من بوتن إلى أردوغان ( 1 ــ 2)

 


 

 

كيف السبيل إلى تهدئة المراجعين
عودة الجغرافيا السياسية إلى أوروبا

هيرفريد مونكلر Herfried Münkler

إلى مجموعة عابدين وحامد بشري " وغياب الحكماء وغياب الحلّ في النزاع الأوكرانيّ الروسيّ، وبوتين صناعة أمريكية".
تقديم وترجمة: فادية فضة وحامد فضل الله \ برلين
مدخل:
لاتزال الحرب الروسية الأوكرانية مُشتعلة، بل تزاد أكثر ضراوة بعد قرار الغرب تزويد أوكرانيا بدبابات ليوبارد 2 الألمانية ودبابات إبرامز الحديثة الأمريكية، مما يؤدي إلى مخاطر تصعيد لا حصر لها، ويصبح الغرب شريكاً في الحرب إلى جانب أوكرانيا ضدَّ روسيا، على الرغم من الخداع والنفاق والتمويه والنفي المتواصل. وأصبحت ألمانيا الآن متورطة عسكرياً في الحرب ومتخلّية عن رفض التورط في الحروب، بعد الضغوط الهائلة، التي مُورست على المستشار أولف شولتز(الحزب الاشتراكي الديمقراطي) ــــ ليس فحسب من أمريكا، بل ومن حزب الخضر المشارك في حكومته الاِئتلافية، والذي أشتهر في تاريخه السياسي ضدّ الحروب وتصدير الأسلحة، ليصبح من دُعاة الحرب ــــ وليتخلى أيضاً، عن السياسة الحكيمة للمستشار السابق فيلي براندت (سياسة الشرق) والانفتاح على أوروبا الشرقية وروسيا. لقد قدمنا في السابق عدَّة مقالات تناولت أثار هذه الحرب المُدمرة من عدّة وجهات نظر مختلفة، ونستعرض الآن المقال الحديث لعالم السياسة الألماني والمتخصص في النظرية السياسية وتاريخ الأفكار، والأستاذ السابق في معهد العلوم الاجتماعية بجامعة هومبولت في برلين، هيرفريد مونكلر.
النصّ المترجم مأخوذ من النسخة المكتوبة من محاضرة عقدت في أكاديمية برلين – برندبورغ للعلوم، ونشر في مجلة "أوراق للسياسة الألمانية والدولية" الشهريّة، عدد يناير 2023، لا توجد في النص هوامش أو مراجع للمؤلف.
إلى النص:
من ينظر أثناء الحرب في شرق أوكرانيا، إلى أوكرانيا فقط، يرى القليل جداً. فالقوقاز بالطبع هو جزء من المنطقة التي أصبحت الحرب مستوطنة فيها. فهذه المنطقة من الشيشان وجورجيا إلى أرمينيا وأذربيجان هشّة للغاية. وإذا ألقينا نظرة فاحصة، فإن هذا ينطبق على ساحل البحر الأسود المقابل لأوكرانيا ولتركيا أيضاً. تُمارس تركيا منذ فترة ما يسمى بالسياسة العثمانية الجديدة. يُمكن للمرءِ أيضاً، أن يُطلق على هذه السياسة الإمبريالية الجديدة، التي يحدث فيها بطريقة مُماثلة، الألم الوهميّ الامبريالي الإمبراطوري، كما هو الحال مع بوتين- أي ذكرى القوة، والعظمة، وروعة الأزمنة السابقة، التي يريد المرء استعادتها. كما تعتبر تصرّفات أردوغان على الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا مثالاً على ذلك. وكذلك صراعه المُستمر مع اليونانيين في بحر إيجة هو أيضاً، تذكير بأنَّه ليس من قبيل المُصادفة أن أردوغان وبوتين يتوافقان بشكلٍ جيدٍ في بعض النواحي، وبالتحديد فيما يتعلّق بالسؤال: كيف يمكننا تغيير الوضع الراهن في واجهة ثلاث قارات والاقتراب من الظروف التي نعتقد أنّها كانت ولا تزال مُناسبة لنا بالفعل- أي الإمبراطورية الروسيّة القديمة من العصر القيصري والإمبراطورية العثمانية السابقة؟ ولكن أجزاء من البلقان تنتمي إلى هذا الفضاء بين الحرب والسلام أيضاً. نجد هنا قوّة المُراجعة الثالثة الكامنة، وهي صربيا باعتبارها الخاسرة من تفكك يوغوسلافيا. فيما يتعلّق بكلّ من كوسوفو والبوسنة، تسعى صربيا جاهدةً لتغيير الحدود الحالية، على سبيل المثال من خلال ضمّ جمهورية صربسكا في البوسنة والهرسك إلى صربيا.
إذا سارت الأمور بشكلٍ سيّء، فلا يمكن استبعاد أن مناطق الصراع الأربعة، المنفصلة حالياً عن بعضها البعض، سوف تتجمّع في نقطة اضطراب رئيسيّة واحدة، حيث يلاحظ المرءُ ما يفعله الآخر ثم يُحاول في ظلال هذه المجرى فرض مصالحة الخاصة.
لهذا السبب لم أكن قلقاً طوال الوقت أن يستخدم شي جين بينغ زخم حرب أوكرانيا ليس لضمّ تايوان بالقوّة فحسب، بل بالأحرى أنّ تركيا ستتبع سياسة مُستقلة للغاية كقوّة وسطى- تركيا التي ترى نفسها على أنّها الجناح الشمالي الشرقي الهامشي لحلف شمال الأطلسي فقط، وتدعي في بعض الجوانب، بأنّ عضوية الناتو هي الدرع النووي ضدّ روسيا، لكنها في عين الوقت تنتهج سياسة مصالحها الخاصة. وأن صربيا تعيد إحياء الصراعات المهدئة موقتاً في البلقان عن قصد من أجل الاقتراب من أفكارها حول دولة صربية أكبر.
مركز أزمات البحر الأسود
دعونا نلخص: في وسط منطقة الأزمة الضخمة هذه، يقع البحر الأسود، إلى الشمال منه أوكرانيا، والقوقاز إلى الشرق منه، حيث كان هناك قتال متكرر في الأشهر الأخيرة. ولا تزال المشاكل بين أذربيجان وأرمينيا دون حلّ.

لدينا جنوب البحر الأسود تركيا، التي تشنّ منذُ عقودٍ عديدةٍ حرباً ضدّ الأكراد، تعود جذورها إلى معاهدة سيفرس للسلام. تمّ في هذه الضاحية من باريس، عام 1919 إبرام السلام مع تركيا أي مع الإمبراطورية العثمانية، والتي تنص على قيام دولة كردية مستقلة. لكن مصطفى كمال، الرجل القوي في تركيا في ذلك الوقت، رفض قبول ذلك واستخدم الوسائل العسكرية لمنع قيام دولة كرديّة. كان للفرنسيين في ذلك الوقت قوات في شمال سوريا، وكان بإمكانهم استخدامها لفرض أحكام نظام باريس للسلام. ولكنهم لم يفعلوا ذلك بسبب خسائرهم الهائلة خلال الحرب العالمية الأولى، والتي كانت أكبر نسبياً من خسائر الألمان. أمّا في معاهدة لوزان للسلام لعام 1923، فلم يعد هناك أيّ ذكر للدولة الكرديّة. ولأنّ الأكراد لا يوافقون، لهذا تندلع الحرب في تركيا بانتظام، ثم تنهار وتعاود تجددها مرّة أخرى. لذلك نحن نتعامل مع سياسة عثمانية جديدة من قبل أردوغان أو حزب العدالة والتنمية، وهي سياسة تحملها ذاكرة الإمبراطورية العثمانية. في ذلك، يبدو أردوغان هو شقيق بوتين الصغير، والأخير تطارده أيضاً، ذكرى أن روسيا كانت ذات يوم قوة على البحر الأسود، والذي يشعر بالحماسة عندما يفكر في العودة إلى كاثرين العظيمة، التي احتلت هذه المنطقة لروسيا. باختصار: تلعب الذكريات التاريخية دوراً مركزياً في كل من شمال وجنوب البحر الأسود، وهو ما أودّ تسميته "آلام الوهم الإمبراطوري".
لذا إذا أردنا حقاً فهم الصراع في أوكرانيا، فنحن بحاجة إلى النظر للفضاء الأكبر. الجغرافيا السياسية، الأسئلة والأجوبة التي نضطر بشكل متزايد الآن إلى التفكير فيها مرة أخرى، ونبحث في المناطق الجغرافية عن أماكن تضاعف الصراعات أو تداخلها، وبالتالي وجود احتمالية مُتزايدة لوقوع الحروب. تبرز في هذا البحث، منطقة البحر الأسود كشريط يمتدّ إلى عمق أوروبا ويميل في الوصول إلى البوسنة والهرسك أو ربما أبعد من ذلك. هذا الشريط، الذي يبلغ طوله حوالي ألف كيلومتر، سيشغل الأوروبيين لعقود قادمة. وسيكلفهم الكثير من المال والجهد إذا أرادوا أو اضطروا إلى تهدئة الوضع.
إذا نظرت إلى هذه المنطقة تاريخياً وليس جغرافياً فقط، كما أنا فعلت الآن، عندها يمكنك فهمها على أنّها إرث من الحرب العالميّة الأولى. لأنّها تشمل المناطق التي كانت حتى ذلك الحين تحت سيطرة إمبراطوريات متعددة الجنسيات ومتعددة الطوائف واللغات مثل أي إمبراطورية، القياصرة الروس وإمبراطورية السلاطين العثمانيين وملكية الدانوب وإمبراطورية هابسبورغ، والتي لم تكن أمورها جيدة بشكل خاص، ولكنها كانت تميل إلى الهدوء داخلياً حيث لم يكن من الممكن أنشاء دول قومية مستقرة فيها بعد عام 1918: إمّا لأنّها تتألّف من عدّة أمم، أو بعض أولئك الذين ينتمون إلى الأمم الفخرية الذين يعيشون خارج الدولة القومية.

