قصيدة النثر في السودان: عاطف خيري نموذجاً
عبد المنعم عجب الفَيا
إذا كانت القصيدة العربية الكلاسيكية تقوم على نظام وحدة البيت، فإن قصيدة الحداثة الأولى العربية تقوم على وحدة التفعيلة. فشعر التفعيلة شعر موزون يلتزم بقواعد العروض الخليلية في بحوره المختلفة. كل ما هناك أنه حدث تمرد على وحدة البيت وذلك بالتخلص من نظام الشطرين والكتابة على نظام الشطر الواحد على نسق الشعر الأوربي، مع التزام الشاعر بوحدة التفعيلة الخاصة بالبحر الذي ينظم فيه.
فعوضاً عن توزيع تفاعيل البحر المعين على شطرين متساويين، كما في القصيدة التقليدية، يعمد الشاعر بكل حرية، إلى توزيع تفاعيل البيت على سطور متساوية أو غير متساوية. أما القافية فلم تعد ملزمة فقد تأتي في نهاية كل سطر أو أكثر وقد لا تأتي الا بعد عدة سطور وقد تتنوع في المقطع الواحد أو بعد كل مقطع.
وهكذا إذا كانت قصيدة التفعيلة قد التزمت بأوزان الشعر التقليدية لكنها عمدت إلى تفتيت وحدة البيت، فإن قصيدة النثر، لا تلتزم بالأوزان المعروفة ولا بنظام القافية التقليدي، فهي كتابة نثرية حرة تطمح أن تتجسد في شكل قصيدة مستفيدة من خواص الشعر الأخرى من موسيقى الألفاظ وموسيقى الأفكار والمعاني ومن التناظر والمقابلات بين المعاني والصور والأخيلة والرؤى.
هذا، وتعود بدايات قصيدة النثر في السودان في تقديرنا إلى سبعينيات القرن العشرين. واستطيع القول إن محمد المهدي المجذوب، (وأرجو أن أكون مصيبا في ذلك) أول شاعر سوداني يكتب (قصيدة نثر) بكامل عناصرها وجمالياتها وفي أسمى صورها التي تكتب بها الآن عند الشعراء المجيدين لهذا الضرب من الكتابة الشعرية. وأعني بذلك قصيدته (الزعيم) المنشورة بديوانه (الشرافة والهجرة) الصادر في 1972.
وللمجذوب قصيدة طويلة بديوان صغير نشر بعد وفاته، وهو ديوان (شحاذ في الخرطوم) 1984 خرج في نظمه عن الأوزان الخليلية والقافية، فجاءت القصيدة، كتابة نثرية بنفَس شعري لكن يتعذر علينا تصنيفها بصفتها قصيدة نثر، وذلك لافتقارها لخصائص قصيدة النثر في نظرنا.
ومن التجارب التي يجدر التنويه بها، تجربة الشاعر، التجاني سعيد، الذي أصدر في أواخر السبعينيات (أم أول الثمنينات؟) ديوانا صغيرا بعنوان (قصائد برمائية) جاء كله على نسق “الشعر المنثور”. كذلك حوى ديوان محمد عبد الحي (حديقة الورد الأخيرة) 1984 عدداً من القصائد النثرية.
غير أن عقد التسعينيات من القرن الماضي قد شهد بداية ازدهار قصيدة النثر في السودان، حتى صارت لها الغلبة مع نهاية العشرية الأولى من الألفية الثالثة، في إنتاج الشعراء الشباب في السودان. ويأتي على رأس شعراء قصيدة النثر السودانية الذين سجلوا حضورا منذ التسعينيات الشاعر الفذ عاطف خيري، فهو عبقرية شعرية فذة، ومن أعظم من أنجبتهم هذه الأرض الطيبة (أرض الشعر والممكن) من الشعراء.
عُرف عاطف خيري واشتهر بفرادته الشعرية، منذ صدور ديوانه الأول (سيناريو اليابسة) في 1996. ومما ساهم في لفت الأنظار إلى شاعريته، اختيار المغني (الطليعي) مصطفى سيد أحمد، بعض قصائد الديوان ليشدو بها، منها: اقتراح، وشهيق.
ومسبوقا بهذه الشهرة الواسعة أصدر عاطف خيري ديوانه الثاني (الظنون) في سنة 1998. وإذا كان الشاعر قد وظف لغة الكلام على الطريقة السودانية في كتابة قصائد (سيناريو اليابسة)، فإن ديوانه (الظنون) جاء كله باللغة الفصحى الخالصة، وهو يقف، عندي، في مقدمة التجارب الشعرية، في قصيدة النثر المعاصرة، على المستويين السوداني والعربي.
عاطف خيري وديوان الظنون:
يتألف ديوان (الظنون) من عدة فصول (إذا جاز لنا أن نسميها كذلك) كل فصل يشتمل على مجموعة من النصوص يحمل كل منها عنواناً. أول فصل من فصول الديوان يحمل عنوان: (كتاب الحَنان – نحو ابن حزم الأندلسي، صاحب طوق الحمامة).
إن الشاعر الحداثي عندما يستدعي نص ما، فهو لا يهدف من وراء ذلك إلى تكرار ذلك النص بالضرورة وتأكيد ما يقوله، وإنما يطمح إلى إقامة حوار معه، أو إلى توظيفه وإعادة إنتاجه ربما برؤية مختلفة قد تنتهي به إلى التجاوز والمفارقة.
غير أن عاطف خيري لا يهدف إلى شئ من ذلك عند استحضاره لنص ابن حزم. فهو لا يهدف إلى التناصص مع ابن حزم وإنما يهدف إلى إنتاج نص موازٍ وغرضه من استدعاء نص ابن حزم (طوق الحمامة) هو جعله إطاراً أو خلفية فقط تضىء ذاكرة القارئ الجمالية. لذلك يلزمنا قبل الدخول في قراءة نص (كتاب الحنان) أن نتوقف لإضاءة الدلالة الرمزية لعنوان كتاب ابن حزم (طوق الحمامة) والذي أراده الشاعر أن يشكل الخلفية الجمالية لقراءة نصه.
وموضوع كتاب ابن حزم (طوق الحمامة: في الأُلفة والأُلّاف) هو الحب: بداياته وعلاماته وأحواله وأطواره ووصاله وهجرانه إلخ. ومع أنه موضوع مباشر وعالجه المؤلف معالجة مباشرة وبلغة حرفية تقريرية إلا أنه اختار للكتاب عنواناً رمزياً يكتنز بالدلالات والإشارات اللطيفة على موضوعه.
وقد أفاد ابن حزم من رمز (الحمامة) في التراث والشعر العربي وفي القصص الديني والمثيولوجيا ووظفه ليرمز به إلى موضوع كتابه. فقد كانت العرب تكني بالحمامة عن المرأة. وفي ذلك يقول معجم لسان العرب: “والحَمامَة: المرأة”.
وفي رمزية الحمامة يقول عبد الله الطيب بكتابه (المرشد إلى فهم أشعار العرب) تحت عنوان جانبي: (الحمامة والحنين) وفي سياق ليس فيه أي ذكر لكتاب ابن حزم، يقول: “الحمامة من رموز الشوق والحنين. ورمزية الحمامة في الشعر العربي متعددة الجوانب كثيرة الأصول والفروع. ذلك بأن الحمامة رمز للمأوى، ورمز للوِرد، ورمز للنظر ورمز للخصوبة والأنوثة والوداعة، ثم هي رمز للحزن والشوق والصبابة والبكاء ثم هي رمز للإلفة للمشهور من تآلف الحمام”. (انظر: المرشد،،ج3، ص152 )
ورمزية الحمامة في الثقافة السودانية وفن الغناء السوداني بخاصة شديدة الرسوخ. وفي ذلك يقول عبد الله الطيب في ذات السياق: “والرقص التقليدي في أعراس السودان تقلد فيه الفتيات مذهب الحمامة من الزَّيفان بالصدر والقطف في الخطأ. وقد تقول المغنيات للراقصة (عومي يا الوزين) أي يا أوزة، المراد صفة الحركة الرشيقة. ورقص الفتيان عندنا يحاكون به بخترية الصقور ووثبها وفحولتها ويسمى (الصقرية) نسبة إلى الصقر، وقد يستعينون فيه بالتلاعب بالعصي والسيوف. وعلاقة ما بين الحمامة والصقر من قديم ما غرِيَ به الشعر العربي في الجاهلية والإسلام”. انتهى.
وقصيدة (رقصة الحمامة) للشاعر الضخم، محمد المهدي المجذوب، أفضل ما يضيء حديث عبد الله الطيب. ومما جاء فيها قول الشاعر:
وتهــادى الحمامُ في دارةِ العُـــــرْسِ ورَجْعُ الغـناءِ باحَ ورَنّـــا
وابتراقُ النّضارِ في الشَّعَرِ المضفورِ برقُ الخريفِ شالَ وضنّا
طهّــرتنــا السـياطُ والــــدّمُ قـربانٌ ولــم نبــــغِ أجـــــــرَهُ حــــيـنَ دِنّــا
أنا فـي حـبِّهـــا الغنيُّ عـــــن الأَيامِ إنْســـــاً إذا غـــــــدرنَ وجِـــــنّــا
وفي العصر الحديث اتخذت الحركات الثورية وحركات التحرر الوطني، الحمامة وهي تحمل في فمها غصن الزيتون، شعارا للسلام. وهذا الرمز ذو خلفية دينية وميثولوجية، فهو مستوحى من الدور الذي لعبته الحمامة في قصة طوفان النبي نوح الشهيرة. فقد أرسل النبي نوح، وهو في السفينة، الحمامة للبحث عن مكان يابس ليرسوا عليه، فعادت في المساء وفي فمها غصن زيتون دلالة على أن الطوفان قد انجلى وأنهم وصلوا بر السلامة.
واتخاذ الحمامة رمزاً للحب يضفي على الطوق الذي يزين جيد الحمامة رمزية هو الآخر تتعدي مجرد كونه حلية وزينة ويحوله إلى قيد للمحب. ومن معاني الطوق القِلادة ومنها قلد يتقلد العِقد وغيره. وتطويق الشئ حصره وتقييده، وبذا يرمز الطوق إلى القيد، والحب قيدٌ وأي قيد.
وقد كان شاعرنا عاطف خيري واعياً تمام الوعي بالطاقة الايحائية والدلالات الدينية والروحية لرمزية الحمامة إذ يقول في نص (كتاب الحنان):
وللطيور في حنانها مسلكٌ فريد،
هي صورتُه في الفضاء، وشكلُه الذي ارتضاه حين يحِنُّ إلى التحليق.
إذ أن الطير حاذق وله من البصيرة ما للأنبياء،
والطيورُ في رحلةٍ من الحنان لا تنقطع،
ومن أراد رؤيةَ الحنان لبرهةٍ،
انتظر حتى يقع عصفورٌ في شركٍ، فأسرع ونظرَ عينيه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم