رُوزنامةُ كمال الجزولي والشعر

 


 

 

إلى كمال الجزولي

لعلك لا تتذكر كاتب هذه السطور، لقد التقينا لأول مرة قبل سنوات طويلة في قاهرة المعز، لقد كنتُ قادما من برلين للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الاِنسان بصفتي عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة. لقد سبق اجتماع الجمعية ندوة عن الحرب في دارفور. وكنت أنت قادما من الخرطوم بدعوة من الأمين العام للمنظمة أستاذنا محمد فائق، لتقديم محاضرة والاستماع لوجهة نظرك كقانوني عن مفهوم التطهير العرقي، ومدلوله في القانون الدولي، أي جرائم الاِبادة، أو الجريمة ضد الاِنسانية، وكان ضمن الحضور من أعضاء مجلس الأمناء الراحلين الكبيرين د. أمين مكي مدني وفاروق أبوعيسى.. والتقينا للمرة الأخيرة، في الخرطوم وقبل سنوات طويلة أيضاً، حيث كنتُ في زيارة خاطفة للخرطوم، على مائدة "فطور"، مع الصديق د. عبد الرحيم بلال المدير السابق لمؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية\ فرع الخرطوم. وفرقتنا السبل، حيث بقيتُ مهاجراً أبداً وانت في الداخل ثابتاً ثبوت أبي الهول في جيزة مصر، مناضلا فكريا وثقافيا وأدبياً وسياسيا.
أتابع بكثير من الاهتمام والاعجاب والمتعة "رُوزنامةُ الأسبوع"، وأحرص أن لا تفلت مني حلقة.
لقد جاء في الحلقة الأخيرة بعنوان " الاوليغارشيَّة: أزمة السُّودان!" ( سودانايل، 9يناير 2023)، وتشير في فقرة الجُّمعة إلى إحدى حلقات برنامج السِّر قدور الرَّمضاني الشَّائق "أغاني وأغاني" حيث شوَّه عاصم البنَّا أداءه الجَّميل لرائعة أبو داود "هل أنت معي"، بتصرُّفه غير الحميد في الأبيات القائلة: "سَكِـرَ السُّـمَّارُ والخَمَّـارُ فِـي حَـانِ الغَـرَامْ/ وأنا الصَّـاحِي أرَى فِـي النُّورِ أشْـبَاحَ الظَّـلامْ/ وبَدَت كَأْسِـي عَلَى رَاحِـي بَقَايَا مِـنْ حُطَامْ"! وكذلك البيت القائل: "عَـادَ بِي الوَجْـدُ إِلَى لَيْلِي وكَأْسِـيَ مُتْرَعِ" !!