إمبراطوريات مقابل الدول القومية
كان البديل عن الدول القوميّة هو استعادة الكيانات الإمبراطورية. تمّ في عام 1922 - في 30 ديسمبر 1922 على وجه الدقّة - تغيير اسم روسيا السوفيتية، كما كانت معروفة حتى ذلك الحين، إلى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. بطريقةٍ ما، كانت مُحاولة للجمع بين كيانات مُتعددة الجنسيات، ولكن مُتعددة اللغات أيضاً، في مكانٍ واحد وتحييدها كمناطق للصراع السياسي.
ثم أدّى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى ظهور منطقة عادت مرّة أخرى فيها جميع مشاكل تشكيل الدولة القومية الصعبة. ينطبق هذا في بعض النواحي، على منطقة مملكة الدانوب أيضاً، حيث يمكن للمرء أن يقول: كانت مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، كما كانت تُسمى في الأصل ثم تم تسميتها يوغوسلافيا، كانت محاولة للتغلب أيضاً، على القومية والعرقية، الاختلافات الدينية واللغوية لتحييدها بتشكيل قوّة سياسيّة شاملة.
أثار تفكك كلا الكيانين بعد 1990/1991 العديد من المشاكل التي لا تزال ملتهبة وأنتجت ما يسمى قوى المراجعين: روسيا وصربيا. من المثير للاهتمام أنه في هذه الحالة، ليست الحرب العالمية الثانية، التي نفكر فيها عادة عند البحث عن الجذور التاريخية للصراعات، لكن الحرب العالمية الأولى وأفكار نظام باريس للسلام تحدد الحاضر - وخلال مائة عام لم يكن من الممكن حلُّ هذه المشاكل.
هناك أسباب لذلك: لا توجد طريقة للاستقرار هناك بحيث يمكن بسهولة التوفيق بين الأمة والدولة. مثال المجر: بعد سلام تريانون، أي معاهدة باريس للسلام مع المجر، لا يزال 40 في المائة ممن يسمون أنفسهم مجريين يعيشون خارج أراضي الدولة المجرية. هذا هو السبب في أن المجريين شنّوا حرباً ضدّ رومانيا في عام 1920، التي خسروها بشكلٍ واضحٍ. كان الوشاح الذي ارتداه فيكتور أوربان رئيس الوزراء في مباراة كرة قدم دولية في نوفمبر 2022 بمثابة تذكير بـ "المجر الكبرى" السابقة. لكن شنّ البولنديون أيضاً ما لا يقلُّ عن أربعة حروب ضدَّ الاتحاد السوفيتي في فترة ما بين الحربين، من عام 1919 إلى عام 1939، والتي تعاملت بشكلٍ أساسي مع مسألة لمن تنتمي أوكرانيا الغربية: بولندا أم روسيا السوفياتية؟ انتصر البولنديون في أوائل عشرينيات القرن الماضي وأصبحت غرب أوكرانيا جزءاً من بولندا. جاء ميثاق هتلر – ستالين ليتم أعادتها إلى الاتحاد السوفيتي، التي لم تنتقل لبولندا بعد الحرب العالمية الثانية مع "التحوُّل الغربي"، وإنما تمّ ترسيخها لروسيا.
الأتراك ضدّ اليونانيين: مطلع القرن 1922/23
إنّ الكارثة الحقيقية في هذه المنطقة كانت في عامي 1922/23 ، أي قبل مائة عام بالضبط، الحرب بين اليونانيين (الإغريق) والأتراك، والتي تناولت مسألة من يملك ساحل بحر إيجة في آسيا الصغرى والأجزاء الجنوبية من ساحل البحر الأسود أيضاً. في ذلك الوقت، كان لدى اليونانيين (الإغريق) تصوُّر القُدرة على بناء شيء مثل بولندا العظيمة، على أساس الإمبراطورية البولندية الليتوانية في أواخر العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة. تابع اليونانيون (الإغريق) فكرة توحيد المنطقة التي حكمتها بيزنطة ذات مرّة، على الأقل أجزاء منها، باسم اليونان الكبرى. لكن ذلك حدث بشكل خاطئ، مما أدّى إلى عمليات طردٍ جماعيّة: 300 ألف "تراقي" طردوا إلى تركيا ومثل 1.5 مليون يوناني من تركيا أعيد توطينهم في اليونان. لا تزال هذه الصراعات قائمة - ولم تتوقف إلاّ لأنّ كلا البلدين اليوم عضوان في الناتو. ومع ذلك، فإن النزاعات حول حقول الغاز في بحر إيجه جعلتنا مشغولين للغاية في الأشهر الأخيرة.
