رحيل المرايا … حين تسافر العيون

محمد صالح محمد
ليس السفر دائماً حقائب مكدسة وتذاكر عبور بل إن أقسى أنواع الاغتراب هو ذلك الذي يحدث وأنت تحدق في وجه تحبه فتجد أن العيون قد سافرت و رحلت خلف أفق لا تدركه يداك وتركت لك ملامح جامدة كجدران مدينة مهجورة.

غيابٌ في حضرة الحضور …
أصعب ما قد يواجهه المرء هو “سفر النظرة” حين تجلس أمام من تحب تبحث عن ذلك البريق الذي كان يخبئ اسمك فلا تجد إلا انكساراً أو شروداً طويلاً تسافر العيون حين تكتفي من الوجع أو حين تهاجر الروح إلى ملكوت الذكريات هرباً من واقع مرّ في تلك اللحظة يصبح القرب الجسدي مجرد كذبة بيضاء وتتحول النظرة إلى طريق طويل و موحش ولا ينتهي.

ملامح الوداع الصامت …
عندما تسافر العيون تسقط الوعود في بئر الصمت فتبدو الحدقات وكأنها نوافذ لبيوتٍ خلت من سكانها؛ لا ضوء يشع منها ولا دفء يطمئن القادمين.

الانكسار: نظرة لا تستقر على شيء وكأنها تبحث عن مخرج من سجن الملامح.
الشرود: إبحارٌ في لجة الحزن حيث لا شاطئ للعودة ولا مرسى للأمل.
البرود: جفاف الدمع الذي كان يوماً يروي عطش اللقاء.

وحشة اللحظة الأخيرة …
إن سفر العيون هو الإعلان غير الرسمي عن النهاية و هو ذلك الوداع الذي لا يحتاج لقول “وداعاً” لأن الصمت فيه أبلغ والمسافة فيه أعمق من أي محيط نراقبهم وهم يرحلون بنظراتهم بعيداً فنشعر باليتم ونحن وسط الزحام وندرك أن القلوب إذا هاجرت تبعتها العيون ولم يبقَ لنا سوى صدى أصواتنا يرتد إلينا من فراغ نظراتهم.

“أشد أنواع الغربة ليس أن تكون في مكان غريب بل أن تنظر في عين من تحب فلا تجد نفسك فيها”

شراعُ الذبول …
على رصيفِ الوجهِ وقفتُ أنتظرُ عودةَ عينيك
لكنَّ الشراعَ كانَ قد مضى
والبحرَ صارَ خاوياً إلا من ملحِ الخيبة
ناديتُكَ بقلبي فلم يرتدَّ لي سوى صدى انكساري
رأيتُ في عينيكَ مدناً غريبةً لستُ من سكانها
وطرقاتٍ موحشةً لم تعدْ قدمايَ تعرفُ العبورَ فيها
يا لمرارةِ أن يسافرَ من تحب وهو جالسٌ أمامك!
لا النظرةُ عادتْ تعرفني ولا البريقُ ظلَّ وفياً لاسمي
لقد سافرتْ عيناك..
وتركت لي جثةَ الوقت وأطلالَ حلمٍ كان يوماً يسكنُ مآقيك.

“غادرتْ نظرتُك فصارَ الكونُ ضيقاً كخرمِ إبرة واللقاءُ أبعدَ من نجمةٍ تائهة.”

رحيلُ المآقي …
عَيناكَ سَارَتْ وَمَا لِيْ فِي المَدَىٰ سَكَنُ وَالرُّوحُ بَعدَكَ مَوجُوعٌ بِها الشَّجَنُ تَجْلِسْ أَمَامي وَلٰكِنْ غَابَ مَنظَرُهُمْ أَمَا دَرَيتَ بِأَنَّ البُعْدَ مُؤتَمَنُ؟ نَادَيتُ طَيفَكَ فِي حَدقاتِ مَن هَجَرُوا فَمَا أَجَابَ سِوَىٰ التَّغرِيبِ وَالوَهَنُ أَبحَرتَ عَنِّي بِلَا قَولٍ وَلَا سَبَبٍ وَصَارَ وَجهُكَ لِلأَحزانِ كَـ الوَطَنُ يَا سَفْرَةَ العَينِ لَا عَوْدٌ وَلَا خَبَرٌ هَلْ لِلرَّحِيلِ بِدُونِ الخُطوَةِ ثَمَنُ؟

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

الوفاء الأخير … “يا زولة” تسكن نبض الخرافة رغم جمر الغياب

محمد صالح محمدفي ملكوت العشق ثمة حكايات لا تُكتب بحبر الأقلام بل تُنحت بوجع الحنين …