وتقول بأن الدافع لهذا التصرف، كان في الغالب الإحساس بحرج ديني صوَّر للبنَّا، أو لقدور، أو لكليهما، أن التَّغني بالخمر، أو بأيٍّ من ترميزاتها، كالكأس، والسُّكر، والحان، والخمَّار، هو ضرب من "المحرَّمات"، بخلاف ما استقرَّ ضمن الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة، حيث ترد صورة الخمر في الشِّعر، عموماً، على ثلاثة وجوه: حقيقي، ومجازي دنيوي، ومجازي صوفي. ثم تستشهد بروائع من ما جاء في هذا الصدد عبر الزمن القديم والمعاصر والحديث، وصولا إلى نمازج من الشعر السوداني.
أعاد لي هذا السرد الشائق ذكرى الاحتفال الذي أقامه معهد اللاهوت في جامعة اُوسنابروك، في 11 نوفمبر 2020 لتكريم الأستاذ هانز جورج إيبرت، أستاذ الشريعة الاِسلامية في المعهد الشرقي بجامعة لايبزج، بمناسبة بلوغه سن التقاعد. وقدم كلمة التكريم البروفيسور أدو اشتاينباخ، أستاذ الدراسات الاِسلامية والعربية، والتي جاء فيها: لقد تم اختيار هذا اليوم عن قصد، حيث تتجدد ذكرى ظهور ديوان الشاعر جوته "الشرقي ــ الغربي"، في هذا الشهر تقريبا، ومنذ أكثر من مئتي سنة...
والديوان يبدأ بقصيدة هجرة ــ Hegire وعنوانها مكتوب بنطقه العربي ورسمه الفرنسي، وهي مفتتح للمجموعة الشعرية، الذي يجعل فيها جوته ثقافتين تتحدثان بعضهما لبعض و تحكي خروج أو هجرة النبي محمد (صلعم) من مكة الى المدينة في 1 هجرية 622 وايضا الهجرة من أوروبا هروبا من حروب نابليون وتدمير نظام الدولة القديم". ويصوغ فيها ايضا أفكاره حول رحلته للشرق الواسع، ببطاركة العهد القديم والشخصية الاسطورية " الخضر" الذي يشرب من نبع الحياة. لقد كٌتبت القصيدة في اليوم الرابع والعشرين من شهر ديسمبر عام 1814، فهي إشارة إضافية لطابعها الديني والاحتفالي. وتبدأ القصدية هكذا:
الشمالُ والغربُ والجنوبُ يتناثر،
العروشُ تتصدعَّ، والممالكُ ترتجف،
فهاجِرْ أنتَ إلى الشرقِ الطاهر
لتَستَرْوحِ نسيمَ الآباء،
وبين الحب والشرب، والغناء
يجددُ فيكَ نبعُ الخِضْرة الشباب
أن الصورة المرسومة للشرق تُظهره كعَالم مختلف عن الحداثة الأوروبية. فهو لا يخضع للتأمل، كما عرفه جوته: "فيتسع الايمانُ، وتضيقُ الفكرة". أن هذا الايمان منذ نشأته لا يفصل بين الأرضي والسماوي. فالقصيدة بالطبع دينية في المقام الأول، بالرغم ما تحفل به من تفاصيل حسية ــ الجو البطريركي، البرمكي، الغناء والحب والشراب وحراك الناس ــ لا تخدش الحياء، فالسخرية محببة والتهكم يدفع للابتسام."
كانت آثار حروب نابليون ملموسة في فايمار مدينة الشاعر. أين تهرب لتجد السلام؟ ينفتح لك "الشرق الطاهر". الهجرة من القارة، من ضوضاء المعارك، إلى عالم الشعر الذي قربه له المستشرقون الأوروبيون في السنوات الأخيرة، الشعر العربي والفارسي.
ويتحدث شاعر فايمار مع تؤام روحه وأخيه العظيم من الشرق، الشاعر الفارسي الشيرازي محمد شمس الدين، الذي يطلق عليه أسم حافظ. فيود شاعر فايمار الفضولي أن يعرف هذا بشكل أكثر دقة، ويسأل:

"قُلْ لي يا مُحمد شمس الدين،
لِمَ أطلقَ عليكَ شعبُك المجيدُ
لقَب "حافظ"؟
ويرد الفارسي من شيراز:
فَلأني أحفظ في ذاَكِرتي الواعيةِ
إرْثَ القرآن الكريم
وأحافظُ عليه
كما ينبغي على كل مُؤْمنٍ أمين ـ
حتى لا تَمُسني بسوء عوادي السنين
او تمسًّ كلًّ مَنْ يَرْعى ويصون
كنز التًّنْزِيل الحكيم،
لهذا خَلَعوا عَلَىًّ هذا اللقبَ (العظيم).
الشاعر المسيحي:
ولهذا أود يا حافظُ، كما يبدو لي،
ألّا أقل عنك (في هذا السبيل)،
فنحنُ حين نُفَكر كما يفكرُ الآخرون
نصبح معهم متشابهين.
أنا الذي طبعت نفسي
بالصورةِ الرائعِة لكتبنا المقدسة،
كما انطبعت صورةُ السيدِ (المسيح)...

في المقابل، ينتهي الحوار بين الأميرين الشاعرين - جوته وحافظ – باعتراف شاعر فايمار بـ "الانتعاش" من خلال الوحي. وضد ضيق الأفق العقائدي للسلطات اللاهوتية، وضد الوعظ الأخلاقي محدود الأفق للوصايا الدينية.
من بداية أبيات الشعر الأولى في قصيدة "الهجرة" يأتي صدى: الحب، الشراب والغناء. ويعرف هنا الشاعرـ المفتون - في فايمار، بأنه متفق مع الشيرازي: بأن التقوى المستمدة من الوحي لا تتعارض مع أسلوب الحياة الحسي.
وتأتي في قصائد حافظ كلمات مثل الكأس والخمر والسجادة، ولا يمكن لأي مواطن، ولو حتى تقي في الجمهورية الإسلامية الايرانية، أن يتجاهل حافظ.
حاشية:
ــ قام الراحل د. عبد الغفار مكاوي (مصر) أستاذ الفلسفة وخريج الجامعات الألمانية، بترجمة رائعة للنص الكامل للديوان الشرقي لـ جوته، تحت عنوان "النور والفراشة".
ذاك فيلسوف وشاعر، له ديوان لم ينشره، وهذا قانوني وشاعر مبدع وضنين على نشر شعره، فلم ينشر منه حسب علمي الا القليل.

hamidfadlalla1936@gmail.com

 

آراء