باختصار: خلفت الحرب العالمية الأولى عدداً كبيراً من المشاكل في منطقة البحر الأسود، والتي بدأت الآن في الظهور مرَّة أخرى. مما لا شكّ فيه أن هذا مجال سيكلف الأوروبيين قدراً كبيراً من المال في المستقبل. وليس نتيجة لإعادة إعمار أوكرانيا فحسب، وبل إذا اتبعوا استراتيجيتهم لتهدئة المناطق من خلال نقل الازدهار أيضاً. لكن هذا يقود إلى النقطة الثانية التي يجب مناقشتها في هذا السياق: عودة قوى المراجعين.
تُعرَّف قوى المراجعين بأنّها لا تقبل النظام الموجود حالياً، لا سيما الترسيم الحالي الذي يريدون مراجعته. لذلك يمكن للمرء أن يقول: إنّ فنّ إنشاء نظام سلام يتمثل في إقامة سلام لا يُظهر أي قوّة. ولكن لم ينجح ذلك في الواقع إلاّ في عام 1648 في مونستر وأوسنابروك، بعد نهاية حرب الثلاثين عاماً، وربما مرّة أخرى في عام 1815 في مؤتمر فيينا. هذا هو المجد الأبدي لمدرسة الدبلوماسية النمساوية: تراوتمانسدورف (Trauttmannsdorff) وميترنيخ (Mitternich). لقد أدرك الكونت تراوتمانسدورف، الذي أنشأ سلام ويستفاليا في أربع سنوات من المفاوضات، أنّه - من خلال السماح بالتفاوض على جميع المشاكل واحدةً تلو الأخرى – لن يكون في النهاية هناك ممثل لديه تصور: وجوب إلغاء هذا الأمر مرّة أخرى في أي فرصة لاحقة، وينطبق الشيء نفسه على ميترنيخ ومؤتمر فيينا. ولكن بعد ذلك، وبصرف النظر عن الحرب "الداخلية الألمانية" والسلام عام 1866، لم تعد هناك أية معاهدات سلام خالية من إعادة النظر فيها أي (المراجعة). في صلح فرانكفورت عام 1871، كان من الواضح أنّ فرنسا كانت قوة مراجعة. كان واضحاً في اتفاقية باريس للسلام لعام 1919: ليس فقط ألمانيا هي قوة مراجعة ولكن روسيا السوفيتية أيضاً، لأن أجزاء كبيرة من أراضيها السابقة تم انتزاعها من الإمبراطورية القيصرية، وبشكل أساس من خلال إنشاء "الوفاق الصغير" الذي امتد من دول البلطيق إلى البحر الأسود، وشكل طوقاً واقياً بين ألمانيا وروسيا.
ولكن كانت إيطاليا قوة مرجعية بعد عام 1919 أيضاً، رغم أنها جلست على مقاعد الفائزين . كان هناك حديث عن انتصار مُضرّ، وهذا ما أوصل موسوليني إلى السلطة. ربما لهذا السبب تركت اتفاقيتا يالطا وبوتسدام في عام 1945، بحجّة أننا لا نعقد حتى معاهدة سلام، لأن مثل هذه المعاهدة تنتج الكثير من الاستياء. ولم يتم إعادة فتح الأمر برمته في عام 1990، على الرغم من وجود مطالبة بمعاهدة سلام نهائية. لكن الخوف من أن يؤدي ذلك حتماً إلى عودة ظهور قوى مراجعيه، كان ببساطة أكبر من اللازم.
ومع ذلك، وحتى دون معاهدة سلام، كانت ستظهر قوة مرجعيه وبالتحديد مع انهيار الاتحاد السوفيتي. في الواقع، كان من الواضح بالفعل في 31 كانون أول/ديسمبر 1991 بأنّ روسيا ستصبح فاعلاً مرجعياً (لإعادة احياء التوسع الامبراطوري) لمجرّد و بما أن الدولة كانت مشغولة جداً بنفسها في البداية، لم تستطع فهم الواقع الحاصل بحدّ ذاته. لم يتطلب الأمر سوى خطاب بوتين سيئ السمعة في عام 2005، والذي قال فيه إن تفكك الاتحاد السوفيتي كان "أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين". من تلك اللحظة فصاعداً، كان الأمر واضحاً، حيث وضع بوتين الأوراق على الطاولة: روسيا تبحث عن مراجعات وتركيا؟ في غضون ذلك - على الأقل مع حزب العدالة والتنمية ودورها العثماني الجديد - كانت فاعلاً مرجعياً منذ 15 عاماً أيضاً. وإذا نظر المرء عن كثب، فإن هذا ينطبق على صربيا ايضاً. وهي تبدو وكأنها الخاسر في حروب التفكك اليوغوسلافية وتودّ تغيير بعض نتائج هذه الحروب.
لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف السبيل إلى تهدئة المراجعين؟
استراتيجية الحل الأول: التهدئة من خلال نقل الثروة

استراتيجية الحلّ الأولى، التي يُنظر إليها بشكل منهجي وليس تاريخياً، تعني نقل الثروة. يتمّ دمج القوى المراجعيه في اقتصاد مزدهر، حيث يعمل الناسُ بشكل جيد، وبهذا يصبح الاستياء، وذاكرة "الماضي العظيم" السابق، رويداً رويداً أقلّ أهميّة، حتى يتمّ تقييم الازدهار الحالي بدرجة أعلى من السرديات التاريخية، مثل تلك التي يستخدمها بوتين باستمرار. و يجد الألمان على وجه الخصوص، بأن مشروع التهدئة من خلال نقل الثروة جيداً، وهو أمرٌ مفهوم تاريخياً. اتبعت الجمهورية الاتحادية القديمة، جمهورية بون، بطريقة ما وبشكلٍ خاصٍ، مع الإقرار، بأنّ هذا المسار باعتراف الجميع، لم يتم على الفور، حيث لعبت جمعيات اللاجئين (النازحين) حتى نهاية الستينيات دوراً أكبر في مطالبتهم بالعودة. ولكن هذا كان يتغير بشكل متزايد. كان انتخاب فيلي براندت عام 1972 علامة على أن المزاجيه قد تحولت إلى فولكلور، وأنّ الفرق الوطنية المختلفة ما زالت تلتقي بأزيائها التقليدية وتستمع إلى موسيقى - ممتلئة الوجنتين، لكن ولم تعد اجتماعات النازحين دعوة سياسية حقيقية لتغيير الحدود. وهكذا، مع الاعتراف بالحدود الألمانية مع بولندا، تكيفت الجمهورية الفيدرالية القديمة مع هذه الأوضاع، وتركت الدافع وراء المراجعة وراءها.
بوتين واليمين الأوروبي
ربّما يقدر اليمين السياسي في أوروبا بوتين لأنّه يريد إدخال روايات مشابهة له. إذا سُمح للمرء بإطلاق روايات مماثلة في أوروبا، كما يفعل بوتين، فسيؤدي ذلك إلى انفجار المراجعة في ألمانيا أو في أيّ مكان أخر في أوروبا. ويصبح كلّ شيء معرضاً للنقاش مرّة أخرى. ثم نعود لنتحدث عن "ستراسبورغ ستبقى ستراسبورغ" وبالطبع عن شرق وغرب بروسيا أيضاً، بوميرانيا، سيليزيا المختلفة وأكثر من ذلك بكثير. لذلك يمكن للمرء أن يقول: النظام الأوروبي من مونتانيون إلى يومنا هذا، وليس فقط فيما يتعلّق بالألمان، هو مشروع لتهدئة المساحات من خلال الازدهار أو نقل الازدهار. ينطبق هذا على التوسيع الشرقي أيضاً، والذي لم يكن قراراً سهلاً بالنسبة إلى المجموعة الأوروبية آنذاك لأنه جلب عدداً من الدول المتلقية الصافية واللاعبين المحتملين بحقّ النقض إلى الاتحاد. ومع ذلك، كان من الضروري منع تكرار فترة ما بين الحربين 1919 و 1939 في شرق أوروبا الوسطى. وكان هذا المشروع ناجحاً للغاية.
يعتبر الترابط الاقتصادي هو الوظيفة التكميلية لنقل الثروة. لذلك كان من الواضح القول: نحن نحاول تهدئة روسيا باعتبارها الجهة الفاعلة الرئيسية المحتملة للمراجعين الفاعلين، من خلال شراء مصادر الطاقة والمواد الخام، لأنّها أرخص بكثير بالنسبة لنا، بل وأكثر توافقاً من الناحية البيئية، من البدائل، لأنّها تُنقل عبر خطوط الأنابيب. وفي المقابل نبيع التكنولوجيا المُتقدمة للروس.
بهذه الطريقة نخلق تحويلاً للثروة إلى روسيا يعتمد عليه السادة في الكرملين، لأن الأموال القادمة من أوروبا تُستخدم لدفع رواتب المتقاعدين وموظفي الخدمة المدنية وغيرهم. ونأمل في الوقت نفسه، أن تعمل بشكل جيد كما فعلت في أوروبا وقبل ذلك مع الألمان. كانت تلك - ببساطة - خطّة شتاينماير التي نفذتها أنجيلا ميركل.
المشكلة في هذا: أن المرء بحاجة إلى رجلٍ اقتصاديّ على الجانب الآخر وفي القمّة السياسية ويتعامل مع الأمور بطريقة محسوبة وعقلانية، ويسأل نفسه عمّا يخسره إذا تخلّى عن مثل هذا المشروع أو خربه وماذا يكسب إذا تابع نفس المسار: الشخص الذي لا يتبع استياء الذاكرة التاريخية، والذي لا يسترشد بآلام الأشباح الإمبراطورية. كانت تلك - ولا تزال - المُشكلة الوحيدة مع هذا الشكل من إشراك المراجعين. وكانت تتمثل المُشكلة الأخرى في فشل عملية التدفق من الأعلى إلى أسفل، أي عدم انتقال الثروة إلى الناس العاديين. حقيقة أن الكثير من الأموال المحوّلة ذهبت مباشرة إلى الأوليغارشية، لم تزعجنا في الغرب بشكلٍ رهيب، لأنّ العديد من هؤلاء الأوليغارشيين قاموا من بين أشياء أخرى ببناء يخوتهم هنا. أدّى هذا إلى خلق فرص عمل عندنا، بينما لم تصل آثار الازدهار إلى أجزاء كبيرة من السكان الروس. لكن كان لذلك عواقب استراتيجية: فقد كان بوتين قادراً على تحمّل العقوبات الغربية سياسياً، لأنّها لم تغيّر بشكلٍ فوريّ أو جذري حياة الناس في روسيا.

hamidfadlalla1936@gmail.com
///////////////////////

 

آراء