مدار ثلاث سنوات دون أن يتم تقنين أوضاعها، في بلد يريد أن يؤسس للديمقراطية ودولة القانون !! هذا وحده يكشف حجم اخفاقات المرحلة الإنتقالية السابقة !! أين مصداقية شعارات الثورة !؟

إنه لأمر غريب أن تستمر لجنة تسيير نقابة المحامين لثلاث سنوات بدلاََ عن ثلاثة أشهر، دون أن تتخذ الخطوات اللآزمة نحو قيام نقابة شرعية منتخبة، يكون في مقدورها القيام بواجباتها تجاه القاعدة وتجاه دعم تأسيس الإنتقال الديمقراطي ! كيف سيكون في مقدورنا دعم الانتقال الديمقراطي بسلوك غير ديمقراطي !؟

متى سنقر بأخطاء المرحلة الإنتقالية السابقة، لنحاول تجنبها ! إلى متى سنظل نكابر ونكيد لبعضنا ونحصر أنفسنا في الهتاف والهتاف المضاد والفعل ورد الفعل.! الديمقراطية ليست مقالات نكتبها أو شعارات نصرخ بها في وجه الآخرين، لكنها فكرة تبدأ بإصلاح الذات وغرس قيم المواطنة والوطنية والمساواة والتواضع والرحمة والمحبة وإقالة العثرة، وكل ما يحفظ النسيج الإجتماعى، ونمارسها في سلوكنا الخاص والعام، لتصبح ثقافة نتعامل بها مع الآخرين، حتى مع غير الديمقراطيين ليصبحوا ديمقراطيين ...

فمتى سيكون للمحامين دورهم الوطني المستقل عن احزابهم، ليكون في مقدورهم القيام بمهمة غرس هذه القيم في نفوسهم وبثها في أنفس الآخرين !؟ متى سيكون للمحامين دارهم التي يحتمي بها الجميع !؟ متى سيكون للمحامين دورهم المنشود في إسدال الستار على مسرح اللامعقول .!!؟

aabdoaadvo2019@gmail.com

 

آراء