أمير حميده (ابو المك) مستشار حوكمة المؤسسات
*شندي/السودان * بينما يغرق غالبية الشعب السوداني في بحر الفقر المدقع، وتُختزل وجباتهم إلى النذر اليسير، تُلقى ثروة طائلة سنوياً في مكبات النفايات أو تُترك لتعفن تحت أشعة الشمس الحارقة. إنها مأساة جلود خراف الأضاحي، التي تُعد نموذجاً صارخاً لغياب الحوكمة الرشيدة وهدر الموارد في السودان، خاصة في مواسم الذبائح كعيد الأضحى المبارك.
المشهد المُهين: ثروة تتحول إلى نفاية
في أحياء مدينة شندي، وبالقرى السودانية، وبعد انتهاء فرحة العيد، يتكرر المشهد المؤلم: جبال من جلود الأغنام والأبقار تُرمى بلا أي تقدير لقيمتها. تتراكم في الشوارع، بجوار مراكز الذبح العشوائية، أو في المكبات المفتوحة، مصدراً للروائح الكريهة والأمراض والذباب، بينما يعاني جيرانها من الجوع وعدم القدرة على توفير أبسط الاحتياجات. هذه الجلود، لو جُمعت ونُظفت وعُولجت، يمكن أن تشكل مصدر دخل قومي هائل ومصدر رزق للآلاف.
أرقام صادمة في مواجهة الفقر المدقع:
- حجم الهدر: تشير تقديرات غير رسمية إلى ذبح ملايين الرؤوس من الأغنام والماعز والأبقار خلال عيد الأضحى وحده في السودان. لو افترضنا أن سعر الجلد الواحد (حال معالجته) يبدأ من 5 دولارات كحد أدنى (وقد يصل لأكثر بكثير حسب النوعية)، فإن القيمة المالية المهدرة سنوياً تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات.
- واقع الفقر: يقبع أكثر من نصف السودانيين تحت خط الفقر، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي. يعاني ملايين السكان من انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وشُح فرص العمل. في هذا السياق، يبدو إهدار مورد ثمين مثل الجلود ضرباً من اللامعقول والعبث الاقتصادي.
- لماذا هذا الهدر الفادح؟ جذور الأزمة في غياب الحوكمة:
- انعدام التخطيط والتنظيم: لا توجد خطط وطنية أو محلية فعالة ومطبقة لجمع الجلود بشكل منظم بعد العيد. غياب آليات الجمع والتخزين الأولي بالقرب من مراكز الذبح.
- ضعف البنية التحتية: نقص المدابغ الحديثة والمتطورة (خاصة خارج الخرطوم) التي تستطيع استيعاب وتصنيع هذه الكميات الهائلة في فترة زمنية قصيرة. معظم المدابغ القائمة تعمل بأدوات بدائية أو متوقفة.
- الفوضى في مراكز الذبح: الذبح العشوائي في الشوارع والأحياء يصعب عملية الجمع المنظم ويُعرض الجلود للتلف السريع.
- غياب التوعية: عدم إدراك المواطن العادي للقيمة الحقيقية للجلد وطرق حفظه البسيطة (مثل تمليحه) بعد الذبح مباشرة، مما يسرع تلفه.
- الفساد والإهمال: حتى المبادرات أو المشاريع الصغيرة التي قد تُطرح، تتعثر غالباً بسبب البيروقراطية أو سوء الإدارة أو انعدام المتابعة والمساءلة.
- انهيار سلاسل التوريد: الصراعات وضعف الأمن عطلت سلاسل التوريد والتوزيع التي كانت تربط بين المنتجين (أصحاب الماشية والذابحين) وبين المدابغ والتجار.
الخسارة المزدوجة:
- خسارة اقتصادية مباشرة: فقدان عائدات تصديرية محتملة (الجلود الخام أو المدبوغة) وعائدات محلية من الصناعات الجلدية.
- خسارة فرص عمل: ضياع آلاف فرص العمل في جمع الجلود، ونقلها، ودباغتها، والصناعات التحويلية الجلدية (أحذية، حقائب، ملابس، أثاث… إلخ).
- خسائر بيئية وصحية: تلوث التربة والمياه الجوفية من جراء تعفن الجلود، انتشار الروائح الكريهة والحشرات الناقلة للأمراض، تشويه المظهر الحضاري.
- تعميق الفقر: إهدار فرصة لتحسين دخل الأسر الفقيرة لو تم تنظيم بيع الجلود بشكل يضمن لهم حصة عادلة.
مقارنة مُرة:
بينما تُرمى الجلود في السودان، تقوم دول مجاورة ودول إسلامية أخرى بتنظيم عمليات جمعها بدقة، وتوجيهها لمدابغ متطورة، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، تُصدر للعالم وتدر دخلاً كبيراً على الاقتصاد الوطني وتوفر آلاف الوظائف.
هل من أمل؟ نحو استغلال ثروة مهدرة:
يتطلب حل هذه المعضلة تحركاً جاداً يعكس # حوكمة رشيدة:
- تشريعات وتنظيم: إصدار وتطبيق تشريعات تلزم بتنظيم مراكز الذبح وتوفير أماكن مخصصة لجمع الجلود فور الذبح.
- بناء شراكات: تعاون بين الحكومة (المحليات)، والقطاع الخاص (المدابغ، تجار الجلود)، والمجتمع المدني في تنفيذ حملات جمع منظمة سنوية.
- دعم المدابغ: إعادة تأهيل المدابغ القائمة وتشجيع إنشاء أخرى صغيرة ومتوسطة في الولايات، وتزويدها بالتكنولوجيا البسيطة والفعالة.
- توعية المزارعين والمواطنين: حملات إعلامية مكثفة عن قيمة الجلود وطرق حفظها الأولية البسيطة (كالتمليح) لزيادة قيمتها السوقية.
- خلق قنوات تسويق: تسهيل وصول الجلود المجموعة للمدابغ والتجار بأسعار عادلة تضمن حصة للمواطن.
- تشجيع الصناعات الصغيرة: دعم المشاريع الصغيرة القائمة على المنتجات الجلدية لخلق سوق محلي واستيعاب جزء من الإنتاج.
الخلاصة:
رمي جلود الأضاحي ليس مجرد إهمال بيئي، إنه رمز صارخ لإدارة فاشلة وغياب الرؤية. إنها قصة سودانية مكررة: موارد هائلة تهدر بينما يئن الشعب تحت وطأة الفقر. استغلال هذه الثروة المهدرة ليس رفاهية، بل هو واجب وطني واقتصادي وإنساني. إن التغلب على هذه المعضلة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتخطيطاً سليماً، ومحاسبة للمقصرين، وشراكة فعالة بين كل الأطراف. فهل نستفيق قبل أن تتحول كل ثرواتنا إلى نفايات، ويبقى شعبنا يراوح في حلقة الفقر المدقع؟ الوقت ليس في صالح السودان.
golden.wrist.sd@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم